قرر الرئيس أن «يخنق القطة» للصحفيين فى «عش الدبابير» أمام أكثر من 120 محررا ومندوبى الصحف والتليفزيون ووكالات الأنباء العالمية، الذين حضروا لتغطية افتتاح «المبنى الجديد» بعد 15 سنة من تشغيله!.. ووسط هذا الحشد فى «صالة التحرير» غضب الرئيس من سؤال صحفى طالبه بموقف حاسم من تجريف الأرض الزراعية وأجابه متهكما: حلها يافالح! وكانت هذه الزيارة هى الثالثة التى يزور فيها رئيس مصرى مبنى الأهرام «الحديث» الذى أنشأه محمد حسنين هيكل فى شارع الجلاء ليكون منارة للصحافة العصرية، وكانت «صالة التحرير» أحد ملامح العمل فى الصحافة الحديثة، كما ظل هذا المكان شاهدا على دراما المهنة وكوليس الصحافة ورقائق النفوس وعلاقات البشر .. واستحقت صالة التحريرأن تكون عنوانا لأحدث كتب الأستاذ سامى فريد التى عمل فيها لأكثر من 35 سنة سكرتيرا للتحرير وكاتبا وكاتما للأسرار. لم تكن آخرالخفايا ولا أولها ..الموقف الذى رصده «جبرتى الأهرام» فى كتابه «صالة التحرير» الذى أحتوى أكثر من عشرة آلاف وزير ومحافظ وشارع وحى وصحفى ومدينة ومفكر وكاتب وموقف، طالهم بأدبه الجم الرشيق، وعايش تواضع يحى حقى ولسعات أحمد بهجت وإبداع يوسف إدريس وأناقة على حمدى الجمال وفرار على أمين وذكاء إبراهيم نافع، ومهنية صلاح هلال وشطارة عبد الله عبد البارى وخبطة سامى متولى ومهارة عم ربيع وفدائية سائق سيارة التوزيع المقلوبة..وغيرهم! مواقف حافلة بالحياة أكسبها سامى فريد بقدرته على الرصد والتسجيل والحكى والرتوش مذاقا وتشويقا ينفرد بهما دون سواه من كتاب أدب السير! فى«صالة التحرير» حين انتهى «الرئيس» من لقائه بكبار كتاب «الأهرام».. يقول سامى فريد: كنا فى استقباله كما رسموا لنا وحددوا أماكن جلوسنا بين أفراد الأمن!.. وبعد عبارات الترحيب فتح باب المناقشة مع «الرئيس» فى مختلف القضايا، حتى جاء الدور على هذا الصحفى النابه الذى اختار أن يفجر أمام الرئيس قضية تجريف الأرض الزراعية، وقال: أنها قضية خطيرة وتحتاج من الدولة الى موقف حاسم، وعبر الصحفى عن الحسم بشجاعة ولوح بقبضة يده فى وجه الرئيس، فسأله «الرئيس» أن يهدأ ويوضح المقصود ب«الحاسم».. وأجاب "الصحفى": أن تجرم الدولة هذه الجريمة التى تضر بالأرض الزراعية، ورد «الرئيس» جرمناها يا سيدى وماذا أيضا ؟، وقال الصحفى متشجعا إن المطلوب هو وضع القوانين .. فقاطعه الرئيس متحديا: وضعنا القوانين وأخذنا عليها موافقة مجلس الشعب..ثم ماذا؟، فقال الصحفى الذى اصطدم بلهجة التحدى من الرئيس: يعنى يا فندم يبقى فيه محاكم وجزاءات وعقوبات، فواصل الرئيس عناده: عملنا جزاءات وعقوبات ولو عاوز بيان باللى اتحبسوا بالفعل نجيبهولك، فأسقط فى يد «الصحفى» وشعر بالمأزق, وبدت الحيرة على الجميع فاستأذن الأستاذ إبراهيم نافع معتذرا لضيق وقت سيادة الرئيس على برنامج الزيارة لباقى الأقسام، إلا أن «الرئيس» رفض مغادرة مجلسه قائلا: أنا مش هاقوم من هنا، وأشارالى «الصحفى» متحديا: أنت رئيس الجمهورية اتفضل حل مشكلة تجريف الأرض الزراعية وحننفذ الحل اللى سيادتك حتقترحه فورا!..