صلاة وترانيم، احتفالات عيد الميلاد المجيد بكاتدرائية العاصمة الإدارية (فيديو وصور)    خبير مصرفي: تحول تاريخي في صافي الأصول الأجنبية وتوقعات بتراجع الفائدة ل 11%    رئيس الوزراء: مصر تتجاوز 19 مليون سائح في 2025 وتستهدف 30 مليونًا قريبًا    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    الجمعة، الشرع يلتقي رئيسي المفوضية والمجلس الأوروبي بدمشق    جيش الاحتلال ينسف مباني سكنية شمالي وجنوبي قطاع غزة    موعد مباراة الجزائر ضد نيجيريا فى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا 2025    بوركينا فاسو تبحث عن تقليص الفارق أمام كوت ديفوار بعد مرور 70 دقيقة    السوبر الإسباني - مؤتمر فالفيردي: كل شيء ممكن أمام برشلونة    شك في وجود علاقة مع زوجته، تأجيل استئناف مزارع محكوم عليه بالإعدام في قتل سائق بالجيزة    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    «مشهد التفاهم بين الزوجين نادرًا».. نانسي عجرم تكشف حقيقة طلاقها من زوجها    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ الأقصر يزور الكنائس ويهنئ الإخوة المسيحيين بعيد الميلاد    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    «الهزار» ممنوع على الطائرات وعقوبات مشددة للمخالفين فوق السحاب    الخطوط اليمنية تطلق رحلات جوية مباشرة من سقطرى إلى جدة لإجلاء السياح العالقين    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    سكاي: تحديد موعد الكشف الطبي ل سيمينيو مع مانشستر سيتي    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    مطار العريش يستقبل طائرة المساعدات السعودية ال 78 لإغاثة قطاع غزة    المشدد 15 سنة لسائق ضبط بحوزته 500 قطعة حشيش فى الإسكندرية    الداخلية تضبط صانع محتوى لنشره مقاطع خادشة للحياء    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    الأهلي يضع اللمسات الأخيرة على انتقال حمزة عبد الكريم إلى برشلونة    نوال تلفت الأنظار بالقفطان المغربي في أغنيتها الجديدة «مسكرة»| فيديو    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    محمد أنور وكارولين عزمي ورحمة أحمد على قنوات "المتحدة" في رمضان    ضبط مدير ناد صحى بدون ترخيص بتهمة ممارسة أعمال منافية للآداب بالجيزة    موجة صقيع تجتاح أوروبا.. 5 وفيات وإلغاء مئات الرحلات الجوية    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    علي ماهر يعلن تشكيل سيراميكا لمواجهة إنبي بكأس عاصمة مصر    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    عرفانًا بتضحياتهم، تنبيه مهم من القوات المسلحة لأسر الشهداء والمصابين فى الحروب السابقة    العجواني: حل تحديات المصانع المتعثرة أولوية وطنية لدعم الصناعة والاقتصاد    البورصة تربح 51 مليار جنيه في أول ارتفاع خلال 2026    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    استعدادات أمنية مكثفة لتأمين احتفالات عيد الميلاد المجيد    زكي عبد الحميد: قمة Creator Universe تخدم المستقبل الرقمي للإعلام العربي    السطوحي: مسابقة الهوية البصرية بمهرجان المسرح فرصة لتوسيع نشاط الفن وجذب المصممين    مساعد ترامب: جرينلاند تنتمى بشكل شرعى لأمريكا    هل تتجنب إسرائيل التصعيد مع إيران؟ رسالة نتنياهو عبر بوتين تكشف التفاصيل    حكاية أزمة أحمد مكى مع مديرة أعماله من كشف الحساب لقسم شرطة العجوزة.. إنفوجراف    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    عمرو زكي ينتقد أداء الفراعنة: بنين كان الأفضل تكتيكيًا أمام مصر    أحمد شوبير: أفشة يمتلك 3 عروض ويرغب فى الرحيل عن الأهلى    الرئيس اللبناني: الجيش نفذ إجراءات الحكومة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني    الهندسة المدنية تشعل سباق نقيب المهندسين بالإسماعيلية    عبدالملك: تاريخ الزمالك يجعله قادرا على تخطي الأزمات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في رسالة علمية :المعونةسيف علي رقاب المصريين

‏ عجيب حقا الشعب المصري فإن إصالته المشهود لها دائما سواء من الاصدقاء أو الاعداء لاتظهر في أروع اشكالها الا في المصائب أوالمصاعب أو في الأوقات الصعبة, وعلي سبيل المثال فما إن برزت إلي السطح قضية التمويل الاجنبي الذي استهدف زرع الفتنة الطائفية ومانتج عنها بعد موقف قضاء مصر الشامخ منها من تهديد أمريكي بقطع المعونة عن مصر الا وقد تحركت المنظمات الأهلية ومعها الهيئات العلمية للجامعات لتعلن وبإصرار الرفض الكامل للموقف الأمريكي وطرح مبادرات لإلغاء المعونة الأمريكية ليس من طرفها ولكن برغبة مصرية.
