عندما هبط الوحى الإسلامى كانت الجغرافيا العربية الراهنة، موزعة بين عدة أجنحة، منها جنوب وغرب آسيا حيث كان العنصر العربى المفعم بالروح القبلية والأديان الوثنية يقيم فى شبه الجزيرة، ومنها الهلال الخصيب فى سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين، التى كانت تدين فى العموم بالمسيحية فى مذهبيها الملكانى والنسطوري، وتخضع للنفوذ الفارسى فى العراق، والرومانى فى الشام، ومنها شمال إفريقيا الذى كان يعج بألسنة مختلفة، وعرقيات متعددة، وتسوده أنظمة حكم جد متباينة، تدين فى أغلبها للسيطرة الرومانية، بينما كانت دول الهامش الواقعة على خطوط التماس مع إفريقيا كالسودان والصومال وموريتانيا تعتنق فى معظمها الوثنية، وتندرج فى الثقافة الزنجية، وبين تلك الأجنحة جميعا تقبع مصر بموروثها الفرعوني، ودينها المسيحى ومذهبها الأرثوذكسي/ اليعقوبى المهيمن، وخضوعها للحكم الروماني.جاء الإسلام العظيم برسالة توحيدية رائقة، تصوغ بنية شبه هندسية للوجود، يسيطر عليها الله كقطب أول للوجود، وتتمركز داخلها كل الكواكب والأجرام المشكلة لهذا الكون الواسع، كما يقبع فى مركزها الإنسان قطبا ثانيا للوجود، مهمته تلقى الوحى الإلهي، وتجسيده فى الأرض التى تتمدد أسفل قدميه. وما بين الله والإنسان ليس إلا ملائكة من طبيعة خاصة ليست إلهية ولا بشرية، تحمل الوحى إلى الأرض، ورسل من طينة البشر الخالصين، آخرهم النبى محمد، يتلقى الوحى لينقله إلى جميع البشر، الذين يعتبرهم الإسلام إخوة فى الإنسانية، وشركاء فى عهد الاستخلاف الإلهى للإنسان، حتى وإن لم يكونوا شركاء فى الإيمان الإسلامى نفسه. وبهذه البنية الرائقة والبسيطة، الخالية من تعقيدات اللاهوت المسيحي، وصراع المذاهب التيولوجية اكتسح الإسلام الجغرافيا المحيطة، لينحت الثقافة العربية ويشكل الحضارة الإسلامية التى نطقت بألسنة متعددة، وتمددت فى أربعة أنحاء العالم، عبر طرق عديدة تراوح بين الفتح حينا والغزو حينا والتجارة أحايين. اليوم، بعد خمسة عشر قرنا من الزمان، تبدو مجتمعاتنا العربية أمام موجة رياح عكسية وعاتية، تهب من قلب إسلام سياسي/ ظلامي، عنصري، تبغى اقتلاعها من جذورها، طمسا لما كان الإسلام الأول/ العقلاني/ الحضاري/ الإنسانى قد قام به من دور فى تشكيلها، وصوغ تمدينها. فما من أمة، على وجه الأرض، تعانى ما نعانيه اليوم، من اقتتال على الدين والمذهب والطائفة، إلى درجة تجاوزت العبث والفوضى إلى هاوية الانتحار والعدمية، ما يهدد بتفكيك الأوطان التى كانت تحتضن سعينا، وتمزيق الجغرافيا التى كانت يوما هى الأرقى والأكثر منعة فى عالمنا، وإلحاق أمتنا بمراكز النفوذ العالمية والإقليمية التى كانت يوما فى إمرتها وتحت سلطانها. فى مواجهة تلك الريح العاتية، وبغرض توقيف مسيرتها المعاكسة، نحتاج إلى إعادة تأسيس جذرية لمعنى وجودنا، ولمغزى الخلافة المقصودة على أرضنا، نحتاج إلى مبدأ تنويرى ضروري، كان المسيح، عليه السلام، قد أشار إليه قائلا: السبت لأجل الإنسان، وليس الإنسان لأجل السبت. وهو المبدأ نفسه الذى تكشف عنه الرؤية القرآنية للوجود، فالإنسان فى الإسلام قبل الدين، وإن كان بعد الله، قطب الوجود الأول، فالله ليس هو الدين، بل رب الدين، الذى خلق الإنسان، ومنحه الدين