ختام أنشطة البرنامج التدريبى للطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد مطعم المدن الجامعية للاطمئنان على جودة التغذية| صور    مدير التربية والتعليم يتفقد ورش تدريب المعلمين الجدد بالإسكندرية | صور    محافظ بني سويف يطمئن على الاستعداد لاحتفالات العام الميلادي الجديد    الفلاح المصرى.. عصب التنمية.. من عرق الأرض إلى بناء الجمهورية الجديدة    حياة كريمة «الدير»إعادة إعمار شاملة    الاعتدال كلمة السر ضد من يتطاول على مصر    خالد عكاشة: مصر أنجزت السلام بجهد وطني وتُدير أزمات الإقليم بصلابة    مالي وبوركينا فاسو تفرضان قيودًا على دخول الأمريكيين ردًا على حظر واشنطن    الرئيس الإيراني يدعو إلى التضامن بدلا من الاحتجاجات    عمر جابر: التاريخ كتبه الزمالك ونحن أبناؤه مهما حدث    محافظ سوهاج يشهد فعاليات المهرجان الرياضي لذوي الإعاقة "قادرون باختلاف"    ليفربول يتلقى ردا رسميا بشأن عودة كلوب    عبد المجيد عبد الله: حادثة مصحة المريوطية «جرس إنذار».. وليست واقعة معزولة    بالأسماء.. إصابة 3 سيدات بينهن طفلة في حادث انقلاب سيارة ملاكي بترعة بالمنصورة    أم الدنيا    حفلات رأس السنة 2026 تشعل مصر والعالم العربي    الإفتاء: الدعاءُ في آخر العام بالمغفرة وفي أولِه بالإعانة من جملة الدعاء المشروع    الاجتماع الشهري لفرق مكافحة العدوى بالإدارات الصحية ومستشفيات صحة قنا    العملة الإيرانية تهوي إلى أدنى مستوى تاريخي وتفاقم الضغوط على الأسواق    حجز محاكمة 3 متهمات بالاعتداء على الطالبة كارما داخل مدرسة بالتجمع لجلسة 28 يناير    العثور على جثة شخص أمام مسجد عبد الرحيم القنائي بقنا    محافظ الغربية: طريق مصرف الزهار هدية طال انتظارها لأهالي مركز قطور    أسواق اليوم الواحد حققت نجاحًا كبيرًا.. وافتتاح سوق جديد بإمبابة الأسبوع المقبل    كنوز| مصطفى أمين الشاهد الأمين على كرم «صاحبة العصمة»    «بحاول أرمم حاجات اتكسرت»| أحمد السقا يحسم جدل عودته ل مها الصغير    معتز التوني: أذهب للجيم للكلام فقط.. ومهنة المذيع أصعب من الإخراج    كنوز| «الضاحك الباكي» يغرد في حفل تكريم كوكب الشرق    حصاد 2025.. عام استثنائي من العمل والنجاحات بمديرية الشباب والرياضة بالجيزة    الضفة.. جيش الاحتلال الإسرائيلي يقتحم مسجدا ويلحق به أضرارا جسيمة    وزير العمل يعلن صرف 299.2 مليون جنيه منحة عيد الميلاد للعمالة غير المنتظمة    إكسترا نيوز: التصويت بانتخابات النواب يسير بسلاسة ويسر    ظهور مميز ل رامز جلال من داخل الحرم المكي    هل يجوز الحرمان من الميراث بسبب الجحود أو شهادة الزور؟.. أمين الفتوى يجيب    مدافع جنوب إفريقيا: علينا تصحيح بعض الأمور حتى نواصل المشوار إلى أبعد حد ممكن    وزير «الصحة» يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لإحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد    خالد الجندي: الله يُكلم كل عبد بلغته يوم القيامة.. فيديو    "التعليم الفلسطينية": 7486 طالبًا استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية 2025    وزير الصحة يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لاحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط تشكيلًا عصابيًا للنصب بانتحال صفة موظفي بنوك    بشرى سارة لأهالي أبو المطامير: بدء تنفيذ مستشفي مركزي على مساحة 5 أفدنة    حصاد 2025.. جامعة العاصمة ترسخ الوعي الوطني من خلال حصادًا نوعيًا للأنشطة العسكرية والتثقيفية    ذات