فعلي الجانب الشعبي كانت مبادرة الداعية الشيخ محمد حسان والتي لقيت قبولا جماهيريا في الداخل والخارج والتي توجهت بتبني الأزهر لها بعنوان لاللمعونة الأمريكية والتحرر من قيودها ومواجهة ضغوط واشنطن.
وبالتزامن مع هذا الجهد الشعبي نجد هناك صوت أخر يخرج من الجامعة في صورة رسالة ماجستير تحت عنوان المعونة الامريكية هل من رؤية جديدة, وأثر برنامج المعونة الأمريكية علي التنمية البشرية في مصر وهذه الرسالة أعدتها الباحثة سارة محمد الخشن بمركز الدراسات المستقبلية بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء, وأشرف عليها الدكتور جودة عبدالخالق وزير التموين والتجارة الداخلية والدكتور أشرف العربي مستشار وزير التخطيط والتعاون الدولي ونالتها بامتياز مع مرتبة الشرف الأولي من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة وشارك في المناقشة الدكتور محمود عبدالحي مدير معهد التخطيط سابقا.
الرسالة جاءت في موعدها لتضع النقاطة فوق الحروف في قضية قومية تشغل الرأي العام حاليا وتحدد المعونة مالها وماعليها.
قالت الباحثة:ان مصر تعد من اكبر وأهم الدول المتلقية للمعونة التي تتنوع مصادرها لمصر بين نحو35 جهة مانحة تأتي في مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية حيث بلغ اجمالي قيمة المعونة الاقتصادية التي قدمتها أمريكا لمصر في الفترة1975 2010 نحو عن28 مليار دولار بنسبة نحو54% من إجمالي معونة الحكومات الأجنبية لمصر. كما أن مصر تعتبر ثاني أكبر دولة متلقية للمعونة الأمريكية بعد إسرائيل, حيث تقدم الولايات المتحدة معونتها لإسرائيل ومصر في ضوء قاعدة3 لإسرائيل مقابل2 لمصر. وفي معرض تقييمنا لبرامج المعونة الأمريكية, كشفت الدراسة عن أن المنافع التي يحصل عليها الجانب المصري ليست بالدرجة التي تروج لها دعاية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إذا ماقورنت بالمنافع الأكبر التي تؤول إلي الجانب الأمريكي من رجال أعمال ومصدري القمح وموظفي الوكالة وخبراء ومستشاري البرامج التنموية,ناهيك عن المكاسب السياسة. فبداية: تتميز المعونة الأمريكية لمصر بمجموعة من السمات الرئيسية التي تعكس الحقيقة أن المنتفع الأول من هذه المعونة هو أمريكا وليس مصر, ويؤكد علي ذلك مايلي:
أولا: المعونة الأمريكية لمصر أداة رئيسية من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية, ويدلل علي ذلك أن السنوات التي حدثتها تغيرات هيكلية وتغيرت فيها إستراتيجية الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مصر مثلا عقب أحداث سياسية مهمة: مثل توقف المعونة الأمريكية لمصر عام1967 مع النكسة واستئنافها مرة أخري عام1976 مع ظهور نوايا السلام مع إسرائيل, ثم البداية الحقيقية لبرنامج المعونة عام1979 عقب توقيع اتفاقية السلام ومع البدء في تبني سياسات الانفتاح. وأخيرا التحول الكبير في إستراتيجية المعونة وتوجهاتها مع بداية الألفية الثالثة مع تغير النظرة الأمريكية الأولويات الإصلاح في الدول العربية والإسلامية. وهاهي تطرح من جديد فكرة وقف المعونة كسلاح ضغط علي الجانب المصري تزامنا مع قضية التمويل الأجنبي المطروحة حاليا.
