يقدم وصفات لكافة التخصصات عبر "التواصل " . ..نقابة الأطباء تشطب طبيب التخدير ضياء العوضي من سجلاتها وتسقط عضويته    شعبة النقل الدولي: تراجع كبير فى إيرادات قناة السويس بسبب تحويل مسارات السفن    عمر الدماطي: تجربة والدي جعلتني أدرك أن كل شيء في الدنيا قد يزول في لحظة    رئيس أوكرانيا: أرسلنا خبراء دفاع جوي إلى قطر والسعودية والإمارات    دوناروما: متعطشون للفوز أمام ريال مدريد.. وأتعلم الكثير من كورتوا    الاتحاد الإيراني لكرة القدم: الظروف الحالية قد تمنعنا من اللعب في كأس العالم 2026    سوسن بدر: لا أندم على أي دور والتجارب الفاشلة جزء من رحلة كل فنان    هاشم: تعظيم الاستفادة من الأصول وتشغيل الطاقات غير المستغلة    «البدوي»: الشهداء ضحوا بأرواحهم لتبقى مصر عزيزة مستقرة    مصر تتمسك بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة الذرية فى الشرق الأوسط    بطريرك السريان الكاثوليك يندد باستشهاد الأب بيار الراعي في جنوب لبنان    وزارة الأوقاف تعلن تخصيص 6626 ساحة لصلاة عيد الفطر المبارك    إنقاذ قطة محتجزة أعلى كوبري حسب الله الكفراوي    «الداخلية» تكشف حقيقة فيديو التعدي على مواطن أمام مركز شرطة مشتول    «إياتا»: الشحن الجوي درع الاقتصاد العالمي في مواجهة عواصف السياسات التجارية    التراث السيناوى فى ختام ملتقى الطور للإنشاد    دينا ل رامز جلال: " تزوجت 9 مرات ومي عمر مبتعرفش ترقص"    «مركز الأزهر للفتوى» يوضح فضل صلاة التهجد ووقتها الصحيح    وزير البترول يتابع مع توتال إنرجيز الفرنسية مشروع ربط حقل كرونوس القبرصي بمصر    صحة بني سويف تنفذ تدريبًا لرفع كفاءة فرق سلامة المرضى بوحدات الاعتماد    مسلسل بيبو الحلقة 6.. خلاف قديم مع الأب يعود للواجهة بين خليفة وبيبو    "سانا": الاحتلال الإسرائيلي يتوغل في ريف درعا الغربي    عارفة عبد الرسول: ريهام حجاج كلمتني وأشادت بمسلسل حكاية نرجس    برشلونة يفتتح المدرج الشمالي في كامب نو ويجهز لليفاندوفسكي أمام نيوكاسل    إفطار جماعى لذوى الهمم من أعضاء مراكز التخاطب وتنمية المهارات بالأقصر    تشكيل ليفربول - صلاح أساسي.. و5 تبديلات في مواجهة جالاتاسراي    لندن تطلب تحقيقا في استشهاد 5 فلسطينيين على يد مستوطنين الأسبوع الماضي    رئيس جامعة العاصمة: تقليل أعداد المقبولين بكليات التجارة والحقوق ل35% خلال العامين الماضيين    علي جمعة: حفظ الإسلام اعتمد على القرآن والسنة بوصفهما الحجة الأساسية في الدين    علي كلاي يتصدر محركات البحث بعد قتل زوجته.. والجمهور: "نكدت علينا يا عوضي"    بوتين يدعو لخفض التصعيد.. وواشنطن: روسيا نفت تزويد إيران بمعلومات استخباراتية    بيت الزكاة والصدقات يقدم 3 آلاف وجبة سحور للمعتكفين بالجامع الأزهر    محافظ المنوفية يتقدم جنازة الشهيد العميد أحمد سمير بمسقط رأسه بقرية شنشور    عالم أزهري: سورة الروم من المبشرات في المقدمات    أوقاف الشرقية تجهيز 419 مسجدا للاعتكاف و776 لصلاة التهجد    مستشفى سعاد كفافي الجامعي تحصل على الاعتماد المؤسسي من المجلس العربي للاختصاصات الصحية    اختتام فعاليات الدورة الرمضانية لأسرة «طلاب من أجل مصر» بجامعة عين شمس    كشف ملابسات فيديو تكسير قفل أحد المخازن والتعدي على سيدة بمحافظة المنيا    تجديد الثقة فى محمد