من يراقب عن قرب قصر ماكسيمو- مقر رئاسة الوزراء اليونانية وسط أثينا- سوف يتأكد من الوهلة الأولى أنه أشبه بخلية النحل، من حيث اللقاءات والاجتماعات التى تجمع رئيس الوزراء ألكسيس تسيبراس مع أعضاء الحكومة والمسئولين فى البلاد. وأيضا من حيث كثرة إصدار التشريعات واللوائح والبيانات الرسمية التى يمكن أن تنقذ الدولة الواقعة تحت تل من الديون السيادية، ومن خلال ذلك تحاول الحكومة اليسارية جاهدة كسب ثقة الدائنين الذين يمارسون ضغوطا غير مسبوقة على أثينا خلال الفترة الأخيرة، فى حين تحاول الحكومة إرضاء الناخبين اليونانيين الذين صوتوا لها لإنقاذهم من الأزمة الإنسانية التى يعيشونها منذ حوالى ست سنوات. و بالرغم من إعطاء حكومة ألكسيس تسيبراس الضوء الأخضر يوم 20 فبراير الماضي، للحصول على فترة أربعة أشهر لالتقاط أنفاسها من قبل وزراء مالية مجموعة اليورو، فإنها تسعى الآن لتوضيح الإصلاحات التى تنوى القيام بها، والتى يفترض أن ترضى ناخبيها الذين أوصلوها إلى السلطة من جهة، وشركاءها الدوليين الذين يملكون السيولة التى هى فى أمس الحاجة إليها، من جهة ثانية. وقد حصلت أثينا على موافقة منطقة اليورو على تمديد برنامج المساعدات الخاص بها لمدة أربعة أشهر حتى نهاية يونيو المقبل، وفى المقابل يقدم تسيبراس التزامات فى مجال الإصلاحات محاولا قدر الإمكان عدم التنكر لوعوده الانتخابية فى مجال التقشف، ولا يبدو أن المستقبل مزروع بالورود أمام حكومة تسيبراس، والاستحقاقات المالية التى تواجه أثينا خلال الفترة القليلة المقبلة والتى تبدو ملحة وخصوصا إذا تم الأخذ فى الاعتبار قرارات البنك المركزى الأوروبى والذى يحرم اليونان من برنامج التيسير الكمى للدول الأعضاء فى الاتحاد الأوروبي. وينتظر الدائنون بشغف إمكانية التنفيذ الفعلى لبرنامج الإصلاحات الطموح الذى قدمته الحكومة اليونانية للمؤسسات الدولية الدائنة، والذى يتضمن شقا مهما حول مكافحة الاختلاس والتهرب الضريبى والفساد وإصلاح المؤسسات الحكومية، وهى مجالات تجنبت الحكومات السابقة الخوض فيها. و يقول المراقبون، إن إصلاحات تسيبراس وإن كانت تتضمن شقا حول الإجراءات الاجتماعية ومواجهة الأزمة الإنسانية، فإنها من الواضح تراجعه عن الكثير من وعوده الانتخابية مثل الحد الأدنى للأجور الذى لم يحدد أى موعد لإقراره كما لم تحدد قيمته، وكان ألكسيس تسيبراس قد خاض الانتخابات حاملا شعار وقف برنامج التقشف القاسى والتحرر من سيطرة الدائنين الدوليين الذين يطالبون بإصلاحات مؤلمة مقابل المساعدات بقيمة 240 مليارا التى قدموها منذ عام 2010، ومع أنه لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة فإن بعض الأصوات اليسارية بدأت ترتفع منددة بتراجعه عن وعوده. وفى آخر تصريحات تثير العديد من التساؤل، اعتبر رئيس الوزراء اليونانى ألكسيس تسيبراس، أن البنك المركزى الأوروبى لا يزال فى يديه "حبل حول عنق" بلاده، مطالبا إياه بزيادة السقف، البالغ حاليا 15 مليار يورو، حتى يتمكن من إصدار سندات سيادية على المدى القصير. وشرح تسيبراس وجهة نظره تجاه ما يحدث من سياسات سلبية للبنك المركزى الأوروبى تجاه اليورو. وطالب بالتوصل إلى حل سياسى على مستوى القادة، لأن هذا الحل لا يمكن أن يتخذه الخبراء والتقنيون الممثلون