سعر الدولار أمام الجنيه بعد قرار المركزي بتثبيت الفائدة    الحرس الثوري الإيراني: أسقطنا طائرة من طراز "إف 35" في محافظة مركزي وسط البلاد    تعليم سيناء يهنئ أبطال الجمهورية في مسابقات الأنشطة التربوية    مؤسسة البترول الكويتية: نرصد جودة الهواء في المناطق المحيطة بمصفاة ميناء الأحمدي بعد تعرضها لهجوم    معاينة لمشروع رصف طريق «مدينة السلام - البرث - العوجا»    الجامعة العربية تحذر من حصار القدس وإشعال إسرائيل لصراع ديني في المنطقة    المقاومة الإسلامية في العراق تعلن تنفيذ 23 عملية بطائرات مسيرة وصواريخ خلال 24 ساعة    ردا على الحرس الثوري.. المكتب الإعلامي لحكومة دبي ينفي استهداف مركز بيانات أوراكل    طقس اليوم الجمعة.. بدء تحسن الأحوال الجوية ولكن!    بريطانيا تؤكد على «الضرورة الملحّة» لإعادة فتح مضيق هرمز    بعد توعده بإعادتها إلى العصر الحجري | ترامب يهدد إيران بضرب الجسور ومحطات توليد الكهرباء    رئيسة أكاديمية الفنون تكلف الفنان حازم القاضي نائبًا لمدير مسرح نهاد صليحة    وزير البترول: خفضنا مستحقات الشركاء الأجانب من 6.1 إلى 1.3 مليار دولار    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    نقيب التشكيليين يهنئ اختيار الدكتور محمود حامد مقررا للجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة    يارا السكري تراهن على "صقر وكناريا": خطوة جريئة نحو بصمة فنية مختلفة    أستاذ قانون دولي: الإبادة والتهجير القسري جرائم دولية واضحة    بوتين يدعو إلى تكثيف الجهود لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط    بإطلالة جريئة.. منة فضالي تلفت الأنظار في أحدث ظهور.. شاهد    خطوات سريعة لمعرفة فاتورة الكهرباء لشهر أبريل 2026    الكهرباء والعمليات المستقلة تقود مستقبل قطاع الطاقة    المؤبد لسائق توك توك وعامل لاتجارهم في المواد المخدرة بشبرا الخيمة    انهيار بئر على شاب في قنا.. والدفاع المدني يكثف جهوده لانتشاله    دون إصابات.. إخماد حريق مصنعين بالمنطقة الصناعية في نجع حمادي    محمد موسى يهاجم البلوجرز: تجاوزوا كل الخطوط الحمراء    حصاد وفير لبنجر السكر في الإسماعيلية.. إنتاجية مرتفعة وخطة للتوسع إلى 25 ألف فدان تعزز آمال الاكتفاء الذاتي    "ماشي بالعصاية".. تعرض محمد محمود عبد العزيز لوعكة صحية    وزارة الصحة: بعض آلام المعدة تكون عرضا لجلطة في القلب    الموت يفجع إمام عاشور، وهذا ما كتبه على إنستجرام    إسبانيا تتصدر قائمة المرشحين للفوز بكأس العالم    فيفا يعلن زيادة أسعار تذاكر كأس العالم    مصدر مقرب من إبراهيم عادل يكشف ل في الجول القيمة الحقيقية للشرط الجزائي بعقده    مصرع وإصابة 7 أشخاص في انقلاب سيارة بأسوان    مكتبة الإسكندرية تحتفي بالأعمال المترجمة للشيخ محمد الحارثي    بعدما لوح السيسي بفقدان الاستقرار .. ما إمكانية تداول السلطة برغبة شعبية في مصر؟    