عامر رئيسا للإدارة المركزية للمنشآت الفندقية والمحال السياحية    وكيل الصحة بالدقهلية يشارك في افتتاح الدورة الرمضانية للمستشفيات النفسية    شركات المحمول تطالب بتحريك أسعار خدمات الاتصالات    الرئيس السيسي يصدر 3 قرارات هامة: وتعيينات في النيابة العامة ومجلس الدولة    رئيس جامعة بني سويف يتفقد مبنى الاختبارات الإلكترونية بشرق النيل    إطلاق مبادرة «لحياة متوازنة» للكشف المبكر عن قصور الغدة الدرقية ببورسعيد| صور    ليفاندوفسكي يفتح الباب أمام جميع الاحتمالات بشأن مستقبله مع برشلونة    محافظ بورسعيد يحيل مدير مركز خدمة المواطنين بالضواحي للتحقيق    "وفا": ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72،134 والإصابات إلى 171،828 منذ بدء العدوان    «الصحة» تقدم 368 ألف خدمة طبية مجانية عبر 241 قافلة علاجية خلال يناير    تركيا.. زلزال بقوة 4.1 درجة قبالة خليج أنطاليا    الطقس غدا.. ارتفاع درجات الحرارة وشبورة والصغري بالقاهرة 13 درجة    رسمياً.. "التنظيم والإدارة" يتيح نتائج تظلمات وظائف تعاونيات البناء والإسكان    رئيس المجلس الأوروبي: لا يمكن تحقيق الحرية عن طريق القنابل    المفوضية الأوروبية: رصد 200 مليون يورو لدعم الابتكار في الطاقة النووية    زلزال ال350 مليون جنيه.. سقوط أباطرة الكيف والسلاح وغسل الأموال    وزير الرياضة يستقبل مجلس إدارة الاتحاد المصري للإسكواش    فتح مكة.. فن التسامح    تجديد حبس سائق اعتدى على راكب بسبب الأجرة في القاهرة    مادلين طبر توجه رسالة قوية ل شيرين عبدالوهاب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصر وهموم الدولة المدنية وشجون الديمقراطية‏(3‏ 3)‏
أوهام الديمقراطية ودولة المؤسسات‏..‏ وخداع خزعبلات البقرة الضاحكة
نشر في الأهرام اليومي يوم 15 - 10 - 2011

عندما اندلعت ثورة الطلبة في فبراير‏1968‏ تطالب بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير كان كامل الأرض المصرية في سيناء محتلا وكانت عصابات الكيان الصهيوني المسلحة تربض علي الضفة الشرقية لقناة السويس. وكانت مصر في حالة استنفار للحرب لاستعادة الأرض واستعادة الكرامة والشرف وكان الشعار الذي يظلل السماء المصرية يختزل كافة الجهود والامكانيات في حقيقة واحدة تقول انه لاصوت يعلو فوق صوت المعركة وعلي الرغم من كل هذه الظروف الصعبة المعقدة فإن ثورة الطلبة فرضت علي مسرح الأحداث السياسي قضايا الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير باعتبارها بوابة البناء الحقيقي للدولة وللأمة والشعب وكان ذلك يعني بدرجة عالية من الوضوح والشفافية أن الجماهير العريضة الحاشدة التي رفضت تنحي عبد الناصر في يونيو1967 بعد الهزيمة الأليمة الجارحة لكبرياء مصر وشموخها قد أعادته للحكم وفقا لمشروطيات سياسية جديدة لاتعترف بتفويض ارادة الأمة للحاكم الفرد مهما كانت درجة يقينها حول نزاهته وصدقه وأن ضمان سلامة الوطن والحرص علي أمنه الوطني ومصالحه الوطنية العليا لايرتبط برؤية شخص واحد يجلس علي كرسي الفرعون ولكنه يرتبط بالإرادة الشعبية ودورها الفاعل في الحياة السياسيةوهو مايعني أن التفويض المفتوح للحاكم بالحكم قد انتهي زمنه وولي وأن الشعب الذي يملك سلطة إعادة الرئيس لمنصبه يملك سلطة عزله وتولية غيره. بالإرادة الشعبية المنفردة.