ثانيا: المعونة الأمريكية تخدم الاقتصاد الأمريكي بالدرجة الأولي, فالمعونة الأمريكية تساهم في الحفاظ علي مستوي النشاط الاقتصادي الأمريكي وتسويق الفوائض الزراعية والصناعية والحفاظ علي مستويات التشغيل. وتعمل المعونة علي تغذية ودعم بعض القطاعات الأمريكية, من خلال قناتين رئيسيتين هما برنامج الاستيراد السلعي, والمعونة الغذائية, واللذان يحظيا بنصيب الأسد من إجمالي المعونة الأمريكية الممنوحة( يمثلا نحو60% من قيمة المعونة) ولايتم المساس بهما تقريبا حتي في ظل الاستراتيجيات الحديثة التي تهدف إلي خفض المعونة, ذلك لما لهما من عوائد إيجابية علي الاقتصاد الأمريكي. ومما يدلل علي ذلك أنه عندما قرر الكونجرس الأمريكي خفض المعونة لمصر, جاء الخفض كله علي حساب برنامج المشروعات دون المساس تقريبا بهذه البرامج. هذا إلي جانب المنافع التي تعود علي الاقتصاد الأمريكي من خلال امتيازات بعثة المعونة الأمريكية لمصر( وهي أكبر بعثة علي مستوي العالم) والإعفاءات الضريبية والجمركية التي يتمتع بها رجال الأعمال الأمريكيون حال عملهم تحت مظلة برنامج المعونة.
وأخيرا, فإنه ليس من الخفي أن جزءا ليس بالقليل من ارتباطات المعونة الأمريكية يعود مباشرة إلي الخزانة الأمريكية تحت مسمي الأرصدة غير المسحوبة, يصل أحيانا إلي ما يزيد علي90% من إجمالي قيمة مخصصات المعونة. ويكون نتيجة إما لتعنت الإدارة الأمريكية في بعض الشروط أو لبيروقراطية الإدارتين الامريكية والمصرية أو لعوامل فنية أخري. وهو الأمر الذي يمثل ضعفا في كفاءة إدارة برنامج المعونة, وقد طمأن أحد تقارير الوكالة الأمريكية الكونجرس بشأن الفائدة الاقتصادية المباشرة التي تعود علي الاقتصاد الأمريكي من المعونات:80% من أموال المعونات يعود إلي أمريكا. كما ذكر التقرير أن أمريكا هي الأسوأ من بين21 دولة غنية من حيث الأثر التنموي للمعونة الاقتصادية التي تقدمها لدول العالم الثالث, بسبب اشتراط إنفاق هذه المعونة في شراء سلع وخدمات أمريكية.
ثالثا: المعونة الأمريكية لمصر يتم تقديمها وفقا لشروط إصلاحيةConditions وترتبط حدة وصرامة هذه الشروط بالعلاقات السياسية المصرية الأمريكية بالدرجة الأولي وقبل أي اعتبار. وتنعكس هذه الشروط بطبيعة الحال علي حصول مصر علي المبالغ المخصصة لها أو إرجاعها إلي الخزانة الأمريكية حال عدم تنفيذ الشروط. كما أن طبيعة البرامج الأمريكية والمشروطيات ترتبط بالتوجهات السياسية الخارجية للإدارة الأمريكية, مثل مراجعات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر, والتي تمت نتيجة للتغير في إستراتيجية الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط وعلي أثرها تم زيادة مخصصات المعونة الموجهة لبرامج الديمقراطية والإصلاحات السياسية بشكل جلي. كما كانت فترة إدارة الرئيس بوش من أكثر الفترات تشددا في مشروطيات المعونة الأمريكية نتيجة لتدهور العلاقات المصرية الأمريكية آنذاك. وقد انعكس الحال مع تولي الرئيس, باراك أوباما والإدارة الأمريكية الجديدة وتحسن العلاقات المصرية الأمريكية, حيث جاءت المعونة الأمريكية لمصر لأول مرة دون مشروطيات عام.2010
رابعا: المعونة الأمريكية في مصر تتميز بالطبيعة الانتشارية, أفقيا( توسيع الانتشار الجغرافي في العديد من المحافظات المصرية) ورأسيا( التوغل في غالبية القطاعات والهيئات والمؤسسات الاقتصادية والإدارية المالية والاجتماعية) وتعمل الطبيعة الانتشارية للمعونة الأمريكية ببعديها علي تحقيق هدفين رئيسيين من أهداف السياسة الخارجية الأمريكية: الأول هو جمع المعلومات! والثاني هو تحقيق التواجد المحسوسhighvisibility علي مستوي القري والمراكز, وهو ما يعد دعاية لبرنامج المعونة الأمريكية لمصر. وقد زادت هذه السمة وضوحا عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر, حيث أصبحت الوكالة الأمريكية تبحث عن البرامج ذات المردود الشعبي, وانعكس ذلك بوضوح في زيادة ارتباطاتها للبرامج ذات الطبيعة الشعبية لبرامج التعليم والصحة وتعزيز الديمقراطية والحوكمة, لزيادة الوعي بحجم المساعدة التي تقدمها أمريكا, خاصة بعد أن ثبت أن برامج البنية الأساسية والسياسات الاقتصادية الكلية كانت دائما ذات عائد سلبي من حيث التقدير الشعبي للمساعدة الأمريكية لمصر.
وحول أثر المعونة الأمريكية علي التنمية البشرية في مصر قالت الباحثة: نجد أن قطاعات التنمية البشرية قد حظيت بنصيب ضئيل من إجمالي المعونة الأمريكية المقدمة لمصر سواء التحويلات النقدية, أو البرامج التنموية, مقارنة ببرامج دعم مناخ الأعمال وأنشطة القطاع الخاص. وحتي مكونات برامج التعليم والصحة كانت دائما تعمل علي دعم أنشطة القطاع الخاص, وكانت معظم مخصصاتها تتوجه إلي الأنشطة الإعلامية وبرامج التوعية والإرشاد ودعم منظمات المجتمع المدني, هذا في حين أن التوزيع غير العادل للمعونات وتوجيه مخصصات في خدمة النخبة علي حساب الفقراء هو أحد أهم الاسباب التي تؤدي الي عدم فعاليتها كما أوضحت الكتابات النظرية.
الشروط الأمريكية ضد الفقراء ولصالح النخبة
بالنظر إلي مشروطية المعونة الأمريكية, نجد أن برنامج المعونة الأمريكية يتميز بالمشروطية, الشديدة في حين أن التوجهات الحديثة والعديد من الدراسات التطبيقية قد انتقدت فكرة المشروطية وأشارت إلي عدم تأثيرها أو تأثيرها السلبي علي فعالية المعونة في كثير من الأحيان. وعن طبيعة هذه المشروطية, فقد أشارت الدراسة إلي أن المعونة الأمريكية يتم ربطها بشروط تتمحور حول إصلاح القطاع الخاص وخصخصة شركات قطاع الأعمال والبنوك وإصلاح النظام القضائي وغير ذلك من الشروط التي هي بعيدة كل البعد عن توجيه المعونة في صالح الفقراء أو لأغراض التنمية البشرية. في وقت أكدت فيه الكتابات النظرية والتجارب الواقعية أن الأثر الإيجابي للمعونة يتوقف علي مدي إنفاقها بشكل فعال في مصلحة الفقراء وأنه إذا كان لابد من الشروط فلتكن شروطا في مصلحة الفقراء, حتي يتحقق العائد الإيجابي للمعونة علي التنمية البشرية.
