بعيدا عن السياسة: يثير فصل الشتاء مشاعرنا الدفينة، ويدعونا إلى «داخلنا» نتأمل «مشاوير» حياتنا، وآثار أقدامنا وأفعالنا، على خريطة الرحلة، بكل أحوالها الذاتية، وتضاريسها العامة. أعرف أنك لست مكتئبا، ولكنك قد تكون وحيدا وخائفا، تجوب شوارع المدينة، المزدحمة الصاخبة، الطافحة برائحة «احتضار» المعاني، تبحث عن قلبك الذى فر منك، رفضا واحتجاجا وتمردا، بأثر رجعي، على استسلامك التام لكل الأوهام والأكاذيب، ووعود الوصل والسعادة والشبع والارتواء، التى لم يتحقق منها شيئ. أريد أن أقول لك : إنك لن تعثر فى هذه الشوارع على قلبك الهارب، ولن تفرح ولن تسعد، بكل تلك الأشياء الظاهرة، التى تستطيع أن تمتلكها، أو تراها بعينيك، أو تمسكها بيديك، لقد خرجت سعادتك مع قلبك، ولن تعود إلا معه، لأنها فى حقيقتها لا يمكن أن تجدها، إلا فى أعماقه فقط. تفر قلوبنا عادة بعد «صدمة» اكتشاف كبري، تثبت أن كل «الرهانات» الكبرى التى خفقت من أجلها، قد استحالت إلى أوهام مؤلمة، وأن الطريق الطويل الذى قطعته سيرا على أقدامها، لم يفض إلى سعادة مرضية، وأنها فى هذه اللحظة الحرجة المتأخرة، تحتاج إلى سعى آخر، فى طريق آخر، حتى تخرج من وراء أسوار عزلتها، التى تفرض عليها أن تطل على الحياة، من «كوة» فى روحها المعذبة، بوحدتها وغربتها واغترابها، وأسى الجحود والنكران. لا تسأل أحدا شيئا، فحياتك مسألة شخصية بحتة، ولا تستجب لنصائح الذين لا يصهلون، بأن تكف عن غضبك، لأن غضبك ليس رذيلة، وإنما فضيلة تبنى وتجلب الخير، وتدرأ الأخطار والشرور، وتؤكد بصدق قدرتك على مواجهة التحدي، وقدرتك على التمييز بين ما هو حق وما هو باطل، المهم أن تعرف كيف توجه غضبك وتحوله إلى طاقة مفيدة، كما كان ينصح المهاتما غاندى حفيده. لا تحزن على قلبك الذى منحته حتى آخر دفقة، للذين ألقوه فى الطريق العام، بعد أن ارتشفوا جل مائه، فسوف تعثر عليه مرة أخري، وسوف يعود إليك مرة أخري، بعد أن يأخذ قدرا من الراحة، بعد أن تعب كثيرا، وتألم أكثر. فى الختام.. يقول جبران خليل جبران: «المحبة لا تعرف قدرها إلا ساعة الفراق» [email protected] لمزيد من مقالات محمد حسين