اجتماع للجنة التنسيقية لهيئات منظومة التأمين الصحي الشامل بالأقصر    الصحة العالمية تطلب تمويلا 30.3 مليون دولار للاستجابة للأزمة الصحية المتفاقمة في الشرق الأوسط    إسكندر: نعيد تشكيل ملف العمالة المصرية عبر التأهيل والتشغيل المنظم لحماية الشباب من الهجرة غير الشرعية    تفاصيل الاجتماع الفني لبطولة كأس العالم للجمباز الفني القاهرة 2026    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    وكيل صحة الدقهلية يفتتح فعاليات المؤتمر الثالث لمستشفى صدر المنصورة    بدء غلق كوبري الدقي المعدني جزئيا لمدة 3 أيام    دونجا: الزمالك سيفوز على الأهلي وبيراميدز وقادر على التتويج بالدوري    فلسفة شاعر    حكام قمة الأهلي والزمالك في الكرة النسائية    ضبط كافيه ومطعم وبازار مخالفين لقرار الغلق في مرسى مطروح    سداسية نظيفة.. سيدات برشلونة يسحقن ريال مدريد في دورى أبطال أوروبا.. فيديو    لحسن العشرة والوفاء صور.. وفاة زوجة بعد ساعة من وفاته حزنا عليه في كفر الشيخ.. فيديو    الثلاثاء.. انطلاق المؤتمر السادس لقسم الأمراض الصدرية بطب الأزهر بأسيوط    هل تارك الصلاة إذا مات يوم الجمعة يدخل الجنة؟ أمين الفتوى يجيب    نائب محافظ سوهاج يشهد الحفل الختامي لمسابقة نقابة المهندسين للقرآن الكريم 2026    حبس 9 متهمين باستغلال الأطفال في أعمال التسول بشوارع القاهرة    وزير التعليم: المناهج المطورة تركز على ترسيخ القيم الأخلاقية والسلوكيات المجتمعية السليمة    رئيس الوزراء يلتقي السفير علاء يوسف بعد تعيينه رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات    وزارة الري: استقرار حالة المناسيب والتصرفات والجسور بشبكة الترع والمصارف    دعاء الرياح.. اللهم إنى أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أزهى عصور الخيانة أبناء «الزينى بركات» يرقصون على دماء الشعب!

عند صلب الصوفى الحلاج في بغداد، قذفه العامة بالحجارة، حتى تمزقت أعضاؤه، فلم ينطق بكلمة «آه»..ثم رماه أحد أصدقائه بوردة حمراء.فغرق الحلاج فى البكاء، وقال له: «لقد آذيتنى يا هذا»..وحينما صرخ يوليوس قيصر: «حتى أنت يابروتس؟!»، لم تكن من ألم الخنجر، بل من حرقة الخيانة..أما «يهوذا الاسخريوطى» فكشف شخصية «المسيح» لأعدائه من اليهود، مقابل دراهم فضية، ب»قبلة على وجه يسوع» ثم انتحر.
وخان الوزير«ابن العلقمى» دولته العباسية وكتب إلى التتار يدعوهم لإزاحة الخلافة، فتفجرت براكين الدماء بأكبر مجزرة إنسانية. فى القرن الحالى صار كثيرون على نهج «ابن العلقمى»: الجلبى والعلاوى والجعفرى والمالكى الذين سلموا بغداد للأمريكان والإيرانيين.. فى مصر المحروسة نعرف خيانات بلا حصر: من المعلم يعقوب مع الفرنسيين، حتى مبارك «كنز إسرائيل الاستراتيجى»، وصولا إلى الرئيس الربانى محمد مرسى - وأهله وعشيرته- كنز أمريكا وتركيا وقطر و...إلخ، إلخ،على نحو ما تكشف التحقيقات الجارية. السؤال: لماذا يغادر عشق الوطن مكانته الرفيعة، إلى مقالب القمامة؟!..الإجابة الآثمة: فتش عن :الخيانة».. بئرعميقة لم يجد الغيطانى دركا أسفل منها ينحدر إليه الإنسان، فى روايته الفاتنة «الزينى بركات»؛ لأجل ذلك لاحق دانتي، فى «الكوميديا الإلهية»، الخونة إلى الجحيم وجعل للشيطان في قعر الجحيم ثلاثة أفواه؛ لكي يلتهمهم بها..!
(1)
انقضى عهد الإخوان وانكشف الغبار عن خديعة مدوية..
الكيد فاضح معجون باللعنة، طرطشة الدم تزيح غموض ما جرى: حوّل مرسى شرعيته فى الحكم نوعا من السفاح، مبدأ الإخوان الثابت:»عندما يتعلق الأمر بالبقاء فى السلطة فإن المبادئ تعد من قبيل الترف»..جماعة رفعها الوطن إلى العرش، فسعوا إلى تمزيقه ورهن أمره للقاصى والدانى.. هل بعد خيانة الأوطان ذنب؟!..
