"لو كانت مارجريت تاتشر على قيد الحياة، لما كانت هناك حاجة لي"... يردد نايجل فاراج زعيم التيار القومى اليمينى فى بريطانيا هذه العبارة كلما أتهم بالتطرف والعداء لأوروبا، موضحا أن التشكك فى مشروع الاتحاد الأوروبى اجمالا، ومشروع الوحدة النقدية (اليورو) على وجه الخصوص كان دوما سمة بريطانية أصيلة، عبر عنها «العمال» و«المحافظون» على مدار العقود الستة الماضية، وليس ظاهرة صنعها او عززها صعود اليمين. اليوم ومع التداعيات الكارثية لأزمة الديون اليونانية، يقول الكثير من السياسيين فى بريطانيا ضمنا وصراحة لنظرائهم الأوروبيين: «قلنا لكم أن اليورو فكرة فاشلة... قلنا لكم أن تحويل (المجموعة الاقتصادية) إلى (دولة عظمى متخيلة عابرة للدول الوطنية) لا مستقبل لها... قلنا لكم إن الخطط الجديدة لتعزيز الوحدة النقدية والسياسية أكثر ستكون لها آثار تدميرية على كامل المشروع الأوروبي». لا تنطلق الانتقادات البريطانية فقط من رغبة فى «رد الإعتبار» للمنطق البريطانى الذى كانت أوروبا ترد عليه «إنها عقلية الجزيرة المعزولة» تلك التى تحرك بريطانيا ضد المشروع الأوروبي. ففى النهاية لدى بريطانيا الكثير مما يمكن خسارته إذا تعرض المشروع الأوروبى للانتكاسة. فالاتحاد الأوروبى هو أكبر شريك تجارى لبريطانيا ولا يمكن لبريطانيا حماية أقتصادها إذا عانت أوروبا. لكن الأزمة اليونانية تعطى لرئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون قوة دفع للمضى قدما فى طلب إصلاحات تراها بريطانيا ضرورية للاستمرار فى الاتحاد الأوروبى وعلى رأسها إعادة النظر فى معاهدات الإتحاد الأوروبى التى تنص على المزيد من الوحدة السياسية والاقتصادية. الشكوك البريطانية فى المشروع الأوروبى وتوسيعه ليست وليدة الأعوام القليلة الماضية، بل وليدة الظروف التى خرج منها المشروع منذ الخمسينيات. فهو خرج من قلب «ضعف وخوف أوروبي» من ابتلاعه سياسيا واقتصاديا وعسكريا من قبل الولاياتالمتحدة من جهة والاتحاد السوفيتى من جهة ثانية بعد الحرب العالمية الثانية. وكان تقييم فرنساوالمانيا، المحركين الأساسيين للمشروع الأوروبي، أنه كى يكون هناك شئ أسمه «أوروبا» فلابد من الوحدة. لكن السياسيين فى بريطانيا ومن بينهم رئيس الوزراء الراحل ونستون تشرشل تخوفوا منذ البداية من أن المشروع يحمل «نواة دولة عظمى أوروبية عابرة للدول الوطنية». وعندما كانت المانياوفرنساوايطاليا تبحث فى اجتماع فى جنوبايطاليا فى مطلع الخمسينيات فكرة المجموعة الأوروبية، قال ممثل بريطانيا: «هذه الاتفاقية لن يتم الموافقة عليها، وإذا تم الموافقة عليها فلن يتم التصديق عليها. وإذا تم التصديق عليها فلن تنفذ. وإذا نفذت فلن تنجح. إنها غير مقبولة بالمرة لبريطانيا...سيدى الرئيس وداعا... وحظا سعيدا». لكن انضمت بريطانيا للمجموعة الأوروبية 1975 عندما رأت فوائد فتح الاسواق وتقليل العقبات أمام التجارة وانتقال رؤوس الأموال بحرية. وعندما أصبحت تاتشر رئيسة للوزراء 1979، دخلت فى خلافات حادة مع الاتحاد الأوروبى حول ميزانية الاتحاد ومساهمة بريطانيا فيها. وكان لديها تحفظات على بيروقراطية الاتحاد وعلى القيود والمعايير التى يضعها على الحكومات المحلية. ورفضت أى وحدة سياسية، ورأت ان المشروع الاوروبى هو “اقتصادي” فقط. وفى كلمة لها أمام مجلس العموم البريطانى فى 22 نوفمبر 1990 قبل أيام من