في طفولتي شاعت حكاية تندر بها الناس عن الريفي, ولا مؤاخذة, الذي اشتري الترام إعجابا به, ولم يدر أن البائع احتال عليه مستغلا طيبته وسذاجته, التي لم يدرك بسببها أن الترام لا يشتري, ومنذ ذلك الحين, أو لعل قبلها, أصبح تلميح اشتري الترام و باع له الترام مختصر الدلالة علي ساذج يتم النصب عليه في أي تعامل مادي أو معنوي; خاصة في مجالات تسويق الأفكار والمبادئ بالكذب والخداع. تميز ترام رقم3, المنطلق من نهاية شارع العباسية بفرعيه طريق الفجالة وطريق العتبة, فكانت عرباته الأكثر أناقة في الشكل والنظافة, لكن ترام22, المتوجه إلي ميدان السيدة زينب, كان يفوقه في خفة الظل, التي لم يحرم منها ترام3 علي كل حال, و كانت تتجلي عندما يصعد راكب متسائلا في اهتمام ده طريق العتبة ولا الفجالة؟ ثم يجلس من دون إجابة كأنها لا تعنيه! كانت عربات ترام22 المفتوحة من الجانبين بعرض أرائكه, و تأرجحها الذي كان يخيفني وأنا طفلة متوقعة الاندلاق منها في أي دوران, تعطي الفرصة للاستماع إلي الكثير المطروح من الركاب المتبرعين بالإفتاء في كل شئ; من أول الوصفات الطبية لعلاج شتي الأمراض الخفيفة و المزمنة والمستعصية, رافعين شعار اسأل مجرب ولا تسأل طبيب, إلي الحيل القانونية المؤدية إلي كسب القضايا والدعاوي المرفوعة منك أو عليك, مرورا طبعا بالنصائح الخاصة بالخلافات بين الأزواج والأبناء والأقارب والجيران, وما يخطر وما لا يخطر علي البال من الآراء, التي لا يمنعها رقيب, في السياسة والساسة والزعماء, التي كان يفوز في أغلبها النحاس باشا, وإن طالت الألسنة ذكر زوجته السيدة زينب الوكيل ورددت ما اشتهر عنها من تسلطها علي إرادة زوجها الزعيم الجليل مستشعرين الشفقة عليه من كيد النساء! لم يختلف مجلس فتاوي ترام22 عن مجالس فتاوي مجموعات أبو العريف, التي صارت تبثها القنوات الفضائية في أيامنا المعاصرة, سوي افتقاد خفة الظل التي تميز بها مجلس فتاوي ترام.22