يوم 31 ديسمبر 1915.. السلطان حسين كامل يستقبل الطالب طه حسين.. اتهامات لخطيب الجمعة بالكفر لإساءة استخدامه سورة "عبس وتولى" نفاقا للسلطان الذى قابل "الأعمى"    دون أي مجاملات.. السيسي: انتقاء أفضل العناصر للالتحاق بدورات الأكاديمية العسكرية المصرية    حصاد 2025| منتخب مصر يتأهل للمونديال ويتألق في أمم أفريقيا.. ووداع كأس العرب النقطة السلبية    دينيس براون: الأوضاع الإنسانية الراهنة في السودان صادمة للغاية    إيمري يوضح سبب عدم مصافحته أرتيتا بعد رباعية أرسنال    إجازة السبت والأحد لطلاب مدارس جولة الإعادة في انتخابات النواب بأسوان    وزارة الصحة: صرف الألبان العلاجية للمصابين بأمراض التمثيل الغذائى بالمجان    رابط التقديم للطلاب في المدارس المصرية اليابانية للعام الدراسي 2026/2027.. يبدأ غدا    إصابة 8 عاملات في حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية بالبحيرة    "القومي للمسرح" يطلق مبادرة"2026.. عامًا للاحتفاء بالفنانين المعاصرين"    مواعيد مباريات الأربعاء 31 ديسمبر - الجزائر وكوت ديفوار والسودان في أمم إفريقيا.. وكأس عاصمة مصر    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تقديم أكثر من 14 مليون خدمة طبية للمواطنين بالمحافظة    «اتصال» وImpact Management توقعان مذكرة تفاهم لدعم التوسع الإقليمي لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية    مصرع طفل صدمه قطار أثناء عبوره مزلقان العامرية بالفيوم    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كان حصنا وحضنا ..فأصبح ثعبانا وسجنا
الطريق الدائري‏..‏ شاهد علي الفوضي
نشر في الأهرام اليومي يوم 14 - 10 - 2011

اماذا يقول التاريخ عن عاصمة مصر عام‏2011,‏ اذا ما دار بالطريق الدائري حولها بعد ثمانية أشهر من أنظف ثورة شعبية في العالم‏, لو أراد أن يطبق المعايير الحضارية ويحكم علي سكانها بما يراه من عمارة وسلوك. فالطريق كائن حي يتأثر بثقافات الشعوب, يولد وينمو ويتحرك ويتغذي ويتنفس ويفرز مخلفاته ويمرض ويموت, تتوقف حيويته ووظيفته علي عقلية البشر, إما أن يكون ذراعا وحضنا لتراث معماري أو يكون ثعبانا وسجانا للمدينة, وقراءة كف طريق القاهرة الكبري الآن تكشف أن العاصمة تندفع الي نفق الفوضي وتعاني من انفجار الشرايين والأوردة.. وتنتظر بشوق ولهفة فارس الأحلام..
يوم كامل قضيته كعب داير علي الطريق الدائري حول القاهرة الكبري بدأت من محور المريوطية حتي عدت إلي نفس النقطة بعد114 كيلومتر وأثنتي عشرة ساعة.. وهذا هو عرضحال لمشاهدات وأحاسيس ورموز واستغاثات لانقاذ ما بقي في ذاكرة العاصمة التي تختزل تاريخ مصر.
أمامك منحني
قالت اللوحة أمامك منحني حيث بدأت من فوق كوبري المريوطية أمام شارع الهرم.. نظرت لفوق أصافح قمة أهرام الجيزة حيث المعجزة الهندسية التي تفخر بها الانسانية عبر تاريخها والباقية فوق جبانة منف, ثم بدأ انحناء الطريق لتحت, واختنق المشهد بفوضي أبنية عبثية تحت أقدام أبي الهول.. تختلط طرز شتي لعمارات قزمية في شوارع طافحة بحناطير تتحنطر بصبية وبقايا سائحين يتلفتون تائهين, وسط حظائر وبرك وبشر تخنقهم البطالة والتكدس, ومقاه بلدية ومرابط للماشية انتشر بعضها فوق مقبرة ترعة المنصورية التي دفنت نفسها عند مرورها بنزلة السمان خنقا بالأسمنت المسلح علي طريقة وأد البنات في الجاهلية ألأولي هروبا من تكاليف النظافة وسلوكيات التحضر, كما اختنق اللون الأخضر تحت أقدام زحف همجي بالطوب الأحمر ومرابط البهائم علي جانبي محور المنيب..