وجاء بيان30 مارس الذي أعلنه جمال عبدالناصر متحدثا فيه عن الحريات العامة ومعترفا فيه بحق الشعب في التعبير عن رأيه وبحق الطلبة في التعبير عن هموم وطنهم والمشاركة في شجونه وشئونه وماتلاه من إجراءات لتخفيف قبضة الأمن السياسي علي الحياة العامة للمصريين وتفعيل الحراك السياسي والتعددية داخل الاتحاد الاشتراكي العربي التنظيم السياسي الأوحد الشرعي بمثابة بداية طريق جديد للإصلاح السياسي خاصة أن عبدالناصر في خطابه للأمة حول بيان30 مارس قد اعترف ولأول مرة بعجز الحكم المطلق وعجز الحاكم المطلق عن مواجهة جميع المشكلات وعن حل جميع المشكلات باعترافه بأنه لايملك ازرارا يستطيع الضغط عليها لتوجيه مسار الأحداث ومواجهة المشكلات المتراكمة ولكن ذلك اعتبر من قبل الطلبة والشعب بمثابة اعترافات مبدئية تستوجب اجراءات عملية واسعة النطاق علي أرض الواقع الفعلي لضمان المشاركة الحقيقية للإرادة الشعبية في ادارة شئون الحكم واقامة دولة المؤسسات واحترام حقوق المواطن وفي مقدمتها حقوق الرأي والتعبير خارج منظومة التنظيم السياسي الواحد.
صراع مراكز القوي والثورة الشعبية الصامتة
وعلي الرغم من الحشود المليونية التي خرجت لتشييع عبدالناصر الي مثواه الأخير في سبتمبر1970 إلا أن ذلك كان بالدرجة الاولي تعبيرا إنسانيا ورمزيا لأول حاكم من عامة الشعب يجلس علي مقعد رئاسة الدولة المصرية منذ سقوط حكم الفراعنة ولا يمكن علي الإطلاق أن تفهم مشاعر وأحاسيس هذه الحشود المليونية في المقابل علي أنها تظاهرة تأييد شعبية ضخمة لمؤازرة نظام للحكم يرتكز علي مفهوم الحكم الشمولي ولأشخاص يتولون مقاليد الأمور من بعده باعتبار أن هذا النظام وهؤلاء الأشخاص يتحملون من وجهة النظر الشعبية المسئولية الكاملة عن كارثة يونيو67 وهي الكارثة التي يستحيل أن يتسامح الشعب أو يغفر للمسئولين عنها وقد تبدي حكم الشعب وتقديره بشكل واضح في تعامله مع ماسمي مؤامرة مراكز القوي وماسماه أنور السادات ثورة15 مايو1971 ويرتبط التفسير الحقيقي الغائب والمغيب لأحداث ذلك اليوم بالدرجة الأولي بموقف الارادة الشعبية وتقديراتها وحساباتها التي دفعت الشعب لإلتزام موقف الصمت والترقب في مواجهة الأحداث باعتبارها صراعا داخل السلطة الحاكمة حول غنائم السلطة والحكم لذلك قام الشعب بالأمتناع عن التدخل في الصراع الدائر حول السلطة وكرسي العرش وماحدث في ذلك اليوم لابد أن يستدعي التدقيق الشديد في ضوء أن السادات في حقيقة الأمر كان لايملك سلطة حقيقية لحسم الأمور لصالحه في ظل سيطرة من يعارضه ويرفضه ويسعي للاطاحة به علي مراكز القوة في الدولة ومفاصلها الرئيسية المؤثرة فقد كان من بينهم وزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الاعلام بكل مايعنيه ذلك من قدرات لتحريك الجيش وتحريك البوليس لفرض أمر واقع جديد يضاف لذلك أن رأس هذه المجموعة علي صبري كان القيادة العليا للتنظيم السياسي الواحد الذي يضم كافة قيادات الدولة والحكومة والاقتصاد والمال والأعمال ويزيد عدد الأعضاء به ظاهريا علي3 ملايين من المواطنين المصريين وهو رقم يكاد يتساوي مع حجم قوة العمل الكلية في ذلك الوقت والزمن ويتضح من تفضيل هذه المجموعة اتخاذ قرار بالإستقالة الجماعية لصناعة ماسمي يومها بمؤامرة فراغ السلطة بديلا عن استخدام القوة الضاربة القادرين علي تحريكها بحكم مناصبهم ونفوذهم التنفيذي انهم غرقوا في أوهام اكاذيب خادعة تغرق فيها دوما النظم الديكتاتورية المستبدة تحت وهم أنها قادرة علي تحريك الشارع بالأزرار تحت سطوة هول البطش وأهواله وكانت الملايين التي خرجت لتوديع عبدالناصر رسالة استعصت علي فهمهم عندما ظنوا أنها رسالة شعبية بدعم النظام ورجاله ولم يدركوا أنها رسالة مقصورة علي معان محددة رمزية ترتبط بشخص عبدالناصر وما أحاطه من مواقف وطنية فقط لاغير ومع استقالتهم كانت الساحة خالية أمام السادات ليصنع مايشاء بهم ويلقي بهم في السجون ويعلن عن شهادة وفاة التنظيم السياسي الأوحد الذي أطلق الشعب عليه بالفعل من قبلها رصاصة الرحمة بموقفه يوم15 مايو.
