ربما لم تطأ قدمك عتبته أبدا .. أوتتعلم كيف تلهث وراءه.. أو تتعلق يوما ببابه.. وربما لا تعرف شيئا عنه إلا مما تطالعه فى صفحات الحوادث،أو تشاهده فى الأفلام والمسلسلات، أو يروى لك من غرائب وحكايات. ولكن من المؤكد أن هناك ملايين غيرك يعرفونه، يمضون جزءا من حياتهم ينتظرونه، وجزءا آخر يستقلونه .. يحفظون عن ظهر قلب خطوط السير وأماكن التجمعات، ويحتفظون معه بأسوأ المواقف والذكريات .. إنه «التابوت الأبيض» الذى ينحشر بداخله الركاب ويطير بهم أعلى الكبارى وأسفل الأنفاق وهو مفتوح الأبواب. صندوق ملىء بالأسرار التى يمكنك أن تكتشفها بسهولة إذا كنت فقط من زبائن «الميكروباصات» .. لذا لم يكن مجديا أن نكتب لكم سطورا من أسئلة نظرية وإجابات مثالية لمسئولين يجلسون فى مكاتبهم يغدون ويروحون دون أن يذوقوا عذاب المواصلات، وإنما كتبنا ملخصا لرحلات ورحلات قمنا بها فى الشوارع والأحياء.. تقمصنا فيها شخصية الراكب .. وراقبنا شخصية السائق .. ووقفنا على أسباب المعارك والمشاجرات ..وشاهدنا كيف يتم كسر القانون بدم بارد والتحايل على المخالفات ...لم يشغلنا ان نحصر الاتهامات فى أحد الأطراف وإنما انشغلنا بطرح القضية من أجل ألا يبقى الحال على ماهو عليه. قد يعتقد البعض أن راكب الميكروباص هو المواطن الفقير الذى لا يقدر على شراء سيارة خاصة ولا يملك ترف التنقل بالتاكسى، ولكن الحقيقة أنك تجد بداخل الميكروباص كل شرائح المجتمع تقريبا وطبقاته الاجتماعية، فطلاب وطالبات الجامعات الخاصة فى مدينة 6 أكتوبر يعتمدون بشكل أساسى عليه فى تنقلاتهم ، برغم أن الآباء يتكبدون آلاف الجنيهات كمصاريف دراسية لأبنائهم، وكانت وجهة نظر فرح المرشدى وهى طالبة تدرس الصيدلة كالآتى: استقلال تاكسى خاص من بيتى بالمريوطية وحتى الجامعة ذهابا وعودة أمر سيكون مكلفا للغاية، كما أنه لا داعى له خاصة أننى أركب بسهولة من الموقف العشوائى المجاور لسكنى، وغالبا أحجز لنفسى مقعدين، حتى لا يضايقنى أحد، ورغم مشاكله الكثيرة إلا أن أهلى يرونه أكثر أمانا من استقلالى «تاكسى» بمفردى خاصة أن معظم الركاب يكونون طلبة وطالبات جامعة مثلى. البعض الآخر يركن سيارته ويركب الميكروباص ليتفادى متاعب القيادة فى بلد نعرف كيف تحولت فيه قيادة السيارات من فن وذوق وأخلاق إلى رحلة ذل وعذاب هذه كانت كلمات أحمدالصوفى الذى يعمل محاميا ويحتاج لكثرة التنقلات من أجل متابعة الجلسات، ويقول ربما أظل أبحث عن مكان لركن سيارتى بالقرب من المحكمة حتى يضيع الوقت!! وهكذا تجد فى الميكروباص المواطن الذى يرتدى جلبابا بلديا وشالا جنبا الى جنب التى ترتدى جينز أو الذى يلبس بدلة ورباطة عنق. الطفل السائق هذا التنوع فى فئات الركاب لا يقابله تنوع كبير فى فئات السائقين، فعلى العكس تشعر أنهم يتقاربون كثيرا فى الهيئة والمظهر والثقافة، والشخصية وطريقة الكلام، حتى أنه بدأت تختفى ظاهرة السائقين «الشيوخ الملتحين» الذى يبدو على ملامحهم الهدوء ويحرصون على بث آيات من القرآن أو أشرطة بها قصص للوعظ،أصبح السائد الآن كذلك انخفاض الشريحة العمرية للسائقين لدرجة أنك تشعر فى كثير من الأحيان باستحالة أن يكون الجالس أمام