فى الشهور الأخيرة كاد العالم كله يصرخ .. "كفى نيتانياهو"، فقد بلغت درجة الاستياء من ذلك السياسى الإسرائيلى المتغطرس على أشدها فى الأوساط السياسية سواء فى الولاياتالمتحدة أو أوروبا، وفى العالم العربى بطبيعة الحال، ولكن هذا لم يكن رأى الإسرائيليين. فها هو "بيبي" كما يلقبه أنصاره، يفاجيء العالم ويخالف كل توقعات استطلاعات الرأي، ويحقق فوزا كبيرا على خصمه إسحاق هرتزوج زعيم التحالف الصهيونى اليسارى فى انتخابات الكنيست التى جرت الثلاثاء الماضي، وهاهم الإسرائيليون يواصلون ممارسة هوايتهم فى اختيار الأحزاب اليمينية، وهو أمر لا عجب فيه، إذ أن إسرائيل دولة دينية فى المقام الأول، ورغم كل مظاهر المدنية التى تعيشها، فإن غالبية الإسرائيليين لا تزال تسيطر عليهم فكرة شعب الله المختار المحاصر بالمخاطر والإرهابيين من كل جهة. وعلى الرغم من أهمية القضايا الاجتماعية والاقتصادية التى كانت موضوع حملة خصوم نيتانياهو من يسار الوسط، فإن نيتانياهو عرف كيف يستغل الهواجس الأمنية والميول العنصرية لدى الإسرائيليين، معلنا فى آخر أيام حملته الانتخابية انحرافا شديدا لليمين واللعب على المخاوف من انتشار الجماعات الإسلامية المتطرفة فى إسرائيل، وكذلك وعده بعدم تقديم تنازلات للفلسطينيين، وإطلاقه جرس الإنذار بشأن التأييد المتنامى للأحزاب العربية فى بلاده، مما شكل عاملا فى حشد التأييد له. وتجدر الإشارة هنا إلى أن صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" نشرت تقريرا يوم الانتخابات كان له أكبر الأثر فى المفاجأة التى حققها نيتانياهو، إذ أكد هذا التقرير أن جيمس كلابر مدير المخابرات الأمريكية أوصى فى تقرير له بأن يتم حذف اسم إيران وحزب الله من القائمة الأمريكية للإرهاب، وهو ما ساعد فى توجيه الرأى العام الإسرائيلى إلى التصويت فى اللحظة الأخيرة لنيتانياهو. وبعد فوز "بيبي"، أعلن حزب الليكود أن رئيسه ينوى تشكيل حكومة جديدة فى غضون أسبوعين، وأن المفاوضات بدأت بالفعل مع حزب البيت اليهودى المؤيد للاستيطان بزعامة نفتالى بينيت وجماعات دينية أخري. ورغم أن الليكود هو أكبر الأحزاب، فمن المرجح أن تكون عملية تشكيل ائتلاف حكومى صعبة، فقد حصل الليكود على 30 مقعدا من مقاعد الكنيست المكونة من 120 مقعدا، فى حين يحتاج الليكود إلى 61 مقعدا لتشكيل الحكومة، الأمر الذى يعقد العملية، ويتطلب ضرورة إعلان بعض الأحزاب الأخرى دعمها لليمين بزعامة الليكود مثل حزب "كلنا" الوسطى برئاسة عضو الليكود السابق موشيه كحلون الذى فاز بعشرة مقاعد. وإذا تمكن نيتانياهو من تشكيل حكومة ائتلافية للمرة الثالثة على التوالى والرابعة فى الإجمال، فسيكون صاحب أطول فترة رئاسة للحكومة فى تاريخ إسرائيل من بعد الرئيس ديفيد بن جوريون مؤسس إسرائيل. والسؤال الآن هو : ماذا بعد فوز نيتانياهو؟ بعض المحللين الإسرائيليين يتوقعون أن تبقى الأوضاع كما كانت عليه، سواء فيما يتعلق بالقضايا الداخلية أو فى السياسة الخارجية، فسيواصل نيتانياهو خطابه المتشدد ضد إيران، والرافض لأى اتفاق محتمل بينها وبين القوى الغربية، وعلى رأسها الولاياتالمتحدة. أما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فقد أعلنها نيتانياهو صريحة قبل بدء الانتخابات بساعات قليلة بأنه لن يتم قيام دولة فلسطينية إذا فاز فى الانتخابات قائلا : "إن أولئك الذين يرغبون فى إقامة دولة فلسطينية والانسحاب من الأراضى يجعلون هذه الأراضى عرضة لهجمات من الإسلام المتطرف ضد دولة إسرائيل، هذه هى الحقيقة التى باتت جلية فى الأعوام الأخيرة، ومن لا يأخذها فى الاعتبار كمن يدفن رأسه فى الرمال". كما تعهد نيتانياهو بتكثيف الاستيطان فى القدسالشرقيةالمحتلة من أجل منع تقديم أى تنازلات للفلسطينيين فى المستقبل، وقال : "سنواصل البناء فى القدس، وسنضيف الآلاف من الوحدات السكنية، وفى وجه كافة الضغوط الدولية سنواصل تطوير عاصمتنا الأبدية". ويشار إلى أن محادثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين توقفت فى إبريل عام 2014، ويبدو أن استئنافها أصبح أمرا مستبعدا فى ظل بقاء نيتانياهو فى السلطة. ولما كانت قضيتا إيران والاستيطان هما أهم أسباب توتر العلاقات بين إسرائيل والولاياتالمتحدة، فقد توقع المحللون استمرار الخلافات مع إدارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما إذا حافظ نيتانياهو على وعوده بعدم قيام دولة فلسطينية وامتنع عن وقف الاستيطان، فهذا يضعه على مسار تصادمى مع إدارة أوباما والاتحاد الأوروبى الذى يدرس اتخاذ خطوات من بينها فرض عقوبات تجارية على إسرائيل بسبب سياسة الاستيطان. كما أن هذا التعنت يثير تساؤلات عما سيحدث فيما يتعلق بإيران فى ضوء عزم أوباما مواصلة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووى وعزم نيتانياهو تخريب فرص التوصل لهذا الاتفاق. وفى المقابل، يتوقع محللون آخرون أن يسعى نيتانياهو بكل الطرق لإصلاح العلاقات مع أوباما التى تدهورت بشدة بعد إلقاء رئيس الوزراء الإسرائيلى خطابا أمام الكونجرس الأمريكى تسبب فى خلاف حزبى كبير بين المعسكرين الجمهورى والديمقراطى ما بين مؤيد لتشدد نيتانياهو فى التعامل مع إيران وبين معارض له. وفى النهاية، وسواء تولى نيتانياهو أو غيره حكم إسرائيل، وسواء قاد نيتانياهو إسرائيل بطريقته المعهودة أو حتى بطريقة أكثر اعتدالا، فإن السياسة الإسرائيلية محكومة بمعايير محددة لن تحيد عنها، تقوم على أساس فكرة دولة تحتل أراضى الغير وتعتدى ولا تبالى بالقوانين والمواثيق الدولية. وكما قال مواطن فلسطينى بسيط عن نتائج الانتخابات الإسرائيلية قبل نهايتها، وما إذا كان هرتزوج أفضل أم نيتانياهو، فإن "الذئب الأبيض مثل الذئب الأسود .. كلاهما صياد غادر".