ثمة علاقة يمكن أن توصف بأنها علاقة شخصية؛ ربطت بينى كمتخصص فى علم النفس وبين الهم الوطنى السياسى عامة والصراع العربى الإسرائيلى على وجه الخصوص. حين التحقت بالجامعة فى منتصف الخمسينيات كانت مصر تشهد تبلور ملامح يوليو 52. كان غبار أحداث ما عرف باسم أزمة مارس لم يهدأ بعد، وقبلها كانت أحداث كفر الدوار. كانت كلمات الديمقراطية، و الإقطاع، والاحتلال البريطاني، والثورة، بل والإسلام أيضًا، تتردد مختلطة بأسماء محمد نجيب وجمال عبدالناصر وخالد محيى الدين، وأيضًا خميس والبقرى من عمال كفر الدوار الذين تم إعدامهم، وعدلى لملوم نموذج الإقطاع الذى حوكم وسجن، إلى آخر قائمة طويلة من أسماء نجوم هذه المرحلة. وفى مثل هذا المناخ تزدهر عادة التساؤلات الكبرى عن حركة التاريخ وتوجهات المستقبل. كانت تلك التساؤلات تشغل آنذاك غالبية أساتذة الجامعة وطلابها على حد سواء. فى ظل هذا المناخ كانت بداية تعرفى على الماركسية وعلى التحليل النفسى معًا كان الفكر الماركسى آنذاك ينفض عن نفسه آثار الستالينية، محاولاً أن يتحسس مواطئ أقدامه فى مرحلة ما بعد ستالين، مراجعًا العديد من تصوراته الدوجماطيقية القديمة، مخففًا من حدة اتهام المخالفين بالهرطقة. أما بالنسبة للتحليل النفسى فقد شهدت تلك الفترة حوارًا خصبًا بين اليسار الماركسى الأوروبى وبين التحليل النفسي، وبدأنا نتعرف على فلهلم رايخ، وجورج بوليتزير ، وهنرى فالون، ولوسيان سيف. لقد بدت لى تلك الماركسية الجديدة المتآلفة مع اتجاهات الفرويديين الجدد بمثابة المصدر النموذجى للإجابة عن التساؤلات الوطنية الكبرى التى كانت تشغل جيلى آنذاك، ومضيت فى طريقى وقد خيل إلى أننى قد أوتيت من العلم الكثير، وأنه لم يبق سوى أن أحاول ممارسة ما عرفت، ولم يكن ثمن تلك المحاولة هينًا. سنوات من الاعتقال والتعذيب. تركت على الجسد آثارًا لم ينجح الزمن فى محوها، وارتجف الجسد وعانى كثيرًا، ولكن ظل الفكر متماسكًا، وبقى اليقين ثابتًا، ولو إلى حين. إلى أن وقعت واقعة يونيو 1967 وعندها ارتجف الفكر، واهتز اليقين، وكان الألم أكثر عمقًا. تكشف لى آنذاك - فيما تكشف - كم كنت متجاهلًا بل جاهلًا لطبيعة ما ألفنا أن نطلق عليه آنذاك «إسرائيل المزعومة». وبدأت أتلفت حولى كمتخصص فى علم النفس بحثًا عن سبيل للتعرف على ذلك المجهول «إسرائيل». أصبحت آنذاك مطالبًا بتبرير لإقدامى على دراسة موضوع «إسرائيل» دراسة تنتمى لعلم النفس، ولم يكن بد لتحقيق ذلك من محاولة التعرف من جديد على ملامح تاريخ العلاقة بين علم النفس والسياسة، وسرعان ما تبين لى أنه يصعب تحديد تاريخ لبداية تلك العلاقة، فقد اتضح لى - فيما يشبه الاكتشاف - أن علم النفس الذى نعرفه اليوم قد بزغ من رحم عالم يموج بالتغيرات الاجتماعية الفكرية العنيفة. عالم الثورة الصناعية بما أفرزته من اغتراب للإنسان عن عمله ومن ثم عن عالمه. عالم الثورة الفرنسية، بما أفرزته من تحطيم لقيم إقطاعية سادت طويلًا لترسخ قيما جديدة تحمل شعارات الحرية والإخاء والمساواة. عالم الصراع بين فلسفة مثالية ميتافيزيقية تحاول التمسك بمواقعها والتماسك فى مواجهة فلسفة مادية ماركسية صاعدة. فى ظل هذا المناخ نشأ فلهلم فونت مؤسس ذلك العلم الجديد. الذى كان تجسيدًا لمحاولة الإفلات الفكرى من مأزق الاختيار بين المادية الماركسية، والمثالية الميتافيزيقية بتبنى فلسفة ماخ النقدية التجريبية. ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة إلى سيجموند فرويد الذى تستحيل الإحاطة بدلالة نظريته فى التحليل النفسي، أو فهم طبيعة الخلاف المستعر بينه وبين مخالفيه، إذا لم نتعرف على بنائه الفكرى وطبيعة انتماءاته السياسية. والأمر كذلك بالنسبة إلى وليم چيمس رائد علم النفس الأمريكى الذى يصعب فهم دلالة إسهاماته فى مجال علم النفس، دون الإحاطة بظروف سيادة الفلسفة البراجماتية على المناخ السياسى الفكرى فى أمريكا آنذاك. كما أننا لا نستطيع أن نفهم إسهامات سكنر فى مجال التعلم بمجرد الإحاطة بنتائج تجاربه على الحمام معزولة عن موقفه السياسى الفكرى الذى أفصح عنه فى كتابه المعنون «ماوراء الحرية والكرامة». أما إذا انتقلنا إلى الضفة الأخرى من ذلك العالم الذى أصبح قديمًا، أى إلى الاتحاد السوفيتى الذى كان، لوجدنا أن رصد تدخل السياسة فى تحديد مسار علم النفس لا يحتاج تنقيبًا، فقد كانت قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعى السوفيتى هى التى تحدد أى النظريات النفسية أولى بالاتباع، وأيها تستحق الإدانة والتحريم. ويكفى الإشارة إلى ذلك القرار الشهير الذى صدر عام 1926 بإدانة علم التربية سواء من حيث النظرية أو من حيث التطبيق باعتباره يمثل مواقف علمية زائفة ومعادية للماركسية. ذلك عن تاريخ العلاقة بين علم النفس والسياسة. ورغم ذلك التاريخ الطويل، ورغم أن علماء النفس لم يكفوا عن تقديم مساهماتهم فى التطبيقات السياسية العملية، منذ نشأة علم النفس، وحتى الآن، فقد أجفلوا طويلًا عن صك مصطلح «علم النفس السياسي». ربما نفورًا من الإفصاح عن مواقفهم السياسية، أو ترفعًا عن إلصاق شبهة السياسة بالعلم. لمزيد من مقالات د. قدري حفني