وبحكم تركيبة السادات وتكوينه وبحكم تجذر مفاهيم النظام المستبد الشمولي في أعماقه عبر سنوات طويلة من العيش داخل النظام فإنه عجز أيضا عن القراءة الصحيحة للأحداث وتصور أنه قام شخصيا بثورة جديدة بمفرده أطاح من خلالها بجميع مراكز القوي في الدولة التي عجزت عن عزله وأقالته وصنع في مخيلته جنونا بالعظمة غير مسبوق جعله يتوهم أنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ مصر وتصور أنه يملك الحكمة الكاملة لاتخاذ القرارات المصيرية في أصعب الأوقات وفي مواجهة أشد الأزمات ولم يسمع إلا صوته الداخلي وأوصلته هذه الحالة الي حدود قاسية في إهمال الرأي والمشورة دفعته لإقالة رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق الشاذلي في حرب1973 في وسط المعركة واتونها ودفعت وزير خارجيته اسماعيل فهمي للاستقالة ودفعت ابراهيم كامل وزير الخارجية في مباحثات كامب ديفيد للاستقالة في قمة المفاوضات الساخنة وجمع حوله بإعتباره كبير العائلة اصهاره مثل سيد مرعي الذي ترأس مجلس الشعب وعثمان محمد عثمان الذي اداره دفة الاقتصاد المصري تحت رايات انفتاح السداح مداح..
السادات والفوضي السياسية وديمقراطية الأحزاب الكرتونية
وبحكم أن السادات كان رمزا من رموز نظام الهزيمة والكارثة فإن فترة حكمه وحتي لحظة اغتياله كانت فترة حكم شديدة الاضطراب سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وحتي نصر أكتوبر العظيم عام1973 لم يشفع له لدي جموع الشعب وعلي الرغم من كل الدعاية المكثفة التي أحاط بها نفسه باعتباره بطل الحرب والسلام فإنه عجز عن عبور أزمة الثقة القابعة في وجدان الشعب وعقله وضميره وكان الشعب دائما يتعامل معه من منطق الريبة والحذر والتشكيك في حقيقة نواياه ونتيجة لاختيار عبد الناصر للسادات كنائب معين له قبل وفاته وما اتاحه هذا الاختيار للسادات لتولي منصب رئيس الجمهورية فإن الشكوك قد طالت عبد الناصر نفسه وتحول الاختيار إلي علامة استفهام كبيرة تطارد القناعات التي كانت مستقرة في الوجدان والعقل المصري عن عبد الناصر ذاته.
وقد افاض السادات علي امتداد سنوات حكمه في الحديث عن الديمقراطية ودولة المؤسسات والحريات العامة وحرية الرأي والتعبير ولكن كافة هذه الاحاديث كانت دوما ديكورا مخادعا ومناورا علي خشبة مسرح حكم الديكتاتور المستبد الذي يستهين بالرأي الآخر ويقتنع بضرورة قمعه مستخدما كافة الاساليب البوليسية الفجة وقبل أن تطاله الرصاصات علي منصة عرض6 أكتوبر كان قد وضع كافة القوي السياسية المعارضة في زنازين السجون وفرض الاقامة الجبرية علي البابا شنودة في وادي النطرون وقد استخدم السادات القوي السياسية والجماعات الفكرية لتصفية خصومه المعارضين ولم يفتح امامها ابواب الحياة السياسية الحقيقية لخدمة الوطن وطموحات أبنائه.