وقد أشار تحليل الأهمية النسبية للمعونة في مصر إلي ضآلة أهميتها النسبية وتناقص مساهمتها الحقيقية في الاقتصاد المصري بشكل عام, بسبب الانخفاض في قيمها الاسمية والحقيقية( حيث انخفضت القيمة الحقيقية للمعونة بنحو88,5% خلال الفترة1979 2010) وتناقص مساهمتها في الاقتصاد القومي سواء من حيث تناقص نصيبها إلي إجمالي موارد النقد الأجنبي أو إلي الناتج المحلي الإجمالي( لم تمثل في أعلي قيمها ما يزيد علي5% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي) هذا إلي جانب تناقص نصيب الفرد من المعونة الأمريكية( والذي أصبح لا يتجاوز3.2 دولار للفرد بعد أن كان يزيد عن21 دولارا في السنوات الأولي للبرنامج) هذا في حين أشارت العديد من الكتابات إلي أن الأهمية النسبية للمعونة تعتبر عنصرا حاكما في مدي فعاليتها, وأن المعونات تكون غير فعالة في الدول التي تتلقي معونات اقل من15% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبإلقاء الضوء علي التوجه المستقبلي للإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالعلاقات المصرية الأمريكية والتي تمثل المعونة الأمريكية أحد أهم ركائزها الفاعلة نجد أن مستقبل المعونة الأمريكية لايزال مرهونا بالتحولات المستقبلية في العلاقات المصرية الأمريكية المرتبط بشكل رئيسي بطبيعة نظام الحكم القادم في مصر وأيديولوجيات السلطة القادمة. ولذلك فإن الشغل الشاغل للإدارة الأمريكية في الفترة الحالية هو الوقوف علي مسافة واحدة من كافة التيارات المصرية المحتمل توليها للحكم مستقبلا في مصر, بما في ذلك تيار الإخوان المسلمين, وهو الأمر الذي دعا الإدارة الأمريكية أن تصرح أثناء وبعد ثورة الخامس والعشرين من يناير أنه لا نية لتقليص حجم المعونة الأمريكية لمصر خلال الفترة القادمة
خدمة التوجهات الاستراتيجية الأمريكية
وفي محاولة لتوجيه الإدارة الأمريكية للمسار المستقبلي الأمثل والسياسات الخارجية الملائمة للفترة القادمة, يري بعض المحللين أن الإدارة الأمريكية يتعين عليها توجيه الدعم المباشر لانتقال السلطة إلي حكومة وطنية ورئيس مدني منتخب يخدم التوجهات الاستراتيجية الرئيسية للإدارة الأمريكية المتمثلة في:
الإبقاء علي اتفاقية السلام, إتاحة المرور بقناة السويس, واستمرار التعاون العسكري بين البلدين. هذا في حين يري بعض المحللين الآخرين أنه من الضروري زيادة وتعزيز الديمقراطية ودعم كافة القوي السياسية الصاعدة حتي وأن كانوا الإخوان المسلمين( وقد سبقت الإشارة إلي حجم المخصصات التي تم توجيهها لخدمة هذا الهدف في الفترة القادمة) في حين يري فريق ثالث أن الغموض الذي يحيط بمستقبل الدولة المصرية والأيديولوجية الحاكمة لها يفرض علي الإدارة الأمريكية تجميد موقفها من التطورات المصرية في المرحلة القصيرة المقبلة عند الوضع الحالي, مع استمرار توجيه الدعم بشكل عام ومتساو للقوي السياسية المصرية, خاصة بعد ما حققته إدارة أوباما من مكتسبات في استعادة العلاقات الدبلوماسية الطبية مع الجانب المصري بعد سنوات من التدهور شهدتها فترة الرئيس السابق بوش, وبالتالي لايجب الدخول في دعم طائفة دون غيرها لأن الفئة الحاكمة مستقبلا في مصر لايمكن حتي الآن التكهن بطبيعتها أو توجهاتها أو الأيديولوجيات الحاكمة لها.
ومن ثم, فبناء علي ماسبق من نتائج حول طبيعة ومساهمة برنامج المعونة الأمريكية لمصر ودوافعه, واستنادا إلي المرحلة الجديدة التي ستدخلها مصر في المستقبل القريب والتي بطبيعة الحال ستتضمن إعادة النظر في العلاقات الخارجية خاصة مع الجانب الأمريكي, نطرح في السطور التالية رؤية لأهم السياسات الضرورية لاستمرار برنامج المعونة الأمريكية لمصر بشكل أكثر فعالية إذا ماأراد له صانعو القرار الاستمرار والبقاء في المستقبل وأيا كان شكل وطبيعة وأيديولوجية حكم البلاد في المرحلة المقبلة, وهو ما يمكن تسميته ب حوكمة برنامج المعونة الأمريكية لمصر, حيث يقصد بالحوكمة:
خلق بيئة مواتية يتم فيها تقييم ومتابعة أداء برنامج المعونة الأمريكية لمصر ومكوناته المختلفة والعوائد المتحققة منه ومدي كفاءة أداء مشروعات البرنامج والإدارة المالية للبرنامج وإدارة عملية التفاوض.
