تغدي بخصومه قبل أن يتعشوا به هكذا وصف أتيم قرنق القيادي بالحركة الشعبية قرارات سلفاكير ميارديت رئيس دولة جنوب السودان مؤخرا بإقالة نائبه الدكتور رياك مشار وإقالة حكومته ووضع الأمين العام للحركة باقان أموم قيد الإقامة الجبرية والتحقيق معه بتهم الفساد, وقد جاءت هذه القرارات عقب الإحتفالات بالذكري الثانية لإستقلال الجنوب, لتطرح العديد من التساؤلات حول ردود الأفعال المتوقعة بشأنها, وحول مصير الحركة وهي الحزب الحاكم بالجنوب, ومدي إمكانية بقائها موحدة, بل وحول مستقبل الجنوب كله علي ضوء هذا الصراع السياسي الذي أخذ منحي تصاعديا خطيرا. وقد فوجيء كثيرون بقرارات سلفاكير الأخيرة رغم أنه قد اتخذ قبلها عدة قرارات تصعيدية تجاه حزمة كبيرة ومتنوعة من خصومه, فإما أن يكون قد أطاح بقراراته هذه بهم جميعا معا ورسخ لنفوذه السياسي كحاكم قوي للجنوب, أو أن يكون قد فتح لنفسه حربا متعددة الجبهات جمع بها خصومه المختلفين علي صعيد واحد ليزلزلوا سلطته. فقبل أيام من القرارات الأخيرة أقال حليفه السابق تعبان دينق والي ولاية الوحدة, كما أحال الوزيرين دينق ألور وكوستا مانيبي إلي التحقيق بتهم الفساد, وهو مااعتبرها باقان أموم ذات دوافع سياسية لأنهما يرفضان إعادة ترشيحه للرئاسة, ثم مالبث أموم نفسه أن لحق بهما علي ذات المضمار بعد تصريحات مقلقة حول فشل دولة الجنوب, مع وجود نية لديه علي مايبدو للترشح للرئاسة, أما الخلاف مع نائبه مشار فهو صراع خفي منذ سنوات, لكنه بدأ يطفو علي السطح مع قرب موعد الإنتخابات عام2015 وإعلان الأخير نيته الترشح فيها, وكان سلفاكير قد أصدر قرارا جرد بموجبه مشار من صلاحياته التنفيذية قبل أشهر. ولايبدو أن الصراع قد حسم تماما, فسلفاكير رغم مايتمتع به من خبرة إستخباراتية وعسكرية ونفوذ قوي في الجيش ومعه مؤسسات الدولة وقطاعات قبلية واسعة في أكبر فروع قبيلة الدينكا والتحالفات التي يسعي لتكوينها مع قيادات أخري مؤثرة في قبيلة النوير لضرب مشار وفي غيرها أيضا, وما قد يقدم عليه من حل القضايا الخلافية مع السودان الشمالي, وخاصة مايتعلق بقضية البترول لإستمرار ضخه, إلا أن خصومه لايستهان بهم وهم قيادات لها تاريخ وجماهير وولاءات أيضا قبلية وخبرات سياسية وعسكرية كبيرة. وفي حال عدم التوصل إلي تفاهمات بين هذه القيادات, فإن الصراع بينها قد يكون عملا إنتحاريا مدمرا للطرفين معا, بل وللجنوب كله, إذا ما أضيف لصراعات أخري موجودة بالفعل مع ميليشيات مسلحة وغيرها, حيث يتداخل في مثل هذا الصراع العوامل العسكرية والسياسية والقبلية. والمؤكد أن الفشل الذي تعانيه دولة الجنوب هو أمر مرير بالنسبة لمواطنيها الذين فروا من الدولة الأم السودان طلبا للحرية والعدالة والعيش الكريم وهربا من التهميش والمظالم والصراعات والفساد, فإذا بهم أمام دولة تعيد إنتاج ماهربوا منه, وهو الأمر الذي دفع الجهات الدولية المتعاطفة مع دولة الجنوب إلي الإعلان عن ذلك صراحة أكثر من مرة. ولكن هذا الفشل له أسباب عديدة موضوعية, وهو لايتوقف فقط علي أي من القيادات الجنوبية بمفردها, وكل منها الآن يسعي لتحميل الآخر المسئولية عنه, وقد ساهم كل منها بقدر في هذا الفشل, كما يتحمل المجتمع الدولي جزءا كبيرا منه بالتخلي عن مسئولياته تجاه الدولة الوليدة وعدم الوفاء بتعهداته حيالها في مؤتمرات المانحين وعدم مساهمته بالقدر الكافي في تأهيل الجيش والشرطة وبناء القدرات والبني التحتية, واكتفي المجتمع الدولي فقط بدوره في الإشراف علي التقسيم والإنفصال المتعجل حتي قبل حل القضايا العالقة, كما لعبت علاقة جوبا بالخرطوم دورا كبيرا في تأزيم الوضع في الجنوب, وأجج شح الموارد في الجنوب بعد وقف تصدير البترول الإحتجاجات والسخط, وإن كان العامل الداخلي ممثلا في الفساد والعجز عن إدارة الدولة وإطلاق مصالحة واسعة هو الأمر الأساسي.