التفاصيل ماكرة تلزمنا بتقليب صفحات «الزينى بركات» التى كتبت فى السبعينيات.. كلمات الرواية رماح تبقر بطون الخسة والانتهازية والاستبداد والقمع والفساد.. وبرغم روعة الخيال فإن لمحات الحقيقة ماثلة فى خلفيتها، لايستوحى الغيطانى وقائعها من التاريخ، بقدر ما يستخرجها من الواقع، ويفضح المخفي من خيانات نهاية عصر المماليك، وسقوط مصر بأيدى العثمانيين، فى القرن ال16، راسما تجليات المحنة، ومحذرا من تكرار عوامل الانكسار، فى إطار بوليسى مشوق ومؤلم يرويه الرحالة الإيطالى «فياسكونتى جانتى».
تبدأ الرواية بمفاجآت المدوية، أولاها: عزل والي الحسبة الظالم المتجبر (علي بن أبي الجود) وسجنه ومصادرة أمواله، بعد أن غضب الناس وضجوا طويلا من تسلطه وفساده وتنكيله بعامة الشعب من الفقراء والغلابة، وفتحه أبواب الثراء الفاحش للأمراء وذوى النفوذ مهما ارتكبوا فى سبيل ذلك من جرائم. ثم تأتى المفاجأة الثانية: بإصدار السلطان الغورى أمرا بتولية «بركات بن موسى» منصب الحسبة الشريفة والإنعام عليه بلقب (الزيني)، على أن يعاونه (نائبه) كبير البصاصين الشهاب زكريا بن راضى..المربك أن «بركات بن موسى» رجل غامض، كبير البصاصين نفسه لا يعرف شيئا عن هذا الشخص القادم من المجهول!!..»الحسبة» منصب خطير يجعل «الزينى» عزيز مصر، أو الحاكم الفعلى للبلاد الذى يتحكم فى أهم شئونها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية،يراقب الأسواق وأسعار السلع، وتتبعه أجهزة الأمن والمخابرات (البصاصين) التى ترصد كل شاردة فى أرض مصر وصدور أهلها، الصغير قبل الكبير، حماية لنظام الحكم، حتى لو وصل الأمر إلى هتك ستر العلاقة بين رجل وزوجته ومعرفة عدد مرّاتها وضبطها عند اللزوم، مثلما حدث بين العطار وجاريته..!
(2)
المفاجأة الصادمة أن الزينى بركات – وعلى غير ما جرت العادة- تضرع للسلطان «باكيا راجيا إعفاءه من هذه المسئولية الجسيمة.. فهو لن يستطيع أن ينام ليله لو كان هناك مسلم مظلوم في مكان ما سيحاسب عنه يوم القيامة، وهو لا يعلم به».. كاد الشهاب زكريا يفقد صوابه؛ لأن تحرياته تقول إن بركات بن موسى دفع ثلاثة آلاف دينار إلى الأمير قاني، لكي يشترى بها منصب الحسبة..!
الخطة المرسومة تسير بدقة، إذ تحركت جموع الناس فى الأزقة والحارات، ليتراجع بركات عن رفضه.. ولما قبل منصب الحسبة تنفست الجموع الصعداء، مستبشرين بعهد عدل و رخاء.
ثم تحدث تحولات رهيبة، يبدأ الزينى بركات عهده بأعمال تدل – فى ظاهرها- على الصلاح، كتعليق الفوانيس ومطاردة صغار المحتكرين؛ لترسيخ صورته حاكما عادلا بين الجماهير. ولما يستتب له الأمر، ينشر الظلم والرعب بينهم، يعذب الفلاحين وينكّل بالأبرياء وينتزع أموالهم، وينشئ جهازا خاصا به للتجسس (البصاصة)، ويقمع المخالفين، مثل الأزهرى الشاب (سعيد الجهيني) الذى انتزعوا منه محبوبته سماح (مصر)، وزوّجوها لأحد المماليك، ويجنّد زميله عمرو بن العدوى لمراقبته هو وغيره من طلاب الأزهر وعلمائه.