فالحوكمة في هذا الصدد تشمل الإدارة الرشيدة للبرنامج وتوفير آليات التقييم والمتابعة الدورية والمساءلة في مختلف الجوانب والبرنامج الاقتصادية والاجتماعية والإدارية دراسة الأبعاد السياسية التي تحيط بالبرنامج ومدي تحكمها وتأثيرها في مخرجاته واستمراريته, ومراعاة التوازن بين المنافع الاقتصادية المتحققة من البرنامج والاعتبارات السياسية التي تحيط به وإعادة صياغة الأطر الاقتصادية والسياسية والتشريعية والادارية التي تحكم البرنامج وتؤثر فيه.
ويجب أن تبني أسس هذه الحوكمة الجديدة علي ركيزة أساسية, وهي أن يكون استمرار برنامج المعونة الأمريكية لمصر في ضوء فكرة استقلالية التنمية والتي تعني اعتماد التنمية علي القوي الذاتية للمجتمع, من قدرات بشرية ومدخرات وطنية, دون استبعاد اللجوء إلي الخارج للحصول علي معونات أو قروض أو استثمارات أو التكنولوجيا, علي أن يكون ذلك بشروط مواتية, ودونما قيود تجور علي حرية الإرادة الوطنية وفكرة تملك الخيار السياسي للدولة, وباعتبارها عوامل ثانوية تدعم الجهد الوطني ولكن لاتحل محله. كما يمكن استغلال التحسن النسبي في العلاقات المصرية الأمريكية مع تولي الرئيس باراك أوباما في مراجعة إدارة برنامج المعونة الأمريكية والشروط المرتبطة به وأسلوب إدارته وإعادة تقييم المطلوب من البرنامج في إطار علاقة المنفعة المتبادلة وحسابات العائد التكلفة. وقد اقترحت الدراسة مجموعة من السياسات المستقبلية نورد أهمها في السطور التالية:
1 البحث عن بدائل محلية لبرنامج المعونة الأمريكية تتسم بالاستدامة من أجل تقليص الاعتماد علي برنامج المعونة الأمريكية والتبعية الاقتصادية والسياسية التي قد تنتج عن هذا البرنامج. فمن ركائز التنمية المستقلة المعتمدة علي الذات أن يعمل الاقتصاد المصري علي إحداث زيادة كبيرة في معدل الادخار المحلي. وقد كان ارتفاع معدلات الادخار سمة أساسية من سمات الدول الآسيوية التي يشار إليها كنماذج للنجاح الاقتصادي مثل هونج كونج وسنغافورة والصين. ومن ثم يجب أن يتسع دور الدولة مرة أخري في هذا الصدد بالعمل علي ضبط الاستهلاك والاستيراد بهدف رفع معدل الادخار المحلي.
2 إعادة تقييم برنامج المعونة الأمريكية لمصر برمته والمنفعة الحقيقية المتحققة من وراء المعونة الأمريكية بعد استبعاد العوائد والمنافع التي تعود علي الجانب الأمريكي, أخذا في الاعتبار ما يمثله هذا البرنامج من أهمية كأحد أهم أوراق الضغط التي تلعب بها الإدارات الأمريكية المتعاقبة لضبط إيقاع السياسة الخارجية المصرية بما يتفق مع أهدافها.
3 إعادة النظر في هيكل برنامج المعونة الأمريكية لمصر وانحيازه الكبير لصالح القطاعات المالية والمصرفية, في وقت أصبحت القطاعات الاجتماعية محل أولوية المجتمع الدولي والدول النامية بشكل عام والحكومة المصرية بشكل خاص منذ أوائل التسعينات مع ظهور أول تقرير للتنمية البشرية بمصر, ومرورا بالتوجه المصري نحو تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية, وانتهاءا بالخطة الخمسية السادسة التي تضع في أولوياتها تحسين مؤشرات التنمية البشري والتصدي للفقر. في حين لاتزال برامج الخصخصة ودعم القطاع الخاص تستحوذ علي النصيب الأكبر من هيكل برنامج المعونة الأمريكية من ناحية, ومن ناحية أخري يتم خفض مكونات المشروعات التي تخدم تحسين التنمية البشرية, بل وإلغاؤها أحيانا كما هو الحال بالنسبة لبرنامج الصحة.