عطية روحية ترشده إلى الطريق القويم، للخلافة «الحضارية» على الأرض، حيث التمدن والتحرر والتقدم، وليس الخلافة السياسية حيث القهر والقمع. غير أن هذا المبدأ قد هزم مرارا فى لحظات السقوط الحضاري، ففى تاريخ المسيحية قهرته الكنيسة الكاثوليكية، وما تفرع عنها من بطريركيات رومانية وبيزنطية، فانهزم معه الإنسان شر هزيمة أمام سيف الكهانة، التى واصلت غطرستها حتى تاجرت بصكوك الغفران، قبل أن يبدأ المسيحى الأوروبى مسيرة تحرره من سطوتها القامعة، عبر سيرورة ممتدة بطول الزمن الحديث، تغذت على المذهب الإنساني، وفلسفة التنوير. أما فى تاريخ الإسلام، فهزم أمام تحالف الفقيه مع السلطان، عندما صعدت الدول على أسنة المذاهب، وتأسست المذاهب على رماح الدول، حيث السلطان يرعى الفقيه، والفقيه يبرر السلطان، وما بينهما سقط العقل، أمانة الله فى الإنسان، مغشيا عليه، وملقيا فى غياهب النسيان، بزعم حماية الدين ورعاية الإيمان، بطول التاريخ وامتداد الزمان.. هزم الإنسان ليس أمام الله، بل أمام المذاهب المغلقة التى ضيقت على عقله الخناق فتعطل، وفرضت على إرادته القيود فعجز، إذ تحول الإيمان الرحيب إلى كهف كئيب، حيث انبرى الفقهاء الكبار من تابعى الأئمة الأولين، أصحاب المذاهب المعتبرين، بعد عقود أو حتى قرون إلى إعادة تفسير مذاهبهم، ليضيفوا إلى الضيق تضييقا، ويزيدوا على ظلمة الكهف إظلاما، فإذا بالعقل يموت بعد ذبول، والحرية تذبل بعد أفول، فما الذى يبقى للإنسان، بعد العقل والحرية.. لقد مات الإنسان، وصار الله على مشارف الموت!.بالطبع لن يموت الله (عز شأنه) فى عرشه، ولا فى كونه، بل يموت فينا وداخلنا، بعد أن ماتت ضمائرنا، واضطرب إيماننا.. يموت فينا عندما يُقتل طفل بلا ذنب جناه، أو يُباع رقيقا فى سوق النخاسة باسم الجهاد فى سبيل الله.. عندما تُغتصب امرأة لأن الذئب لم يرع فيها الله، أو تُسبى لأن مذهبها يغاير مذهب المجرم الذى اعتلاها دون خشية من الله.. عندما يقتل شيخ كبير بسيف شاب صغير بدلا من أن يرعاه ويحميه، ففى الإسلام الحق كل شيخ هو أب، وجد.. ويموت فينا لأننا أهدرنا، زورا وبهتانا، معنى الخلافة الحضارية على كل صنوف الخلافات السياسية، والصراعات الدنيوية التى لا غاية لها سوى تبادل السلطة وممارسة القهر على الطريقة الداعشية حيث العبث والهمجية يحيلان روح الإنسان السامية إلى مجرد قربان للتضحية على مذبح إمارة جاهلة. ولأننا بددنا كل طاقات الحب لدينا على كهوف الكراهية، فلم يعد الإيمان رحمة ولا الدين رأفة، بل صار كلاهما سيفا على رقبة الآخرين، كل المخالفين فى المذهب والطائفة وليس فقط فى الدين. ويموت الله فينا لأننا لم نحفظ عهده إلينا برعاية الطبيعة وصون الحياة، حينما أخذنا ندمر كل شيء لغيرنا، متجاهلين أن كل شجرة تُقلع، وجسر يُدمر، وبناء يُهدر، هو ملك الله، وأن الزرع هنا والبناء هناك، هو عمل من أعمال الله، بند فى عهد الاستخلاف الذى منحنا إياه، فلو لم يرد لنا أن نبنى ونعمر، ما أعطانا العقل المسئول، ولا الوحى الرائق، فكلاهما لغة بها نعرفه، وبها نستعينه على أداء رسالة العمران التى تقع فى موضع القلب من كل إيمان، ولهذا كانت الأديان للإنسان وليس الإنسان للأديان. [email protected] لمزيد من مقالات صلاح سالم