كل هذا الإرهاب للاستفراد بالسلطة وخدمة المصلحة الشخصية، فى دولة (رخوة) يتصارع أمراؤها فوق أجساد العباد، كالأفيال فى حديقة النمل، خصوصا بعد حسم الزينى صراعه الحاد مع الشهاب زكريا، واكتشف الرجلان أن مصلحتهما واحدة فى العمل معا للهيمنة والاستحواذ على الحكم وعلى الحاكم نفسه..أقاما نظاما دقيقا للتجسس على الخلائق، ولصنوف التعذيب الوحشى المبتكرة، كتلك التى تعرض لها المحتسب المخلوع (على بن أبى الجود) فى سجنه- ليكشف عن حجم ثروته وأماكن وجودها- :قطع رءوس ثلاثة فلاحين وتعليقها فى رقبته، أو حرمانه من النوم، أو طلاء رجليه بالملح وترك (معزة) تلعقها إلى أن يفقد الوعى، أو هرس أعضاء الأبرياء أمامه..والمقشرة، آه من المقشرة..آلة التعذيب الرهيبة!..
لا يجرؤ الناس على الاعتراض، اعتادوا الظلم ورضخوا له.لأن «الخير مسكوب والشر باغ والعهر طاغ».. نطق رجل عجوز:»ظهور ابن موسى علامة من علامات خراب الدنيا.. فانصرف عنه الناس خوفا».. شعورعام برهبة خفية من الزينى..هنا الضحية فى مواجهة الجلاد المدجج بأدوات التنكيل والبطش.
(3)
وتبلغ الإثارة قمتها ، عند اكتشاف القارئ أن الاتجار بالدين وسيلة يستخدمها الحكام الكاذبون، فى كل العصور،للضحك على ذقون الناس. من خلال مشاهد كثيرة في الرواية، لتدلل على أن السمكة تفسد من رأسها، وكذا الأنظمة السياسية، بتهافت الحاكم وفساد حاشيته- قل أهله وعشيرته- واستشراء الانتهازيين فى دوائر السلطة، وهى طبقة من الخونة التى تأكل على كل الموائد، لذا انكسرت دولة المماليك، بسبب الفساد والقمع والخيانة، أمام العثمانيين بعد أن كانت أهم قوة على وجه الأرض، أوقفت زحف التتار واقتلعت الجيوش الصليبية من الشرق. مات السلطان الغورى –كمدا- تحت سنابك خيل الخونة من مماليكه: خاير بك وغيره من الأمراء فى «مرج دابق». ثم يُشنق السلطان طومان باى ويُعلق على باب زويلة، بعد أن غدروا به فى معركة الريدانية.. ويختفى الزينى بركات أياما. لتتكشف مفاجأة المفاجآت فى الرواية؛ عندما يدنس الغزاة العثمانيون أرض الكنانة ويحتلونها، ويعينون رجلهم (جاسوسهم) واليا للحسبة فى بر مصر من جديد، الذى لم يكن سوى (الزينى بركات) نفسه، الرقيب على أمن البلاد والعباد!.
يلخص الرحالة الإيطالى سلوك الانتهازيين والخونة: «البلد الذى رضعوا خيره حتى صلبت عظامهم يقدمون ما فيه مطبوخا جاهزا ليأكله ابن عثمان». ويقول:»في ترحالي الطويل لم أر مدينة مكسورة كما أري الآن، أري القاهرة رجلا معصوب العينين مطروحا فوق ظهره ينتظر قدرا خفيا، وجه القاهرة غريب، أحاديث الناس تغيرت، ووجوههم مريضة توشك علي البكاء.. النساء مذعورة تخشي اغتصابها آخر الليل.. السماء مخيفة..ضباب قادم من بلاد بعيدة.. بيوت المدينة مرعوشة تهفو إلي الأمان.. كثير من الأعيان نقلوا الثمين الغالي إلي أماكن بعيدة مجهولة.. ومن الناس من سكنوا المزارات وفساقي الموت».. ثم سار منادى بنى عثمان أمام موكب الزينى نتن الرائحة، وهو ينادي» يا أهالي القاهرة استكينوا.. استكينوا.. ومن خالف شُنق «، فالطاعون العثمانى اجتاح البلاد بلا شفقة.
