تفرض الأزمة الاقتصادية التى تمر بها البلاد تحديًا خاصًا على مصر الدولة والشعب ككيان عضوي بات يبحث عن حلول حقيقية، وهو يتطلع نحو الخروج من دائرة العجز في استغلال الموارد المتاحة، واستدعاء حلول غير تقليدية في حقبة استثنائية في تاريخ البلاد. إن التحديات التي تفرضها الأزمة تتقاطع مع عدة عوامل خارجية ومعطيات داخلية باتت الاستجابة لها أمرًا حتميًا، فلم نعد نملك ترف الاختيار، ولا رعونة التأجيل والتسويف. بات من الواضح أن نظام اقتصاد السوق لم يعد قادرًا على تقديم أي حلول حقيقية، في ظل تراجع التصدير، وسطوة السلع الاستهلاكية مع تكريس الأنشطة الريعية التى يقوم على هامشها اقتصاد الظل بكل أنماطه؛ من مضاربات وسوق سوداء وتلاعبات، وفي ظل سيطرة رأس المال وعدم القدرة على ضبط الأسواق والتحكم في إيقاع ارتفاع الأسعار، بات هذا التوجه التقليدي يطأ رقاب الفقراء بلا رحمة، ويهمش قدرة الدولة على احتواء الموقف، ويرسخ أنماطا جديدة من التبعية والاستغلال. في الماضي القريب، حققت التجربة المصرية في الخمسينيات والستينيات، ومن خلال سياسات استشرفت ملامح المستقبل، فاعلية أدائية غير مسبوقة، حيث تمكنت الدولة من تخطي محنتها الاقتصادية، وتحقيق معدل نمو تفوقت به على العديد من دول العالم المتقدم آنذاك، من خلال إجراءات صارمة تمكنت بواسطتها الدولة من حماية المنتج المحلي، مع وضع خطط تنموية طموحة، فتمكنت من تنظيم القطاع الزراعي، وتلافي أي سلبيات قد تنتج عن عملية تفتيت الملكية الزراعية، حيث نجحت سياسات التخطيط الشامل للزراعة من خلال الدورة الزراعية في معالجة مشكلة البطالة فى الريف، ليصبح منطقة جذب مرة اخرى. واكب هذا التحرك رفع القدرة الإنتاجية للعامل المصري، وتطوير كفاءته. فوفقا لما أورده البنك الدولي في تقريره رقم 870 تمكنت مصر في الفترة من عام 1957 1967 من تحقيق نسبة نمو بلغت 7 % سنويا، وهو ما يعادل اربعة أضعاف ما تم تحقيقه منذ الحرب العالمية الأولى، وفي وقت لم تتجاوز فيه نسبة النمو في أكثر البلدان النامية بل وبلدان العالم المتقدم في نفس الفترة الزمنية 2.5% . وفي نفس الوقت نجحت مصر في تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل في جميع المحاصيل الزراعية عدا القمح بلغت نسبة الاكتفاء منه ثمانين بالمائة. ليصبح لدى مصر أكبر قاعدة صناعية في العالم الثالث، وهو ما حقق فائضًا كبيرًا في الميزان التجاري، مع زيادة رقعة الأرض الزراعية في نفس الوقت.تحقق كل هذا على الرغم من العراقيل البيروقراطية العريقة، والصراع الخارجي الذي استنزف موارد الدولة. من التجربة المصرية قبل نكسة يونيو إلى التجربة العراقية إبان سنوات الحصار الأمريكي، حيث توجه الاقتصاد العراقي نحو الداخل، وفي ظل توقف الاستيراد نشطت الصناعات الصغيرة الحرفية منها والوسيطة، وبدأت العودة من المدينة إلى الريف، ونشطت التجارة الداخلية بشكل غير مسبوق، وهو ما تسبب في استقرار الحالة الاقتصادية ورواج وانتعاش الاقتصاد المحلي، بحيث لم يجد الحصار نفعًا، وهو ما اضطرت معه الولاياتالمتحدة إلى الغزو المباشر لاسقاط النظام. لعل