وفي بداية حكمه بعد15 مايو حتي يضمن القضاء علي فلول الاتحاد الاشتراكي العربي وبالذات فلوله اليسارية والشيوعية أطلق العنان للقوي والجماعات الاسلامية بسلوك واسلوب غوغائي لايمت للمنطق السياسي الديمقراطي بصلة وعندما انتهت اغراضه دخل معهم في مواجهة دموية لأنه اعتمد اساسا علي حركات الفكر المتطرف الأصولي ومع اليقين بعدم صحة وسلامة ادعاءاته عن الديمقراطية والمشاركة السياسية ودولة المؤسسات فإن الشارع المصري استمر في صراع حاد وواسع النطاق مع السلطة طوال سنوات حكمه ولم تنقطع مظاهرات الطلبة قبل وبعد حرب أكتوبر وخرجت مظاهرات عمالية صاخبة كان اشدها وابرزها مظاهرات الجياع في يناير1976 ومع تسميتها بثورة الحرامية اتسع نطاق السخط والرفض الشعبي لنظامه وحكمه ويعني حكم السادات عشر سنوات من الثورة الشعبية الدائمة والمستمرة لأنه اعاد إنتاج نظم الحكم الشمولي القائم منذ ثورة23 يوليو في غياب القائد والزعيم الذي كان يتيح درجة معقولة من رضا وتوافق الارادة الشعبية ومع متغيرات زمنية متلاحقة محليا واقليميا ودوليا اسقطت فكرة القبول بحكم القائد والزعيم والاصرار علي حتمية الدور الفاعل للارادة الشعبية في الحكم وادارة شئون البلاد.
ثم جاء مبارك رمز النظام البائد الفاسد وقدمته القوي الداخلية والخارجية التي صنعته ومهدت الطريق امامه لتولي منصب رئيس الجمهورية للشعب المصري في سياق مختلف تماما عن عبد الناصر والسادات وتجنبت بدرجة كبيرة في السنوات الأولي لحكمه أن يتم الترويج له باعتباره القائد والزعيم وتمادت في صناعة وهم مختلق عن تكوينته وشخصيته باعتباره البقرة الضاحكة البليد في الفهم غير المكترث بالمنصب صاحب الطموحات المحدودة حتي يتم صناعة وهم كاذب بأن شخصية النمر المفترس لا تسكن القصر الجمهوري بما يساعد في تعميق مفهوم مختلف بعدم مسئوليته عن الكثير من الأمور التي تجري وتتم علي ساحة الحياة المصرية مهما كانت درجة عبثيتها وفسادها وانحرافها وكان حريصا للغاية في زياراته الميدانية للمصانع ومواقع العمل المختلفة علي تعميق صورة الرئيس الأهطل من خلال التفوه بأحاديث خرقاء مصطنعة تخرج عن سياق البديهيات والمنطق السليم حتي تتحول إلي نكات شعبية يرددها المواطنون علي المقاهي وفيما بينهم وكأن المخطط كان يصب في خانة الايهام بأن من يشغل منصب الرئيس يحمل صكا رسميا طبيا بالعتة وعدم المسئولية عن تصرفاته وأفعاله وبالتالي عدم المحاسبة عنها ومن المضحكات المبكيات ما ردده في احد زياراته للعاملين بمصنع للسجاد اليدوي وتمنياته بأن يتحول لمصنع ينتج السجاد بالماكينات وكأن الهطل قد وصل إلي درجة عدم ادراك ميزة وقيمة الانتاج اليدوي للسجاد وغيرها وغيرها الكثير المحفور في وجدان وعقل الانسان المصري البسيط وهو ما يعكس مخطط متكامل لتجميل الفساد وايصاله بخفة يد اللصوص ودقة الجراح الماهر إلي اعماق الأعماق وذلك لاستغلال حقيقة ان المصري لا يصطدم بالأقزام البلهاء ولا يلتفت إلي أعمالهم ولا تستوقفه تصرفاتهم مهما كانت مستفزة وخرقاء وقد استخدم ذلك لسنوات طويلة لتفريغ كم هائل من شحنات غضب المصريين وسخطهم علي النظام وساهم في شيوع مسئولية نهب وتخريب مصر وتجريفها بين اطراف عديدة من رموز النظام وبذلك لم يقتصر الأمر فقط لاغير في تركيز الاهتمام علي دائرة رأس الجريمة المنظمة وزعيم التشكيل العصابي الاجرامي.