مغادرتها منصبها شنت هجوما عنيفا على البيروقراطيين فى بروكسل ومحاولاتهم بناء وحدة نقدية مركزية أوروبية تأخذ سلطات وصلاحيات البرلمانات الوطنية. ووصفت لاحقا معاهدة «ماستريخت» التى تفتح الطريق أمام نظام مصرفى أوروبى موحد بأنها «خطوة فى الاتجاه الخاطئ». وبالتالى لم يكن من الغريب ان ترفض بريطانيا الانضمام لليورو عندما تم تطبيقه 1999. ويقول فيرنون بوجدانر أستاذ التاريخ البريطانى المعاصر فى جامعة «كينجز كولديج» فى لندن :«لقد حاولت السلطات البريطانية فى التسعينيات لمدة عامين تطبيق استخدام اليورو بدلا من الجنيه الإسترليني، لكن النتيجة كانت سلبية جدا. ووجد الأقتصاديون فى بريطانيا ومحافظ البنك المركزى أن فكرة أسعار صرف موحدة يصدرها بنك أوروبى مركزى محفوفة بالمخاطر. فكيف يمكنك الاستجابة لاحتياجات الاقتصاد الوطنى ويكون لديك حرية الحركة فيما يتعلق بسعر الصرف أو نسبة الفائدة، او دور البنك المركزى أو نسبة الدخل القومى مقابل الدين الخارجي، إذا كنت ملتزما بتطبيق سياسات عامة تأتى من بروكسل». ويلاحظ بوجدانر أن المتشككيين فى مشروع الاتحاد الأوروبى فى بريطانيا شعورا أنهم كانوا على حق عندما رفضت بريطانيا الأنضمام لليورو ولم يتأثر الاقصاد البريطانى سلبا بالخطوة. ويتابع:«على العكس من ذلك تحسن الاقتصاد البريطاني، اذ تقلصت نسبة التضخم، وانخفضت البطالة، وارتفع النمو، وقوى الجنيه الاسترليني» مشكلة الأتحاد الأوروبى اليوم كما يرى البعض أنه أصبح بيروقراطية ضخمة و«دولة عظمي» أشبه بفيدرالية، لكن بلا أساس قانونى ديمقراطي، وبلا شعب واحد، بل شعوب عديدة مختلفة ومتباينة التوجهات، لا تتفق بالضرورة مع كل القرارات الآتية من بروكسل. ويقول راندل وييرى أستاذ الاقتصاد فى «جامعة ميسوري» الامريكية:«المشكلة ليست فقط فى اقتصاديات البحر المتوسط، بما يجمعها من ضعف نظام جمع الضرائب، وتراكم الديون وفوائدها وضعف الانتاجية وهى السمات العامة التى أوقعت بالأقتصاد اليونانى فى أزمته العميقة. فعندما قررت ايطاليا التضحية بالليرة، واليونان التضحية بالدرخمة، وفرنسا بالفرنك، والمانيا بالمارك أصبحت مثل نيويورك وتكساس وفلوريدا. ولايات بلا سيادة فى دولة أوروبا العظمى لأنهم لا يستطيعون التحكم فى نظامهم المالي. ولديهم عملة يستطعيون استخدامها ولكن ليس اصدارها». فكرة العملة الأوروبية الموحدة كان محتما أن تتعثر كما يقول الكثير فى بريطانيا. فكل هذه الأسواق المختلفة فى تركيبتها ومستويات نموها ونظم ضرائبها وقوانينها وبنيتها التحتية وسوق عملها، من الصعب أن تتحرك بكفاءة بنظام مصرفى مركزى من اوروبا. وعبر ضفتى الأطلنطى يتعزز التوجه أن فكرة العملة الموحدة وما يرتبط بها من سياسات مالية مركزية من بروكسل «باتت المشكلة لا الحل». ويقول جوزيف ستيجلتز أستاذ الأقتصاد فى جامعة كولومبيا فى هذا الصدد:«الوصفة الأوروبية لعلاج الأزمة المالية فى اليونان وإسبانيا وايطاليا والبرتغال لم تنجح. فالدخل القومى فى اليونان تناقص بنحو 25% وهذا أسوأ من زمن الكساد العظيم فى عشرينيات القرن الماضي. ومعدلات بطالة الشباب وصلت إلى 60%. ونسب النمو صفر. والديون الخارجية تزايدت. بعبارة أخري: ما هو ذلك الدواء الذى يزيد حالة المريض بؤسا ومع ذلك يصر الطبيب عليه؟. والأسوأ من كل هذا أنه وبدلا من أن يقرب اليورو أوروبا، لم يقسمها شئ أكثر منه».