إنه قرار تاريخي غير مسبوق, وانذار موجه للديكتاتوريين في أنحاء العالم, فلأول مرة تدين المحكمة الدولية رئيس دولة, حيث أصدرت المحكمة الخاصة من أجل سيراليون منذ أيام حكما بسجن رئيس ليبيريا السابق شارل تيلور لمدة خمسين سنة! لقد تمت ادانته بسبب جرائم الحرب التي ارتكبها ضد الإنسانية, وهي سابقة فريدة من نوعها منذ محاكمة نوريمبيرج التي أدانت المسئولين عن النظام النازي عقب الحرب العالمية الثانية وتمتد جرائم شارل تيلور من عام 1997 الي 2003 عندما كان رئيسا لليبيريا حيث قام بتسليح وتمويل وتدريب حركة التمرد في الدولة المجاورة سيراليون, حيث أكدت المحكمة الخاصة لسيراليون, أن المتمردين قد لجأوا لألعن الجرائم ضد الإنسانية وقاموا بقتل واغتصاب وتسخير آلاف النساء والأطفال أدوات للعبودية الجنسية, وقطع ذراعي آلاف الرجال والمراهقين الذين لم يتم تجنيدهم بالقوة ليدخلوا في الحرب. نجحت المحكمة الخاصة من أجل سيراليون بسرد تفاصيل الأعمال الوحشية التي لجأ إليها المتمردون والتي ليس لها مثيل في التاريخ المعاصر لغرب إفريقيا. ولقد وقف الديكتاتور شارل تيلور أمام المحكمة مرتديا بدلة زرقاء أنيقة ورباط عنق أصفر, ونظارة نظر رفيعة تقع علي طرف أنفه, واستمع للحكم وعلي شفتيه علامة الغيظ والغم! وحاول الدفاع عن نفسه مستندا بالحصانة التي كان يتمتع بها كرئيس للجمهورية خلال الأحداث.. وإنما أكدت المحكمة أن الرئيس تيلور بدل أن يعتمد علي سلطته كرئيس لليبيريا للارتقاء بالسلام والاستقرار في البلد المجاور, فقد ساند حركة التمرد بهدف واحد وهو أن يقبض الثمن من المتمردين وسوف ينهي الرئيس تيلور أيامه في سجن بانجلترا, وبعد عشر سنوات نجحت المحكمة في ادانته حيث لم ينجح في كسر الحاجز السياسي الخاص بالحصانة التي يلجأ إليها معظم رؤساء الجمهوريات! وهذا هو الانذار الذي يجب أن يرن في أذن الحكام المستبدين, حيث تطارد المحكمة الجنائية الدولية عمر البشير وقد توجه قريبا العدالة الدولية أصابع الاتهام لبشار الأسد التي ضاقت سوريا بتجاوزاته وبالمجازر التي ترتكب في حق المعارضة, وفي حق شعبه. واذا كانت المحكمة الدولية تمثل اليوم العدالة الدولية, إلا أنها مازال أداؤها بطيئا للغاية وغير كاف ومتعادل, طالما أن دولا مثل الولاياتالمتحدة وروسيا لم تقم بالتصديق علي معاهدة الاعتراف بسلطة المحكمة.. وهي تقف أيضا ضد تيار العصر, حيث ان عددا من الدول تتراجع عن كل ما يقترن بالتدخل الدولي.. وانما تبقي المحكمة عنصرا مهما في الساحة الدولية ومفتاحا لحلول بعض الحالات, حيث ان حق الدولة لا يستطيع أن يغطي جرائم حرب أو استبداد تمت ممارسته ضد شعوب, ويبدو أنه في مطلع القرن الحادي والعشرين لم يعد أحد فوق المحاسبة, ولقد انهت العولمة عهود جميع الديكتاتوريات في جميع أنحاء العالم وكل الممارسات الفردية. المزيد من مقالات عائشة عبد الغفار