لايتوقف الغيطانى طويلا أمام نهاية الخائن، فهو –بطبائع الأحوال- إلى مزبلة التاريخ ونقمة الأجيال لا محالة. لكن جذوة الأمل فى نفوس المصريين لا تنطفئ مهما تتراكم طبقات الرماد، الشيخ أبوالسعود رمز الوطنية والضمير الجمعى والتدين (الحق) يجمع زمرة من الشباب الأحرار للثورة ولمقاومة المستعمر وأذنابه.
***
حضرت الفتنة الكبرى
كتب الإخوان - وأشياعهم من جحافل الانتهازيين والطفيليين- روايتهم على نحو أقل إثارة، وأشد عنفا وإيلاما، جماعة ذقونهم أكبر من أفكارهم.. حاولوا تقليد الزينى بركات، لكنه كان أكثر ذكاء، وكانوا أكثر دموية..!
طيلة عقود مارس مبارك (ابن أبى الجود) ورجاله سحرهم الأسود فربطوا البلد وظلموا ناسه وأفسدوا كل أركانه، حتى فكت عقدته ثورة يناير2011. الثمن كان فادحا، الحرائق لا تنطفئ إلا بخراطيم الدم، أصبح الدم رمزين: الخلاص والخيانة. النُبل والصفقة. الانتماء والفضة. اتضحت جوانب المأساة: ضحى شباب طاهر بحياته ثمنا لحرية الوطن، لكن القادمين من الخلف احتلوا صدارة المشهد، أطلقوا وعودا كاذبة: (نحمل الخير لمصر) فما زادوها إلا رهقا. أيقظوا خلاياهم النائمة، ورشقوا معاولهم فى مفاصل الدولة، كمندوبين عن قوى خارجية؛ تظاهروا بالرغبة فى إصلاح المجتمع والقضاء على الظلم والفساد، ومواجهة بقايا الفلول.. وهم فى الحقيقة ينتزعون بالأخونة تارة، وبالتمكين تارة سلطات الدولة الدينية والمدنية. أتوا برئيس يتماشى مع رغباتهم، تماما مثل عملية النقل السلس لصندوق التروس في أية سيارة حديثة..
(4)
الزينى بركات القديم حاضر فى كل وجه من الوجوه، من الرئيس المعصوم ومحركه الشاطر-وما هو بشاطر- أو بديع أو، أو.. صار القوم أنصاف آلهة، وبليلٍ صنعوا دستورا على مقاسهم؛ تكريسا لدولة الولى الفقيه على النمط الإيرانى، وبغطرسة أنشأوا مليشياتهم (أو لجانهم الشعبية)، ولم يسلم من عنفهم الأزهر أو الكنيسة، أو المحكمة الدستورية، وبصلف اخترقوا الشرطة وحاصروا الإعلام ، وسيطروا على الوزارات والجهات التنفيذية والأمنية والتشريعية، ونشروا أتباعهم فى كل ركن...ظلم الجماعة كنار المجوس، لا تنطفئ أبدا..تنظيم ماسونى عطن وشبكة رهيبة من (البصاصين) اخترقت شرايين المحروسة، على نحو ما أوضح القيادى الإخوانى المنشق ثروت الخرباوى فى كتابه (سر المعبد). إنه نمط (الجاسوسية) نفسه الذى حلم به (الزينى).
استدعى مرسى الإرهابيين من أصقاع الدنيا، هاتف ظواهرى القاعدة ب»يا أمير المؤمنين»، أرادهم حرسا ثوريا يكسر به شوكة القوات المسلحة آخر حصون الدولة المصرية. العطب واصل إلى الدين، حتى المقدس دنسوه، وظفوه ورقة فى لعبة سياسية (قذرة) ..ضجت الخلائق: البلد خربت، قالوا: لا يهم..ولعت، لا يهم..الثورة قادمة إليكم، لا يهم...ما الذى بقى إذن؟..