لأثينا والدائنون، واستبعد رئيس الوزراء اليونانى خروج اليونان من اليورو . وتعول الحكومة اليونانية كثيرا على اجتماع مجموعة اليورو المقبل، حيث يعتبر اجتماعا حاسما، ويناقش قائمة الإصلاحات اليونانية والتى تشمل سبعة بنود مهمة، تم إرسالها إلى رئيس مجموعة اليورو لمناقشتها مع المؤسسات الدائنة الثلاث قبل عرضها فى الاجتماع الحاسم والذى من خلاله يتم إقرار استمرار مساعدة أثينا من عدمه. ووفقا للبيان الصادر من مقر رئاسة الوزراء اليونانية فإن الإصلاحات السبعة هى تأسيس و تفعيل عمل مجلس مالى بهدف تحقيق الادخار وتوسيع مهامه، والغرض من هذا المجلس والذى يأتى بمثابة مرصد مستقل، هو مساعدة القضاء على اتجاه محتمل للعجز الأولى فى الميزانية. الإصلاح الثانى وهو ضبط الموازنة العامة، وإعداد افضل للميزانية وإصلاح القانون الأساسى لتحسين إدارة المالية العامة. الإصلاح الثالث وهو تشكيل هيئة الرقابة الضريبية للحد من التهرب الضريبي، وتقترح الحكومة إنشاء هيئة يعمل بها غير المتخصصين و ذلك بعد إعدادهم لفترة وجيزة. أما الإصلاح الرابع فيشمل تعديل القوانين التى تنظم المتأخرات المالية على المواطنين. و الإصلاح الخامس هو زيادة الإيرادات العامة من خلال خدمات الألعاب عبر الإنترنت و تنظيم إطار خاص للترخيص. و الإصلاح السادس هو تفعيل برنامج لمكافحة البيروقراطية الحكومية وتحسين مناخ الأعمال. أما الإصلاح السابع و الأخير فيرمى إلى سن القوانين و التشريعات لاعتماد اتخاذ تدابير فورية لمعالجة الأزمة الإنسانية، و بالفعل قدمت الحكومة اليونانية مشروع قانون يتضمن تدابير فورية لتخفيف حدة الفقر المدقع. و تؤكد كل المصادر أن بالرغم من توقيع الاتفاق فى الاجتماع الأخير لوزراء مالية اليورو، فإن اليونان ما زالت مُهددة بالخروج من منطقة اليورو، وذلك لما بلغه اقتصادها من عجز عن سداد التزامها، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى إعلان إفلاسها إذا استمر الأمر على ما هو عليه، وتدرك دول اليورو الأوروبية خطورة وضع اليونان الاقتصادى هذا، لا سيما بعد أن فشلت حُزم الإنقاذ الأولى والثانية التى قُدمت لليونان و التى لم تُسعف أثينا فى تمكينها من سداد ديونها فى المدة المطلوبة. كما مُنحت أثينا بعد ذلك حزمة أخرى من القروض بقيمة 110 مليارات يورو أخري، وفرض الدائنون على اليونان شروطا اقتصادية قاسية جديدة، مثل رفع الضرائب على القيمة المضافة والسيارات المستوردة والمحروقات وخفض رواتب القطاع العام و تسريح موظفى الدولة وغيرها من الإجراءات. و لكن و مع كل هذه الإجراءات، لم تنجح اليونان في تخفيض مديونيتها التى بلغت 320 مليار يورو أى ما يعادل 170 فى المائة من صافى الناتج المحلى لها، ولم تستطع تقليل عجز الموازنة إلى النسبة المطلوبة داخل منطقة اليورو وهى 3 فى المائة بل بقيت بحدود 12.7 فى المائة، وهى نسبة عالية جداً وخطيرة. إنّ تفاقم الوضع الاقتصادى لليونان أدّى إلى ارتفاع البطالة إلى مستويات غير مسبوقة بحيث أنّ واحدا من كل أربعة يونانيين أصبح عاطلا عن العمل، وهو الأمر الذى أدّى إلى ارتفاع نسبة الهجرة من اليونان إلى دول الاتحاد الأوروبى بنسبة 40 فى المائة، وهاجر إلى ألمانيا وحدها نحو 34 ألفاً و معظمهم من أصحاب الشهادات و التخصصات النادرة.