تركيا الآن تتساءل ما الذي يحدث بها, فبعد أن كان يشار لها بالبنان كقوة حداثة وجسر تطلع إلي أنصار الشرق مع الغرب أصبحت عنوان قلاقل واحتجاجات, ليس ذلك فحسب بل باتت تنحو وبإصرار نحو انغلاق وتعسف والأخطر ديتكاتورية لم تألفها في أشد عصورها انحطاطا, والحاصل من فضائح فساد هل هو بفعل الخارج السادي الذي لا يريد الخير لوريثة الامبراطورية العثمانية, وبالتالي تحاك ضدها وبعناية المؤامرة الذي يتحدث عنها أردوغان ليلا ونهارا دون ملل وفي نفس الوقت بلا سند يوثق ادعاءاته؟ وأن لم يكن كذلك وهذا هو الأرجح إذن فهو نتاج فضاء الأناضول ولكن من صنعه هل هم سكانه, أم القائمون علي صناعة القرار ويحكمونه منذ نوفمبر2002 ومازالوا يأملون البقاء حتي الميلاد المئوي للجمهورية الكمالية بعد أقل من عقد. كثيرون وفقا لاستطلاعات رأي, إستبعدوا إجندات الخارج, وفي المقابل حملوا الاستبداد الاردوغاني كل أزمات البلاد وفي مقدمتها زلزال خراب الذمم, والذي ضرب الدولة بأسرها في السابع عشر من ديسمبر الفائت, ثم جاءت المواجهة البوليسية مفرزة معالجات سلطوية لم تتوقف كما يفترض أن يحدث عند الداء العضال الذي نخر كالسوس في مؤسسات سيادية, بل الذين فجروه, أن لم يكن صنعوه رجال شرطة طبقا لما ذهب, وأصر, عليه زعيم العدالة والتنمية الحاكم, زاد عليهم هؤلاء الذين تصدوا بحكم وظيفتهم ممثلي الإدعاء باستجواب من وجهت لهم اتهامات محددة. أذن هي مرحلة صعبة ليس هناك في الأفق ما يشير إلي أنها ستشهد انفراجة, فحصار القضاة مستمرا وأيام ويناقش البرلمان مشروع قانون مثير للجدل بمنح وزير العدل الكلمة الفصل في تعييناتهم هم ونوابهم ورجال النيابة, وهو ما يعني إبعاد من لا ترضي عنه الحكومة وقد صاروا كثيرا, وكان طبيعيا أن تثور المعارضة بأطيافها العقائدية والأيديولوجية المختلفة مؤكدة أن ما أتخذ وسيتخذ لا تفسير له سوي خنق التحقيقات في قضايا الفساد التي لطخت قمة السلطة التنفيذية, ودليلها علي ذلك أنه بعد قيام المدعي العام بإصدار قرار بضبط وإحضار نجم الدين بلال نجل رئيس الوزراء للمثول أمام قاضي التحقيق, تم تعديل الأمر ليصبح استدعاء الشاب للشهادة فقط, ومن العجائب الاردوغانية أن الرجل وفي لقاء جماهيري صرخ معلنا لو ثبت أن أحد ابنائي متورط في أي قضية سأتبرا منه فورا, غير أن السؤال كيف سيثبت عليه أي شيء وهو لم يحقق معه أصلا؟ أليست تلك سخرية. ولأنه يعي تماما بشاعة القيود التي ستفرض عليه وتأثيرها الفادح علي ميزان العدالة, أكد المجلس الأعلي, إحدي أبرز المؤسسات القضائية أن الخطوة الحكومية هدفها الوحيد المساس باستقلاليته وهدم دولة القانون, المثير أن وزير الشئون الاوروبية التركي مولود شاوش اوغلو أعرب عن امله في ألا يتسبب الاصلاح القضائي في حدوث ازمة خطيرة مع الاتحاد الاوروبي وتلك جدلية آخري تضيف هما ما بعده هم لهموم مؤجلة. فبالكاد استأنفت تركيا, المرشحة للانضمام الي الاسرة الاوروبية منذ العام1999, المحادثات مع الاتحاد في نوفمبر الماضي بعد سنوات من الجمود والتوتر, لكن المفاوضات التي بدأت في2005, تبدو العملية الأبطأ التي يجريها الكيان الأوروبي مع بلد راغب بأن يكون جزءا منه. ومن الفصول ال35 التي يتعين بحثها من أجل التأهل تم فتح اربعة عشر منها, ولم ينجز منها إلا فصل واحد. وفي محاولة من محاولاتها الدوؤبة للوصول إلي إنجاز كبير بهذا الشأن قبلت أنقرة نهاية العام المنصرم أن توقع اتفاقا للحد من عمليات عبور عشرات آلاف من المهاجرين غير الشرعيين باتجاه أوروبا الناهضة دوما والتي تزايدت مع الاضطرابات التي شهدتها وتشهدها دول الشرق الأوسط المجاورة للاناضول. وذلك استعدادا للقاء القمة في بروكسل والتي تختتم اليوم والظفر بنتائج من شأنها دفع علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي نحو الأمام, ولا بأس لو تم غض البصر عن مثالب الحزب الحاكم بالداخل الأناضولي والموافقة علي فتح فصول جديدة في مارثون نيل مقعد طال انتظاره في القارة العجوز, ولكن هيهات. فالاتحاد عاد محذرا السلطات التركية مطالبا إياها بتحقيق شفاف ومحايد في الفساد وتداعياته مشددا علي أن حركة الإقالات في جهاز الشرطة ستؤثر حتما علي نزاهة التحقيق, وذكر المفوض الأوروبي ستيفان فولي تركيا مرارا في الأسابيع الأخيرة بواجباتها وعرض مشروع مراجعة النظام القضائي علي الاتحاد وفي حال عدم ذلك فكل الخيارات مفتوحة في إشارة ليس فقط وقف التباحث بل إعادة النظر في العضوية التي يبدو أنها لن تأتي طالما ظل العدالة والتنمية متصدرا المشهد السياسي التركي. ورغم ان وزير الخارجية أحمد داود أوغلو أعلن استعداد بلاده لسماع تحفظات الاتحاد, لكنه حذر من اتخاذ موقف تمييزي, مخاطبا إياه بسرعة التفاوض في أقرب وقت ممكن متعهدا بعدم التراجع أبدا عن المعايير الديمقراطية. ولكن الوزير لم يذكر كيف ؟ وهناك شروع لحكومته بإعطاء الصلاحية الكاملة لهيئة تنظيم الاتصالات السلكية واللاسلكية التابعة لها بحجب محتويات علي شبكة المعلومات الدولية, وكلها أمور لا تتسق أبدا مع ما وعد أوغلو بالتمسك والالتزام به. وما يدعو للغرابة والدهشة أن اردوغان يريد إقناع مخاطبيه الأوروبيين برؤيته للأزمة التي يواجهها بوصفها مؤامرة ضد الحكومة والحصول علي دعمهم, هذا ما صرح به سنان أولغن الذي يدير مركز الدراسات الاقتصادية والسياسية الخارجية في إسطنبول, والذي اعرب عن شكوكه في إمكانية حدوث ذلك. وهكذا تبق الاوضاع علي ما هي عليه ولتتواصل نهاية كل أسبوع إطلاق خراطيم المياه ومعها الغازات المسيلة للدموع ضد المعترضين في أنقرة واسطنبول وأزمير الرافضين لكل الخطوات التي تسلب حريتهم.