أصدر السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى قرارا جمهوريا بتشكيل أربعة مجالس تخصصية لتنمية المجتمع، وللتعليم والبحث العلمى، وللتنمية الاقتصادية، وللسياسة الخارجية والأمن القومى تعاون الدولة فى رسم سياستها العامة وإعداد الدراسات كل »بحسب اختصاصه«. واللافت للنظر أن تبعية هذه المجالس لرئيس الجمهورية مباشرة وكل منها يتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة، ولأعضاء كل مجلس أن يضموا عددا من الخبراء للاستعانة بهم، مع ضمان تمثيل ملائم للشباب، وأنه (يجوز) إنشاء لجنة اتصال لتنسيق العمل بين المجالس، وبينها وبين وزارات الدولة وهيئاتها المختلفة. وإذا أمعنا النظر فى نوعيات المجالس الثلاث الأولى نجدها تجمع محاور التنمية الشاملة، الاقتصادية والبشرية والمجتمعية، لأنه لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون الاهتمام بالتنمية البشرية من خلال تطوير العلم وتكثيف التدريب فى كل فروع العلم والمعرفة، وهى أهم جانب من جوانب التنمية، وأغلى صناعة فى العالم ويطلق عليها »صناعة العقول والأدمغة«.. وهى القادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية للبلاد بسواعد وعقول وأموال أبنائها.. كما تحقق التنمية المجتمعية التى تحقق العدالة الاجتماعية لكل المواطنين على قدم المساواة. كما أن التنمية الثقافية تهدف إلى تطوير السلوكيات والتصرفات بما يعظم ثقافة العمل والإنتاج، وثقافة العلم الحقيقى المنافس لأعلى درجات التقدم التكنولوجى فى العالم، مع الحفاظ على مبادئنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا، وإعلاء قيم التسامح والتراحم وقبول الآخر والتعاون والتكافل بين جميع أبناء الوطن. أما المجلس الرابع المعنى بالسياسة الخارجية والأمن القومى، فله أهمية كبرى، لأن التنمية التى بدأت بالفعل بالبلاد وبخطى ثابتة وسريعة، مازالت تواجهها تحديات شديدة خارجية وداخلية.. وكلنا يعلم أنه منذ أن قامت الثورة الصناعية منذ نحو ثلاثمائة عام، وهنالك استراتيجية ثابتة لدى دول العالم المتقدم أن تظل دولا منتجة، وأن تبقى دول العالم الثالث دولا مستهلكة.. إضافة إلى ما تشهده منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة ومصر بصفة خاصة من محاولات مستميتة لهدم الدولة المصرية، والقضاء على أى محاولات للتنمية بها، لذا يتعاظم دور هذا المجلس فى مواجهة هذه التحديات على مستوى المجتمع الدولى، وأيضا فى مجال القضاء على الإرهاب.. لأنه لا تنمية دون أمن وهو وحده الذى يكفل استمرار دوران عجلة التنمية وجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية. ولا شك أن تمتع كل من تلك المجالس بالشخصية الاعتبارية المستقلة يحقق لها الاستقلالية الكاملة فى أداء مهامها.. ويجعلها بمنأى عن ضغوط من أى جهات رسمية بالدولة كما أن (جواز) إنشاء لجنة اتصال بين المجالس، وبينها وبين وزارات الدولة المختلفة، هو أمر إيجابى للغاية لأن هذا يعنى تأكيد أهمية التنسيق بين الجهات المعنية بالدراسات أو باتخاذ القرارات، باعتباره من أهم عناصر العملية الإدارية التى تكفل الوصول إلى الأهداف المنشودة. ونذكر أنفسنا جميعا بالدروس المستفادة من أحداث 71، و81 يناير 7791، حينما أصدر الرئيس الراحل أنور السادات قرارا برفع الدعم عن العديد من السلع الأساسية للمواطنين، وذلك بناء على دراسة (علمية سليمة) قدمها له الدكتور عبدالمنعم القيسونى وزير الاقتصاد وقتئذ، وما أدى إليه هذا القرار من تداعيات أمنية جسيمة فى ربوع البلاد.. لأنه لم يراع الجوانب الاجتماعية والأمنية المترتبة على صدور مثل هذا القرار. وعلى الوجه المقابل إذا ما أمعنا النظر فى قرار السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى بتشكيل هيئة موحدة لمكافحة الإرهاب فى سيناء، نجد أنه استهدف بالدرجة الأولى التنسيق الكامل بين كل الجهات المسئولة عن مكافحة الإرهاب تحت قيادة واحدة ورغم أنه لا يمكن انكار التضحيات والجهود التى بذلتها القوات المسلحة وجهاز الشرطة وكذا الجهات الأمنية والمعلوماتية الأخرى بالدولة فإنه تبين أن (التنسيق) بين كل هذه الجهات تحت مظلة واحدة يكفل تكامل المعلومات وعدم تعارضها أو تداخلها، وتحديد الأدوار والاختصاصات والمسئوليات. ولا شك أن الاسترشاد برأى وعلم المستشارين والخبراء فى العلوم المختلفة ضرورة لازمة فى عملية اتخاذ القرارات.. وينبغى على الخبير وهو يعرض رأيه العلمى أن يضع نصب عينيه اعتبارات السياسة والقيم والعادات والتقاليد.. ولذا يكون من المفيد أن نطلب من المستشارين والخبراء تقديم أكثر من رأى أو اقتراح للموضوع الواحد للمفاضلة بينها عند اختيار البديل الأمثل.. وعلينا فى الوقت نفسه أن نتوخى الحذر عند الاستعانة بالخبرات الأجنبية التى قد لا تدرك الجوانب السياسية والاجتماعية للقرار.. وأهمية مراجعة توصياتها من خلال فريق آخر من الخبراء والمستشارين الوطنيين قبل عرض الأمر على القيادة السياسية. لمزيد من مقالات احمد جاد منصور