4 إذا ماكان هناك بد من اعتماد مصر علي المساعدات الخارجية, فيجب العمل علي توسيع قاعدة الدول مانحة المعونات الخارجية بخلاف الولايات المتحدة الأمريكية وتقليل نصيب المعونة الأمريكية من إجمالي المعونات الممنوحة لمصر وتنويع محفظة الدول المانحة للمعونات لمصر وذلك من أجل خفض عنصر المخاطرة الناتج عن استحواذ المعونة الأمريكية علي نصيب الأسد من إجمالي المعونات الممنوحة لمصر.
5 مراجعة التشتت الشديد الذي يتسم به برنامج المعونة الأمريكية والذي يمثل أحد سلبيات هذا البرنامج, ويقترح تخفيض عدد برامج المعونة وحصرها تحت هدفين أو ثلاثة مع زيادة الوزن النسبي لكل برنامج حتي يتم تعظيم الفائدة منه.
6 مشروطية المعونة الأمريكية هو أمر يحتاج إلي مراجعة وإعادة تقييم بشكل عام, بعد أن أثبتت العديد من الدراسات الاقتصادية الحديثة أن تمليك الدولة للقرار السيتسي هو الخيار الأمثل لتعظيم مخرجات المعونة, وبعدما ازدادت الشكوك حول جدوي هذه المشروطيات في تعظيم مخرجات البرنامج كما أن طبيعة مشروطية المعونة الأمريكية تجاه دعم القطاع الخاص هو أيضا أمر يحتاج إلي إعادة نظر, فالمشروطية إذا كانت ضرورية من وجهة النظر الأمريكية فلتكن مشروطية في صالح الفقراء وتحسين الأحوال المعيشية.
7 إعادة النظر في أسلوب التفاوض بين الجانبين المصري والأمريكي حول أسلوب صرف ارتباطات المعونة الأمريكية وعملية إدارة الأرصدة غير المسحوبة, كما يجب الأخذ في الاعتبار ضرورة وضع قيود زمنية علي عمليات الصرف علي كلا الجانبين الأمريكي والمصري تجنبا لحدوث تعطيل بيروقراطي للمعونة. إلي جانب ضرورة العمل علي تأهيل كوادر فنية محلية تقوم باستيفاء الدراسات المطلوبة لإنجاز المشروعات وفقا للمخطط.
8 يجب علي صانعي السياسات ومتخذي القرار إدراك حجم المساهمة الحقيقية الحالية لبرنامج المعونة الأمريكية في الاقتصاد المصري, مثل ما أشارت إليه نتائج هذه الورقة من انخفاض الأهمية النسبية لهذا البرنامج مؤخرا وتناقص أثره الحقيقي بشكل كبير لايستلزم التمسك به إلي حد قد يقود إلي الرضوخ إلي مشروطيته الشديدة التي قد تضر في بعض الأحيان بالاقتصاد المصري وباستقلالية القرار الوطني.
وعموما, يجب العمل علي تبني أسلوب فعال في تقييم برنامج المعونات الممنوحة لمصر بشكل عام والمعونة الأمريكية بشكل خاص باعتبارها مانحا رئيسيا يقوم علي المعايير التي وضعتها المؤسسات الدولية القائمة علي مثل هذه البرامج, مثل منظمة التعاون الاقتصادي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي, ويتم متابعة وتقييم برامج ومشروعات المعونة وفق هذه المعايير علي المستويات الكلية والجزئية وبالتنسيق بين الوزارات والجهات المختلفة. ويقترح تفعيل وحدة بوزارة التعاون الدولي تقوم بهذه المهمة وفق أسلوب موحد ويتم التقييم بصفة دورية ومن قبل متخصصين ذوي خبرة ودراية بأحدث أساليب تقييم المعونات المتبعة لدي المؤسسات الدولية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.