إن إرساء قيم الديمقراطية والحرية والعدالة واحترام الآخر، يعد مرساة لإخراج جيل يتمكن من دفع تقدم بلاده إلى الأمام، ومن مواجهة التطرف والإرهاب، وهذا ما تحاول أن تقوم به النظم التعليمية فى الدول المتقدمة، وفى مقدمتها بريطانيا. ويعتبر نظام التعليم فى بريطانيا من أفضل النظم على مستوى العالم من حيث الجودة وثقافة التعلم وزيادة الإنفاق لرفع مستوى العملية التعليمية وإجراء مراجعة دورية لتحديث المناهج. ويبلغ حجم الإنفاق على التعليم فى المملكة المتحدة نحو 90 مليار جنيه إسترلينى على ما يقرب من 8 ملايين طالب يرتادون 24372 مدرسة، ويصل عدد المدرسين إلى 438 ألفا، ويتم تمويل المدارس والكليات التى تديرها الدولة من خلال الضرائب القومية، وهى تقبل الطلاب بالمجان بين عمر ثلاثة أعوام إلى ثمانية عشر عاما، وبعد ذلك يمكن للطلاب إكمال دراستهم الثانوية لعامين آخرين، مما يؤدى بشكل نموذجى إلى مؤهلات المستوى أ رغم وجود مؤهلات ودورات أخري، بما فى ذلك مؤهلات مجلس الأعمال وتعليم التقنيات والبكالوريا الدولية ومرحلة ما قبل الجامعة فى كامبريدج. ورفع قانون التعليم والمهارات لعام 2008 سن إنهاء التعليم الإجبارى إلى 18 عاما. وارتفع عدد الطلاب البريطانيين الذين نجحوا فى المستوى أ خلال علم 2014 إلى مستوى قياسى حيث حصل نحو 26% من الطلاب على الدرجات النهائية فى هذا المستوي، وهو ما يؤهلهم للالتحاق بالجامعة. وعلى الرغم من الأزمة المالية التى تواجهها البلاد منذ عام 2009، فإنها رفضت المساس بمخصصات التعليم أو الاقتطاع منها، بل إن المستشار جورج أوسبورن وعد بحماية ميزانية المدارس من تخفيضات ميزانية الدولة، وبالحفاظ على صيغة تمويل عادلة للمدارس للقضاء على التفاوت بين المدارس المختلفة. ويخضع النظام التعليمى فى المملكة المتحدة لإشراف وزارتى التعليم، والأعمال والابتكار والمهارات، وتقوم السلطات المحلية بتنفيذ سياسات التعليم العام والمدارس الحكومية على المستوى العام. وعلى الرغم من كل هذه المقومات التى تميز النظام التعليمى البريطاني، فإن غياب الإشراف الحكومى الكامل على بعض المدارس الخاصة تسبب فى استغلال بعض المتطرفين فى هذه المدارس لفرض مناهج متطرفة على التلاميذ، وهى الخطة التى عرفت مؤخرا باسم مؤامرة حصان طروادة. وفى مواجهة هذه الخطة التى أثارت حالة من الذعر فى بريطانيا، حاولت الحكومة اتخاذ بعض الإصلاحات الضرورية للدفاع عن نفسها فى مواجهة الانتقادات التى وجهت إليها بالصمت على تغلغل المتشددين داخل المدارس. واضطر ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطانى إلى مواجهة هذه المؤامرة عبر إعلان تطبيق مناهج القيم البريطانية فى المدارس. وكتب كاميرون مقالا فى صحيفة ذا ميل البريطانية يقول فيه إن قيم الديمقراطية والإيمان بالحرية والتسامح وقبول المسئولية الفردية والمجتمعية واحترام القوانين أمور حيوية فى المملكة المتحدة. وبمناسبة الاستعداد للاحتفال بمرور 800 عام على توقيع الملك جون على الوثيقة التاريخية العظمى ماجنا كارتا أو الشرعة الكبري، والتى تعد حجر الأساس والأب الروحى للقانون الدستورى فى العالم، قرر كاميرون تدريس الوثيقة فى المدارس البريطانية، كإجراء ضرورى لمواجهة فكر المتطرفين. وإلى جانب ذلك، أطاح كاميرون بمايكل جوف وزير التعليم السابق الذى وقف فى موقف المتهم فى قضية حصان طروادة، ولم يستطع تقديم إجابات واضحة حول حقيقة ما حدث، بل قام بتحويل الأمر إلى مشاجرة مع تريزا ماى وزيرة الداخلية حول من يتحمل المسئولية. وحتى الآن لم تقدم نيكى مورجان وزيرة التعليم البريطانية الجديدة برنامجا واضحا لإصلاح ما أفسده المتشددون فى مدارس برمنجهام. وكان تغيير المناهج فى بريطانيا الحديث الأبرز خلال العام الماضي، قبل اشتعال قضية حصان طروادة، وتحدث كاميرون عن أن تطوير المناهج بحيث تواكب أفضل نظم التعليم فى العالم يعد ثورة ضرورية لتحقيق الازدهار الاقتصادى فى إنجلترا. ودعا حزب العمال البريطانى إلى كتابة المناهج الجديدة عن طريق خبراء وعدم الاعتماد على تحيز الوزراء الشخصي. وتسعى بريطانيا إلى تطوير مناهج التاريخ بحيث يتم تدريس الفترات التاريخية المهمة فى التاريخ الإنجليزي، وتطوير مناهج العلوم والتصميم والكمبيوتر والرياضيات. وفى سعيها هذا، تحاول بريطانيا الانتقال من المركز السادس فى المستوى التعليمى إلى المراكز الأولى مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة.