أخشي ما أخشاه تبرير ما حدث لدول الربيع العربي من نكوص وخيبات بأنه مرحلة انتقالية نحو الأفضل, حيث يحلو لكثير من النخب الثقافية التشبيه والقول إن الثورة الفرنسية لم تأت بثمارها إلا بعد مرور أكثر من نصف قرن علي قيامها وأن ما يجري الآن لا يعدو كونه تحولا طبيعيا في حركة التاريخ وأن علي هذه المجتمعات أن تدفع ضريبة تحولها للخلاص من الاستبداد ونيل حريتها!. من حيث الشكل قد يبدو الرأي مقنعا ولكن من ناحية المقارنة الضمنية وبعيدا عن عاملي الزمان والمكان هناك ثمة فارق كبير بين التجربتين, فالأولي قادتها طبقة برجوازية مثقفة تشكلت عبر مسار تاريخي أسس لتحولات فكرية واجتماعية فارقة بدأت مع حركة الإصلاح الديني وثورة العقل والأنوار في وجه الملكيات الاقطاعية ومحاكم التفتيش الدينية, وكان فولتير أحد أعمدة التنوير الأوروبي يوصف بأنه ملهم الثورة الفرنسية وعلي الرغم من هذا التراكم المعرفي فقد استلزمت عملية فصل الدين عن الدولة116 عاما بقرار من الجمهورية الثالثة عام1905, أما في التجربة الثانية فقد أثبتت الجماهير العربية تمسكا بالحريات والكرامة واستعدادا للتضحية لأجلهما ولكنها إرادة نبيلة لم تجد نخبا تحملها لأجلها ولا مجتمعات تتشكل حولها وتربط بها وجودها وأهدافها فتحول الربيع العربي إلي تنافس انتخابي يعمل لمصلحة الأكثر تنظيما والأكثر نفوذا وتأثيرا وأجهضت التطلعات الجديدة بفعل خطاب ديني ونخب راسخة متمرسة في المناورة والإفشال, فالاعتقاد بأن الديمقراطية علي أهميتها ستحل المشكلات المزمنة والبنيوية هو اعتقاد مالم يتم إعادة النظر في مكوناتها المجتمعية وانغلاقاتها النصية والفكرية فحينها يمكن لها الانطلاق من خندق الخصوصية القائم علي احتكار الحقيقة إلي نهج التشارك المعرفي ونسبية الحقيقة. وبغير ذلك فإننا أمام نكوص حضاري مدمر, ولدينا نماذج رئيسية شكلت المعيارية والمثال لكثير من التجارب التي أوصلت الإسلام الحركي للحكم وهي إن اختلفت في الأسلوب والنهج فإنها تجتمع حول هدف إعادة الخلافة! بعد ما أجهزت الأتاتوركية العلمانية. عليها عام1924 حيث تشكلت في هذا السياق جماعة الإخوان المسلمين عام1928 كرد مباشر علي إسقاط الخلافة وحضور العلمانية! والإخوان يمثلون بالمنظور الفكري الجماعة الأم لمعظم القوي والتيارات الإسلامية المعارضة التي تؤمن في صميم خطابها الإيديولوجي بأن الإسلام دين ودولة ومصحف وسيف! ولذلك ليس مستغربا أن تكون الديمقراطية في بعدها المعرفي وحذوها الفلسفي أولي ضحايا هذا الفكر الثيوقراطي( أي حكم الآلهة أو ما يطلق عليها الدولة الدينية) الذي لا يعترف بالآخر وإن حدث واعترف به فمن باب الضرورة السياسية لا الاعتقادية. ومن الضروري هنا الإشارة إلي رأي الشاعر والفيلسوف الهندي محمد إقبال في فكرة الجماعة ومحاولاتها إحياء الخلافة ففي كتابه( تجديد الفكر الديني في الإسلام) يؤكد أن الجماعة التي يسودها التنظيم الزائد يتلاشي فيها الفرد من الوجود تلاشيا تماما حيث يجني ما حوله من تفكير اجتماعي, ولكنه يفقد روحه هو وأن تقديس التاريخ وإعادة إحيائه المصطنع ليس علاجا ناجعا للشعوب المتخلفة! فالآلية الفعالة لمقاومة التخلف هي ترسيخ الشعور بالذاتية الفردية حيث تتبلور قدرة الفرد, وبالتالي المجتمع علي الخلق والإبداع, وأثبت التاريخ صحة رؤية هذا المفكر العظيم فمعظم تجارب الإسلامي السياسي تأخذنا إلي الدول الفاشلة من أفغانستان إلي الصومال واليمن وباكستان وإلي جماعات السلفية الجهادية في سوريا( وليست الثورة السلمية للشعب السوري ضد الديكتاتورية المقيتة لعائلة الأسد), ولكن يجب التوقف عند النموذجين اللذين يشكلان المعيار والمثال لشكل الدولة الإسلامية المبتغاة من جانب التيارات الإسلامية التي شاركت أو استفادت من أجواء الحراك العربي وهما إيرانوتركيا, فقد شكلت الثورة الإسلامية في إيران نموذجا ومثالا يراهن علي إمكان قيام دولة إسلامية, الأمر الذي حفز قوي الإسلام السياسي للسعي نحو إقامة دول ولاحقا إمارات تكون نواة للوصول إلي دولة الخلافة. وقد كان الإخوان من أشد المتحمسين للتجربة الإيرانية وهو ما يفسر وصف الربيع العربي من جانب إيران بالصحوة الإسلامية! ومبادراتها لدعمه وتأييده لكن موقفها المؤيد للنظام السوري أعاد حشرها في الخصوصية الشيوعية وهو ما فتح المجال أمام إخوان العدالة والتنمية في تركيا لركوب موجة الربيع العربي وتحديدا بعد سقوط القذافي حين شبه أردوغان سقوط طرابلس بفتح مكة! وكانت هذه العبارة بكل ما تحمله من رمزية تدل علي المنحي المضمر والتوجه المغلف بغلاف الحرية والديمقراطية! لقد كان بالإمكان بالسياسة البرجماتية التي انتهجتها حكومة أردوغان أن تستمر تنصح لو أن إخوان مصر استمعوا لنصائح أردوغان حين طالبهم بالدفاع عن العلمانية لكن تسرعهم في فرض رؤيتهم علي الدولة والمجتمع هو ما دفع غالبية الشعب المصري في30 يونيو لاسقاط مشروعهم. أما الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه حكومة أنقرة وأدي للكشف عن وجهها الحقيقي فكان في تدخلها السافر في الشأن الداخلي المصري ورفضها عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي. بهذا المسار الذي خطط له العثمانيون الجدد ورهانهم علي إحياء خلافة إسلامية تقودها السلطنة المنشودة( تاج الربيع العربي) برأي أوغلو وزير خارجية تركيا تسقط ورقة الديمقراطية بمفهومها المعرفي والحداثي, والتي اختبأت وراءها حكومة العدالة وهنا يتضح أن النموذجين اللذين شكلا المثال التركي والإيراني وما بينهما من تجارب للإسلام السياسي ليست لديها القدرة بالمعني الفكري والحضاري علي بناء دولة تقوم علي قيم المواطنة واحترام مبادئ حقوق الإنسان العالمي وما لم يتبن الإسلام السياسي والدعوي هذه القيم والمبادئ( التي هي ليست في صلب إيديولوجيته) فإننا سنظل محكومين بالفشل. د.عماد إسماعيل