وتكهرب الجو وبان العناد على وجه «الرئيس» وهو يكرر: أدينا قاعدين مش قايم إلا لما أشوف الأستاذ هيحلها ازاى.. وتدخل الأستاذ صلاح منتصر محاولا إنهاء الأزمة.. وقال: إن القضية شديدة الخطورة ولاتحل فى اجتماع واحد أو عدة اجتماعات.. و«الأهرام» لابد أن تبدأ سلسلة تحقيقات عن تجريف الأراضى لتصبح قضية رأى عام.. وانفرج الموقف بمزاج الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ونهض خارجا من صالة التحرير مواصلا جولته، كان ذلك فى ديسمبر عام 1984، والتقط الأستاذ مرسى عطالله صاحب السؤال المطالب ب «الموقف الحاسم» أنفاسه، وارتاح أكثر حين مال «الرئيس» عليه بعدها بسنوات قائلا: يكون فى علمك يعجبنى حماسك واقرأ كتاباتك كلها بانتباه شديد! أما الموقف الآخر فبطله قرصة ودن عمرها 45 سنة من الأستاذ هيكل إلى «فارس الكتابة المخالفة» الآن فى صحيفته الخاصة: كانت الساعة الرابعة صباحا انتهت الطبعة الثالثة والكل يستعد للعودة للبيوت، دقت الوكالة خبرا عاجلا،ألقى محرر القسم الخارجى السهران نظرة وقطع تثاؤبه وصاح فى زعر: ياخبر!..سأله محرر الدسك وهو ممثل رئيس التحرير فى السهرة الذى كان يستعد للمغادرة: فيه إيه!..رفع المحرر شريط الخبر العاجل وهو يقول فى هلع : انقلاب فى المغرب واعتقال الملك الحسن الثانى فى قصر الصخيرات، وراح «الديسكمان» يقرأ بنفسه الخبر ثم قال: دا خبر مايتسكتش عليه.. وطلب وقف المطبعة للحاق بالخبر الخطير، وبدأت متابعة الوكالات، الملك معتقل ..الملك عليه حراسة.. المحاولة قام بها الجنرال محمد أوفقير..الوقت يجرى..سأل «الديسكمان» عن آخر الأخبار .. الرد الوحيد: سماع طلقات رصاص داخل القصر،المطبعة تسأل والتوزيع وأسطول النقل يتعجلان، وجد «الديسكمان» أنها فرصة لانفراد كبير.. حسم «الديسكمان» قراره: أصوات رصاصات داخل القصر الملكى..المسألة واضحة، ثم كتب المانشيت الذى ظهر فى اليوم التالى: مصرع الحسن الثانى ملك المغرب، دارت المطبعة بالمجازفة الخطيرة، ، وفى اجتماع اليوم التالى كان واضحا أن الأستاذ هيكل يكظم غيظه، وظهر من كلامه أنه يحترم جرأة «الديسكمان» مسئول السهرة: «لكن الحذر واجب والاندفاع مرفوض.. رغبتك فى الانفراد أنستك عمل حساب الخطأ ولو بنسبة واحد فى الألف.. سفير المغرب محتج على الأهرام.. الرئيس عبدالناصر يطلب تصحيحا عاجلا» ثم كان الدرس موجها للأستاذ فهمى هويدى صاحب المانشيت الخادع من الأستاذ هيكل:هذه مصائر شعوب وحكومات، ومصداقية «الأهرام» أهم من غواية الاختلاف ورعونة الانفراد!. لمزيد من مقالات أنور عبد اللطيف