مقعد القيادة قد بلغ السن القانونية لاستخراج رخصة، فالملامح الطفولية واضحة بقوة رغم قصات الشعر الغريبة ولمسات «الجل» التى تعتبر من طقوس السائقين صغار السن، وكما تراهم كثيرا يقودون الميكروباص فى شارع الهرم، يملأون سياراتهم بدمى الفرو الملونة، والقلوب الحمراء ويكتبون على الزجاج كل ما يخطر ببالك من الأمثال الشعبية وكلمات الغزل وعبارات الغرام، كثيرا ما ركبت شخصيا هذه السيارات البيضاء المتهالكة التى لا تقل أعمارها عن خمسين عاما، لأنها الوسيلة الشائعة للتنقل من محطة للأخرى بشارع الهرم، وعندما جلست على المقعد الخلفى التفت ورائى بحثا عن صوت رهيب ومدو لأغان شعبية ركيكة يظهر بها صوت حاد على خلفية إيقاع قوى بصوت الطبلة، وكانت المفاجأة عندما اكتشفت أن بالخلف وحدة ساوند ضخمة كالتى نراها فى الأفراح والحفلات،ومما أدركته مع الوقت أن مصير أى راكب معترض على قوة الصوت أو نوعية الأغانى ورداءة الكلمات هو الطرد من السيارة فورا وبدون أى نقاش!! فلا يكن أمامك سوى أن تتحمل الصوت الرهيب وتتحمل كذلك حالة الصمم المؤقت التى ستشعر بها بعد نزولك لدقائق... يمرح صبية الميكروباص بسياراتهم المتميزة بباب مفتوح لا يغلق أبدا بطول شارع الهرم بدءا من ميدان الجيزة حتى بداية طريق الاسكندرية الصحراوى وبمجرد أن تتجاوز نفق نصر الدين يستحيل عليك أن ترى أى أكمنة مرورية أو لجان تستوقف أى صبى منهم لتسأله على الأقل: كم عمرك!! الحرية المطلقة التى لا يتهددها ظهور أى رجل مرور بطول شارع الهرم جعلت المشاجرات تتعالى حدتها بين الركاب والسائقين بسبب ما يعرف ب «تقطيع المسافات» فالسائق يسير إلى محطة معينة وبعدها يقف فجأة معلنا أن تكملة الطريق تحتاج أجرا جديدا.. والأجر كما تقول سالمة خليل: ليس معروفا ولا محددا مسبقا وإنما يجب أن نسأل السائق عن الأجر بناء على المحطة التى نود الوصول إليها وطبعا كل هذا مخالف لقانون المرور ومنه أيضا أن ينحشر الركاب أربعة على كل كنبة من الكنبتين الوسطى والخلفية اللتين لا تتسعان إلا لثلاثة بالكاد، مما يتيح الفرصة للتحرش وللتجاوزات المنافية للآداب من قبل المراهقين الذين يترددون على المولات الشهيرة فى الهرم. علقة موت إما ود مفقود أو علاقة مريبة يمكن أن ترصدها بين سائق الميكروباص وبين رجل المرور، وليس خافيا على أحد أن هناك من السائقين من يدس فى يد عسكرى بسيط عدة جنيهات ليمر بأمان، كما أنه ليست ببعيدة تلك الحوادث الرهيبة التى كاد أن يدفع فيها رجال مرور حياتهم ثمنا لإصرارهم على تطبيق القانون على المخالفين فهذا أمين شرطة بمرور القاهرة تعرض فى سبتمبر 2011 لعلقة موت من أحد السائقين عقابا له لأنه أمسك بدفتره ليحرر له مخالفة لأنه يصر على كسر الإشارة وقبلها بعامين تعرض ضابط شاب كل ذنبه أنه اكتشف التراخيص المنتهية لسائق ميكروباص بالدقى فطلب منه النزول من السيارة لسحبها لوحدة المرور لعقاب السائق بأن انطلق بكل قوة غير عابئ بجسد الضابط المتشبث بمقدمة السيارة فأخذ يسحله أمامه عشرات الأمتار !! ربما يظن البعض أن هذه الحوادث ومثلها كثير حدثت بعد حالة الفوضى المجتمعية التى ألمت بالكثير من جوانب الحياة فى مصر بعد ثورة 25 يناير وأضعفت لدرجة هائلة قوة القانون وهيبة رجاله، أو أنها ارتبطت بحالة الاحتقان التى سادت لفترة ضد المؤسسة الشرطية، ولكن الحقيقة أن تاريخ هذه الحوادث يعود لما قبل ثورة يناير بقرابة عامين ومنها ماهو أقدم مما يؤكد أننا يجب أن نبحث عن أسباب أخرى تبرر لنا لماذا توحش سائقو الميكروباص حتى فى مواجهة رجال المرور ولماذا أصبحت الاستعانة بأى إجراء قانونى ضدهم مثار سخرية وعدم اكتراث !؟ بل بالعكس ظهرت بعد يناير نوعية حوادث تحوى عنفا غريبا ومنها حادث اطلاق ملازم اول الرصاص الحى من مسدسه على سائق ميكروباص بسبب الاختلاف حول أسبقية المرور فى منطقة المعادى وهو ماجعل الناس يتعاطفون بشكل غيرمسبوق مع سائق الميكروباص الذى أصيب فى رقبته لدرجة أنهم انهالوا ضربا على الضابط وحطموا سيارته. ضحايا «العفاريت» هل إذا استقللت سيارة أجرة أو قدت سيارتك الخاصة أو ترجلت على قدميك تضمن أن تكون آمنا من «عفاريت الأسفلت» وهو اللقب الذى تداول إعلاميا فى السنوات الأخيرة كوصف مجتمعى لسائقى الميكروباص ؟ الإجابة على السؤال السابق جاءتنا بالنفى فالمهندس زكى عبد الرحيم تعرضت سيارته الحديثة لتلفيات كثيرة بسبب إصرار السائق على التحول المفاجئ من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين بدون إشارة طبعا ولا سابق إنذار، وفى الوقت الذى لا تكاد تتأثر سياراتهم التى تبدو معظم موديلاتها كالصناديق الصلبة فإن السيارات الحديثة لا تحتمل أى «خبطة» وخلال دقائق يكمل محدثنا فوجئت بالسائق وقد استدعى أكثر من عشرة من زملائه وأصدقائه الذين التفوا حولى، فهم يتعاملون مع بعض بمنطق العشيرة أو العصابة وقد ساعدوا بتجمعهم على هروب السائق الذى بدا كفص ملح وذاب، ولكننى أصررت على تحرير محضر ضده وأنتظر أن أرى أى قانون يعيد لى حقى فى تعويض التلفيات !! واقعة مشابهة فى التفاصيل ولكنها تختلف فى النهايات حدثت قبل حوالى أربعة أعوام وكان بطلها الأديب والروائى توفيق عبد الرحمن وكيل وزارة الإعلام الأسبق، والذى تعرض للسب والإهانة أولا من سائق الميكروباص الذى اصطدم بسيارته فى رمضان قبل وقت الإفطار لأنه تجرأ ونزل من سيارته يعاتبه، فلما رأى الإهانة والاستكبار أعلن الرجل الذى قارب السبعين من عمره أنه سيطلب تدخل الشرطة لحسم الموقف، وخلال ثوان كان السائق قد قرر أن يحسم الموقف هو أيضا ولكن بطريقته الشاذة إذ صاح فى الصبى التباع الذى يرافقه بقوة طالبا منه اعتلاء مقعد القيادة ودهس الرجل الذى تشبث بقوة بالمرآة الجانبية ظانا أن لا بشر يجرؤ على أن يمضى عمدا بعجلات سيارته فوق جسد بشر مثله، ولكنه فعلها وبأسرع مما تخيل العجوز الذى تحطمت عظامه ولفظ أنفاسه تحت وطأة الدهس الذى استمر مسافة أمتار، وانطلق التباع هاربا بسيارة بدون لوحات معدنية أو رخص قيادة أو تسيير كما تبين بعدما تم القبض على السائق والتباع، وبالمناسبة حدثت هذه الواقعة فى شارع أحمد عرابى بالمهندسين!! إذا أضفنا إلى ماسبق حوادث الاغتصاب والتحرش التى تمت بواسطة سائقى ميكروباص وبسياراتهم لاستكملنا الإجابة على سؤالنا وعرفنا أنك على أى حال لن تأمن مخاطرالعفاريت وشرورهم. الدولة تخاف !! هل تعنى سطورنا أن سائقى الميكروباصات شياطين ؟؟ هل نغلق فى وجوههم الباب وهل نستبدلهم بقوم غيرهم لا يكونون مثلهم ؟على لسان رجل أمن لم يشأ ذكر اسمه جاءتنا الإجابة الشافية : هيبة الدولة وتطبيق القانون لأن قانون المرور موجود ولكنه «عطلان» ... فالرجل يؤكد أن ما من خطأ بسيط أو جسيم يرتكبه سائق الميكروباص إلا ويدخل تحت طائلة العقاب، بدءا من السير عكس الاتجاه، ومخالفات خط السير، والأجرة المقررة، وحتى مواصفات الأمن والمتانة للسيارة والتى لو طبقت لخرجت سيارات كثيرة تعمل فى شوارع القاهرة منذ أكثر من أربعين عاما خارج الخدمة... أما السائق فهو ليس شيطانا ولكنه فى أحيان كثيرة يكون من فئة المسجلين .. وبالطبع ليس المقصود معاونتهم على البطالة وإنما معاونتهم على أن يصبحوا منضبطين، وهذا الأمر يستلزم عمل دورات تدريبية لهم، واستبعاد المتعاطين مواد مخدرة منهم، وتحفيزهم على عدم مخالفة القانون، ورفع المستوى المادى لأمين الشرطة حتى لا يمد يده، فهو جزء من المنظومة .. والأهم أن تتخلى الدولة عن خوفها تجاه فئة السائقين الذين يلوحون كثيرا بعصا الإضرابات الفئوية وتعطيل مصالح الناس .. السائقون يعترفون ياترى ماذا كانت حججهم وأى أعذار سيقولونها ؟ سألت نفسى هذا السؤال قبل أن أبدأ فى إجراء دردشات تبدو عفوية مع بعض السائقين .. فوجدت أن لديهم مبرراتهم التى تستحق أيضا أن ندرسها حتى لو لم نقتنع بها قال أشرف:أسهل شىء على الناس اتهامنا بسوء السلوك وتعاطى المخدرات، فأما سوء السلوك فنحن لا نهين راكبا يحترم نفسه، ولكننا نفاجأ بتطاول من الراكب: «لأنه وجد كرسيا مش عاجبه أو لأنه عاوزنى أقف له فجأة وفى حتة ممنوع الوقوف، واحنا بنريح دماغنا ونقف للزبون عشان ينزل بس بعدين نتهم بأننا بنمشى غلط ونعطل الطريق!» ويضيف: «اعملوا لنا محطات عشان ترحمونا من إمارة الركاب اللى كل خطوة عاوزنا نقف، أما التعاطى والمخدرات ففى دلوقتى فحوص وتحاليل واللى يثبت عليه الإدمان امنعوه من السواقة لحد ما يتعالج لكن حرام اتهام العاطل بالباطل» قال سعيد: «احنا ما بنستغلش الناس ولا حاجة فى الأجرة.. كل حاجة بتغلى واحنا بندفع كارتة وكمان بندفع للى واقفين فى المواقف التانية عشان نحمل الركاب.. وفى النهاية العربيات مش ملكنا ولا بتاعتنا وفى الآخر عندنا مصاريف وعيال، وكمان ماتنسوش أننا «أرزقية» يعنى لو يوم الواحد تعب ماحدش بيديله حاجة، ولا عندنا تأمين ولا رعاية صحية ولا حاجة». أسامة ذو الملامح الطفولية اعترف بأنه يقود ميكروباص دون رخصة قائلا »أنا باساعد أبويا فى الوردية .. وبعدين باسوق زى الفل والرخصة عاوزة وقت ومصاريف واحنا كده كده بندفع ونراضى طول ما احنا ماشيين ودى حاجة معروفة فى البلد». والآن وبعد أن سمعنا من كل الأطراف يجب أن نخرج من الحلقة المفرغة لتحديد الأدوار: إما جان أومجنى عليه، فالحقيقة أن الكل مدان بصورة أو بأخرى والكل مشارك فى الفساد والإفساد حتى ولوكان بالصمت أو الخوف أو تكبير الدماغ، والحل يا سادة لا يمكن أن يخرج أبدا عن «القانون» فلنعده سيفا مسلطا على رقاب لكل شرطة ودولة وسائقين وركابا ومواطنين ..إلا سنظل طوا عمرنا نعانى من أذى العفاريت ؟؟