الصورة تبدو الآن أكثر وضوحًا، فلم تعد سياسات الإمساك بالعصا من المنتصف تحت دعوى تشجيع الاستثمار الخارجي تلقى صدى شعبيا. لقد لجأت الحكومات المتعاقبة إلى سن العديد من القوانين بدعوى تهيأة المناخ للاستثمار، وتشجيع المستثمر الأجنبي والعربي، ومع احترامى لوجهة النظر تلك، لكن الزمن أثبت فشل ذلك التوجه، فلا ملايين المستثمرين أنعشت السوق وقضت على البطالة، ولا ساعدت تلك الإجراءات على اجتذاب رءوس الأموال في ظل أوضاع إقليمية طاردة . لست بصدد الدعوة إلى إغلاق السوق، وعدم مواكبة الواقع واستدعاء الماضي، بقدر ما أدعو إلى التأمل ومراجعة التوجهات الاقتصادية الليبرالية التى أودت بالصناعة المحلية، وخلقت أنماطًا استهلاكية نفعية، وأوجدت طبقات طفيلية أثرت على حساب الشعب، وأحدثت هذا التفاوت الطبقي الذي بات يهدد البنى الاجتماعية. المطلوب هنا إجراءات حاسمة لمواجهة أنماط الاستيراد العشوائية، والتوجه نحو الداخل، لتنشيط الإنتاج المحلي، ولتضع الدولة يدها على مصادر الإنتاج لحماية المستهلك، وضمان جودة المنتج في ذات الوقت، مع وقف استيراد أي سلعة لها بديل محلى، وضمان جودة هذا البديل في الوقت نفسه من خلال دورات تدريبية على أعلى مستوى في الخارج، وإحداث ثورة في مجال التعليم الصناعي، لنبدأ بالهرم مقلوبا بإعداد الكوادر من المعلمين من خلال البعثات واستقدام الخبراء، ثم تنشيط القاعدة والانتقال من مرحلة التعليم النظري إلى مرحلة التطبيق العملي. وتبقى التعاونيات أداة ينبغي استدعاؤها وتطويرها، كنمط إنتاجي يتميز بفاعلية متفردة لتحقيق تنمية جماعية سريعة، وهو أمر يرجع لطبيعة تكوينها، كاتحاد اختياري تقوم به مجموعة تنشد تلبية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال الملكية الجماعية لمشروع تتوافر فيه ديمقراطية الإدارة والرقابة، بكل ما يمثله ذلك من قيم الجماعية في العمل والمساواة والمسئولية الجماعية، والحيوية والمرونة في وضع السياسات. وينبغي على الدولة مساعدة التعاونيات وتسهيل الاجراءات والتسهيلات الائتمانية والبنكية، وتقديم دراسات الجدوى والخبرات اللازمة، مع دعم وتشجيع التعاونيات النسائية ومشروعات الأسر المنتجة. كل هذا لو سار مع خط آخر مواز تلقى فيه الدولة بثقلها في مجال التصنيع، وإنقاذ المصانع المتعثرة، مع استراتيجية تنموية لإنشاء ألف مصنع سنويا للصناعات التقنية والوسيطة، وتجريم قاطع للبناء على الأرض الزراعية مع تطوير أنماط الزراعة واستصلاح الأراضي، كل هذا لا يحقق الخروج من الأزمة فحسب، وإنما يحقق نهضة اقتصادية شاملة. على الدولة أن تعود بقوة إلى القطاع العام، دون استنساخ تجربة الماضي، بطرح أسهم حقيقية للاستثمار فيه، مع سن قوانين صارمة لادارته بمشاركة العمال، وتجفيف منابع الفساد فيه، مع ضمان جودة المنتج، ولا مانع من إرسال البعثات العلمية لكبريات الشركات العالمية في مجال التصنيع، لضمان جودة المنتج، ليتصدر شعار صنع في مصر المشهد من جديد، فهو وحده القادر على تحقيق قفزة نوعية نحو مستقبل ننشده جميعا، وغير ذلك فمصيره أدراج الرياح. لمزيد من مقالات د. سامح محمد إسماعيل