النظام البائد والاوهام المصطنعة عن الغفلة وعدم المسئولية
ومع تجسيد شخصية البقرة الضاحكة كعلامة مسجلة لرأس النظام وما تم أضافته من احاديث مختلقة ومبرمجة عن صراع القصر الجمهوري في الروايات عن سيدة الفساد الأولي التي تدير الأمور وتعين الوزراء وكبار المسئولين وتعزلهم والوريث الذي يتم تحضيره واعداده ضد رغبة أبيه تارة وبموافقته الضمنية أو الصريحة تارة أخري وغيرها من الخزعبلات المقصودة والمخططة ومع كل ذلك وغيره كثير من ركائز المخططات الاجرامية لتقزيم مصر وتفكيك اوصالها فقد غرقت ساحة الحياة العامة في مستنقع افتراضي يخرج عن السياق الحقيقي للاحداث الحقيقية حتي ينشغل الكافة والجميع عما يتم خلف الستار من ترتيبات وتربيطات وتتوجه ابصارهم بالدرجة الأولي إلي العالم الافتراضي الموجود علي المسرح وقد سمح هذا العالم الافتراضي المختلق لسنوات طويلة بأن يدور جزء كبير من الشعب في دوامة التهويمات الفارغة من المعني والمضمون وكاد أن يصيب هذه الأغلبية الساحقة الصامتة بأمراض الانسحاب من الواقع للعجز عن فهمه ومواجهته كما يقول علم النفس وكان صك التوريث كمفهوم ومعني قمة من ثمم التلاعب الجهنمي بالوجدان المصري لأن كلمة التوريث تضفي حقا وشرعية للوريث وهو ما يخالف المعني الحقيقي للموقف الذي كان يعني ببساطة شديدة اغتصاب السلطة واغتصاب الارادة الشعبية واغتصاب حق الأمة في اختيار من يحكمها ومن يمثلها ويتولي مقادير شئونها.
وفي انتخابات مجلس الشعب عام2005 وقعت المفاجأة الكبري عندما اكتشفت مافيا الجريمة المنظمة الحاكمة وامتدادتها الخارجية الآمرة الحارسة للمخطط الاجرامي أن الشعب المصري أفاق افاقة كاملة من غفلة لعبة البقرة الضاحكة وان صورة الحاكم في الوجدان والعقول لا تقتصر فقط علي كونه الديكتاتور المستبد بل اتسعت لتصبح صورة شديدة الظلمة والقتامة, معتبرة أن رأس النظام هو الطاغوت الأكبر الأب الروحي للجريمة المنظمة والتشكيل العصابي الاجرامي للحكم.
وقد أسفرت الجولةالأولي للاقتراع عن حقائق مذهلة كشفت عن اكتساح مرشحي الإخوان المسلمين باعتبارهم الجهة الوحيدة المنظمة, بحكم أن الأحزاب السياسية المشاركة هي في الأول والآخر هياكل كرتونية ولدت في أحضان النظام منذ عهد السادات تغرد الألحان المحددة وتلعب الأدوار المختارة لكل منها وأدي ذلك الي التزوير الفج الواسع النطاق للارادة الشعبية في جولة الاعادة ووصل الأمر بالتزوير والتزييف الي تغيير النتائج بعد الإعلان عنها وفوز الخاسرين من الحزب الوطني وخسارة الفائزين من الاخوان وعلي الرغم من مفاجأة العيار الثقيل القائلة بيقظة الارادة الشعبية وبلوغها مرحلة التحدي السافر مع النظام إلا أن الرسالة لم تصل وكأنها مجهولة العنوان, كما أن مضمون الرسالة ضاع وكأنه مكتوب بلغة منقرضة لايمكن فك رموزها وطلاسمها وكان ذلك يعني الإعلان عن الرفض البات والقاطع لأي مؤشرات تؤكد بروز الارادة الشعبية للمصريين, إضافة للرفض الكامل للاعتراف بأن تصويت الشعب للاخوان كان في الأصل والأساس تصويتا ضد النظام وممارساته وضد الحزب الوطني المنحل.