الجرح طرى، جزّ الشعب العظيم رقبة الخوف، كرر المعجزة فى 30 يونيو ..عزم فتوكل، زلزل الأرض من تحت أقدامهم. أطلق بديع وصبيانه وغلمانه تهديدات نفذها أتباعه بالفعل، وكانت المرة الوحيدة التى صدقوا فيها: إرهاب المصريين والتحريض على البلاد فى الخارج والدعوة إلى احتلالها، ما كل هذه العتمة فى الأرواح؟..الشوارع بلون دماء الشهداء لم تغسلها حتى اليوم دموع هطلت من السماء، لا النحيب ولا الثكالى ولا الآهات قادرة على كبح لجام القتلة من مجزرة رفح الأولى حتى كمين مسطرد..لا الدموع ولا القبور ولا صلوات الجنازة فاعلة فى إطفاء نيران حقدهم على وطن أرادوا بيعه فى سوق النخاسة، فاستفاق قبل إتمام الصفقة، بعدما عرضوه بثمن بخس على الوضيع من الدول والدويلات.. قالها «المرشد» –هل يذكرك هذا اللفظ بشيء- عاكف مدوية:» طظ فى مصر، واللى فى مصر». وهو فى ذلك متبع لا مبتدع، فقد سبقه البنا وسيد قطب بتأكيده أن «ما الوطن إلا صنم أو حفنة من تراب عفن»!
كلهم أشباه ونظائر للزينى بركات ، يدهشك – الأصح يحزنك- أنهم استنسخوا تلك الشخصية الوصولية الانتهازية بطول البلاد وعرضها: زميلا لك فى العمل، أو صديقا لم تدر سريرته، أو مصليا بجوارك فى مسجد، أو مريضا فى عيادة، أو حتى ابنا لك فى المنزل..عن نفسى صُدمت فى كثيرين سقطت عنهم الأقنعة، فى عام التمكين، فإذا وجوه كالحة، وقلوب طافحة بالمرارة، ونفوس أمارة بالسوء: كل حرام حلال فى سبيل السلطة والمصلحة – وكذلك يفعلون- خلايا يقظة أو نائمة لا يهم. المهم ما يقترفون من جرم واسع فى حق الوطن ومواطنيه، يدمرون الاقتصاد ويشلون عجلة الحياة ويوعزون لمليشياتهم بقتل جنود الجيش والشرطة والأبرياء من المصريين، البلد تتقلب على جمرهم وكأنهم ما سمعوا عن حرمة الدم وحرمة استغلال الدين فى تخريب دنيانا وحرمة الفوضى..وحرمة..وحرمة...حرمة الخيانة..!!
وقعت الواقعة، لمس الشعب خيانتهم بالدليل القاطع على منصة «رابعة»، كانوا بانتظار نزول سيدنا جبريل..فخرج أحدهم بالبُشرى إلى الحضور: أن السفن الأمريكية المحمّلة بجنود المارينز تقترب من الشواطئ المصرية..فرح هستيرى جارف..وهلل الجمع: تكبيير ..تكبيييير... لم أصدق ما رأيت على الشاشة، ضربت رأسى فى أقرب جدار، تأكدت أن ما شاهدته حقيقة تماما، كتلك الدماء التى يريقونها بإرهابهم، دماء تتقاطر على الشاشات نكاد نلمسها بأناملنا، تصعد إلى بارئها لاعنة الظالمين الخائنين.
وأخيرا أُزيح الغطاء عن خفاء معتم، وتدبير رجيم لا يتوقف.. خيوط قضية التخابر المتهم فيها الرءوس الكبيرة فى الجماعة، لعدة دول وجهات أجنبية، شرقية وغربية، بوهم الوصول إلى «أستاذية العالم»، بما تتحقق من ورائه أهداف إسرائيل وأمريكا وحماس وإيران وتركيا وقطر وآخرين لا نعلمهم، الله يعلمهم.. الكوميديا السوداء أن الشيخ الدكتور مرسى الذى كان رئيسا يقدم فريق دفاعه شكاوى يجرجر فيها مصر إلى ساحات الجنائية الدولية أو مجلس الأمن، علّه ينفذ ما فشل فيه مرسى..بينما يتكفل الأتباع بقلب كل حجر مستقر فى هذا البلد بالإرهاب والعنف والحرق..لكن الحقيقة أن أبناء الزينى بركات يخوضون معركتهم الأخيرة على أرض الكنانة..!
***
هل بعد خيانة الأوطان ذنب؟!..
نعيد السؤال لا بحثا عن إجابة، إنما تدقيق فى حالة..عندها تصير قدسية الأوطان كجهاد النكاح، طقوس انحراف وثنية، ويصبح دم الشهيد نبيذا أحمر، والاستشهاد في سبيل الله تجارة فاسدة مع الشيطان.. لذا وجب الحذر والانتباه..!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.