«المال من غير البنون ما يلذش ومال وعليك دين برده ما يلذش»، «الغنى غنى النفس، وفى قول آخر العقل»... وكان يا ما كان الشاطر حسن الغلبان بحسن الحيلة والذكاء والشجاعة، حسب مُجريات الأحداث فى الحكاية، أصبح سلطانا وفاز ببنت السلطان، وبنت الشعب الشقيانة بعقلها وحكمتها حلت الألغاز ولفطنتها وجمالها تزوجها ملك البلاد.. وتوتة توتة فرغت الحدوتة. حكايات ومواويل وأمثال يرويها الغلابة والأغنياء وتناقلها الرعية وأبناء الحكام عبر العصور ولكن ترى هل هى مجرد وسيلة لتمضية وقت الفراغ والتسلية أم أنها مدونة كاشفة لأحوال ومواقف وأفكار الفقراء؟! سؤال يجيب عليه استاذ الفنون الشعبية د. خالد أبو الليل فى دراسته «الحكى الشعبى لسان الفقراء» والتى تهدف لاكتشاف مضمون التركيبات السردية فى الحكايات الشعبية وكيفية تكوينها وانتقالها عبر الأجيال ودور البنية الاجتماعية فى تشكيلها. ورغم أن قضايا الفقر والفقراء تشغل حيزا لا بأس به فى التراث الإنسانى فى الأعمال الأدبية والدراسات العلمية، إلا أن معظم هذا التراث تناول القضية من منظور خارجى عبر انعكاسها على نفس الكاتب أو من خلال ملاحظات المراقبين والراصدين لأبعادها وأسبابها وتداعياتها. فتناولت الدراسات الكلاسيكية الفقر بوصفه احدى الظواهر الطبيعية أو الأمراض الاجتماعية الطارئة وتبنت مفاهيم تعتبر الفقراء مسئولين ضمنا عن فقرهم، وظهرت مناهج وقياسات تحدد خصائص الفقر والفقراء لم تعكس ملامحهم الحقيقية أو تكشف معاناتهم الفعلية، ليغيب فى كل تلك السطور صوت الغلابة وكل من يكتوون بحق بنيران الفقر. وإذا ما أخذنا فى الاعتبار أن كثيرا من هذه الدراسات تغفل منظومة القيم الاجتماعية والثقافية العربية التى تدعو لعدم الشكوى لغير الله، وتعكسها مقولات وأمثال من قبيل «الشكوى لغير الله مذله» و«ليه اشتكى للعبد مادام رب العباد موجود» يتضح أهمية المدخل الذى اختاره د. أبو الليل لدراسته والذى اعتمد فيه على رصد خطاب الفقراء والاستماع لحكيهم لتشخيص أحوالهم واكتشاف أسلوب الحياة الذى يرسخ الوضع القائم ويشكل عائقا أمام تغيير أوضاعهم ليحاصرهم الفقر حتى الممات.. يقول الباحث إن الحكاية تعد من أصدق الأشكال تعبيرا عن مواقف الفقراء من الحياة ومشكلاتهم وان خطاب الحياة اليومية للفقراء شكلا سرديا للتعبير عن موقفهم من الحياة ومشكلاتها، ويتخذ أشكالا عدة أهمها حكايات تتحدث عن الفقراء والفقر بغض النظر عن ماهية الراوى أو طبقته الاجتماعية وحكايات يحكيها الفقراء ويصبح الفقر موضوعا ومادة فى الحكي، وأحيانا يصبح الفقر شخصية من شخصيات الحكاية التى تواجه البطل. وتقدم الدراسة نماذج من حكى الفقراء بأنفسهم وعن أنفسهم ونمط تعاملهم مع واقع الفقر وبيئة العوز، ويشير الباحث لعدد من الحكايات والمواويل التى يعرض فيها السارد للحرمان على شكل شكوى. ويرى الباحث أن حكى الغلابة، وإن اعتبره البعض شكلا تلقائيا وسطحيا، ليس مجرد سرد عشوائى غير منظم يصدر عن فرد أو فئة اجتماعية ما، فهو نتاج تفاعل اجتماعى وينطوى بأنماطه المتعددة على معان ودلالات تكشف عن طبيعة الوجود الاجتماعى المهمش لطبقة اجتماعية تشكل قطاعا عريضا من المجتمع. وفى تحليل الباحث لبعض الحكايات يناقش إذا ما كان الحكى مجرد شكاوى تهدف للتفريج عن النفس أم يقدم حلولا للفقراء؟. ويجيب بأن الحكى يتخذ محورين، فقر معنوى وآخر مادي. وفى حالة الفقر المعنوى يحرص الوجدان الشعبى على ترسيخ مفاهيم الشجاعة وحسن التصرف وعدم التسرع فى الأزمات والذكاء والكرم والحلم كوسيلة للتسلح ضده، موضحا أن الفقر المعنوى يجعل الفقير ماديا فى منزلة أعلى وطبقة اجتماعية أفضل من الغنى ماديا فى نظر الجماعة الشعبية. وهنا نلاحظ أن الحكاية الشعبية تقدم مفهوما يتسق مع المفهوم الدينى «فالغنى غنى النفس والعقل». وتعمل الحكاية على تسليح الفقير بصفات لمواجهة الحياة الشاقة، والقناعة والرضى بالمقسوم والاستعداد للموت والصبر والإيمان بقضاء الله وعزة النفس والطلب من الله دون سؤال الناس. ولقد استوحى الوجدان الشعبى تشبيه الإمام على (كرم الله وجهه) للفقر كرجل يود قتله، فأظهره فى بعض الحكايات كرجل عنيد يلازم الفقير، ليوظفه الأخير كذريعة لتبرير عجزه عن تغيير واقعه وموقفه العدائى من الأغنياء.. وأظن أن ما توصل له الباحث يشى بأهمية مراجعة الكثير من النظريات المستوردة من منظور ثقافتنا المحلية فربما نكتشف أسبابا وعلاجا لبعض من مشكلاتنا المؤرقة.. لمزيد من مقالات سناء صليحة