والمريب والغريب أنه في مواجهة حالة الوعي الثوري وحالة الإشتعال الثوري متلاحقة الحلقات وماتؤكده من تجذر الثقافة الديمقراطية وتقدمها سلم الأولويات الوطنية الدائم فإن هناك من يصر اختلاقا وكذبا علي أن الإنسان المصري غير مؤهل بحسابات التاريخ والجغرافيا والحضارة وبحسابات القيم الراسخة في الوجدان والعقل للانتقال لمرحلة الحكم الديمقراطي خاصة أن الظروف والتجارب القريبة تشير كما يقولون الي أن المشاركة السياسية خاصة في العمليات الانتخابية تتم بدوافع لاتصب في خانة الديمقراطية الحقيقية بحكم أن جموعا كثيرة من الناخبين تتحكم في قراراتهم التصويتية اعتبارات العصبيات والقبلية والفئوية وكذلك اعتبارات المال والسلطة والنفوذ واذا كانت هذه التحليلات الهزلية صادقة وتعكس صورة الواقع الانتخابي المصري الحقيقية فبماذا يتم تفسير الموقف الانتخابي الجماهيري علي امتداد محافظات مصر عام2005 وتحولها الي ساحة صريحة للحرب علي السلطة والنظام وكيف يمكن أيضا تفسير الاستياء الشعبي العارم من التزييف الفج لانتخابات2010 وماتركته من مرارة وغصة قاسية لدي المصريين علي اختلافهم وتعددهم وتنوعهم.
ويستوجب بناء الديمقراطية القبول الرضائي بقواعدها وماتفرزه من نتائج وفي مقدمتها حتمية احترام رغبة الأكثرية وتعايش الأقلية مع هذه الرغبة بمعني اتاحة الفرصة لقوي الأكثرية البرلمانية لتنفيذ ما وعدت به من سياسات وبرامج وإصلاحات مع اليقين بأن النظم الديمقراطية تعاني كثيرا من مرض ديكتاتورية الأقلية, خاصة تلك الأقليات المنظمة عالية الصوت جيدة التنظيم والحشد وراء مطالب فئوية ضيقة يحركها الأكثر تشددا والأكثر تطرفا بين هذه الأقليات بحكم نفوذه وسلطانه الروحي أو بحكم مايملكه من مال وثراء وقدرة علي التمويل.
وفي الحالة المصرية فإن الخطر الداهم علي الديمقراطية يرتبط بالمخططات الخارجية الأمريكية الصهيونية الغربية ومظلتها الماسونية الدولية وامتداداتها المغروسة في قلب الوطن متمثلة في الطابور الخامس الداخلي المحلي والتجمعات الطائفية وفصيل كبير من رجال الأعمال والمال الذين بنوا مراكزهم وصنعوا أوضاعهم الفاسدة عن طريق الاستقواء بالخارج وكل هذه القوي تندفع دائما حتي في أحرج اللحظات لرفع شعارات تطلب المساعدة من الخارج ضد الوطن ومصالحه العليا المشروعة وفي مقدمتهم ماتمثله بعض تنظيمات اقباط المهجر خاصة في امريكا من مواقف شديدة التطرف والغلو لاترضي بديلا عن هدم الدولة المصرية.
وكل ما تخططه قوي الاستقواء بالخارج لايرعب ولايخيف بحكم أن وعي القاعدة العريضة قد أثبت في أحلك اللحظات درجة عالية من اليقظة والوعي لابد أن تتيح الفرصة لإسكات ألسنة الفتنة وتجفيف منابع جميع الفلول المتربصة, وفي مقدمتها تلك التي توهمت إمكانية اختلاق صدام بين الجيش والشعب وهو مايحتم الملاحقة السريعة لأوكار الأفاعي السامة بكل الحسم وعدم التنازل عن المواجهة الحاسمة الشفافة لرؤوس الفتنة مهما علت اوضاعها ومراتبها؟!.
[email protected]
المزيد من مقالات أسامة غيث


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.