التوي الدائري رغم أنفه أمام روعة المشهد فوق جزيرة الدهب التي قدها النهر فاستحت منه جهة شارع البحر الذي كان الأعظم للحياة الناعمة, فكتم الدائري انفاسه حتي سكة حديد المحاجر وعند الطريق المؤدي الي مقابر الغفير ومصنع المكرونة والقطامية وبئر أم سلطان والبساتين بلا أثر للون الأخضر, وفي منشية ناصر انفرجت أساريري لثوان بسبب حمل كاذب في انفراجة مرورية فوق الأوتوستراد
حي علي الفوضي
بعد دار السلام والمقطم نظرت في الاتجاه المعاكس قبالة القاهرة الجديدة وصحت يائسا حي علي الفساد نفس النداء الذي رفعه أبو المعمار المصري الحديث المهندس سيد كريم مصمم حي مدينة نصر حين أبلغه صديقه أنور السادات عضو مجلس قيادة ثورة يوليوعام1953 أن الرئيس عبدالناصر وافق علي تنفيذ التصميم الذي حول به منطقة ثكنات الجيش الي حي سكني عصري يكون رمزا لعمارة العهد الجديد وقتها وأصبح للحي الوليد ادارة حكومية فكانت صيحة سيد كريم حي علي الفساد نبوءة بسلوكيات ادارات هندسية وموظفين وملفات فساد ومفسدين ومقاولين تطاولوا بعد خمسين سنة في خراب الذمم.
دنيا جديدة
سرعان ما قطب الدائري حاجبيه محذرا أمامك منحدر في طريق المدرعات شعرت بالرعب وغاص بي في نفق أكاديمية بوليس مبارك سابقا للأمن حيث تجري محاكمة رأس النظام ومساعديه في نفس المكان الذي كانت داخلية الوطني تدرس أكبر صفقات ضبط الشغل والإقصاء السياسي بتسويد الانتخابات مع فتوات الهجانة وأخواتها ضحايا البطالة وشح ما في اليد, وارتبك الطريق بين حرية طريق طه حسين وواقعية شارع نجيب محفوظ ورحاب جديدة علي طريق السويس فاختار الظلام أسفل موقف العاشر, حيث نفق السلام الضائع وسط الحابل والنابل والتائه والهارب والبائع والخاطف والراكب والراجل والمرتجل, هنا بالأمس القريب أريقت دماء النظام والأمن ونقيب الشرطة حازم عز الدين حيث كان يطارد ترسانة نصف نقل بأسلحة رشاشة, المتهم عمر عطية يحمل مؤهلا متوسطا بلا سوابق في الإجرام طارده في اتجاه سوق العبور مهندس ومقاول سلاحهم فقط بقايا شهامة المصريين, بعد النفق لاح النور وأنتشي قليلا ببقايا تاريخ قصور المرج, ثم دار بي الدائري أمام بقايا دماء العم محمد ابراهيم الذي هجم علي وجهه عفاريت الليل والأسفلت بماء النار لأنه لا يحمل أكثر من05 جنيها في جيبه.
شوارع كانت ترعا
اكتوي الدائري مرة أخري بنار مسطرد التي كانت مصانع فأصبحت كبائن وأكشاك ومحال تيك أواي بهتيم رغم فلول اللون الأخضر عند الطريق الزراعي التي لم يبق منها سوي1058فدانا بعد أن كانت14658 فدانا عام69 كانت رئة تنفس شمال القاهرة حسب دراسة للدكتور عفيفي عباس من معهد بحوث الأراضي, ولم يبق من أخصب أراضي الزراعة في المنطقة الا أسماء ترع هي الآن شوارع وأنفاق, واختنق أمام موقف السيارات والباصات الذي يسد ببجاحة عرض الطريق الدائري لم يعد مدخل الدائري الزراعي منفذا ينقل القادم من بحري شمال العاصمة إلي غربها وشرقها وجنوبها في توزيع حلقي ودائري مدروس كما أسماه الراحل سيد كريم لمختلف وسائل النقل الخفيف والثقيل, بل أصبح بفضل المواقف العشوائية للميكروباصات والتكاتك وشاحنات النقل والأسواق الواقفة مستوطنات تبيع كل شئ من علم مصر حتي الأحذية والصنادل والملابس المستعملة والترمس وحمص الشام والمخدرات والسجائر العادة والملفوفة لأصحاب المزاج.
زغاريد مصرف البسوس
هرب بي الدائري بصعوبة من مدخل العاصمة المخنوق وأنا أتحسر علي مداخل القاهرة الصرحية التي وصفها عاشق الحضارة المبدع يحيي الزيني بأنها كانت تدعو كل عابر سبيل أن يتمهل لما تجسده من روعة وجمال ومع مرارة الفارق وسحب التشويه وجدتني أهرب وسط منازل عشوائية مستنسخة, من نزلة البسوس نزلت لدقائق حتي محطة الحادثة هكذا اسمها عند قرية شلقان حيث يحل الموت ضيفا دائما علي الأهالي, وعدت مرعوبا إلي ميت نما وودعت طريق القناطر عاصمة النيل ففاجأتني زغاريد قادمة من مصرف البسوس جاءني الخبر الطازج من الحاج عامر صاحب كشك خشبي بناه في هوجة التعدي أن بلبل الصحراء واسمه عبدالنبي كمال سقط في قبضة الأمن بعد أن حول بلدته أوسيم الي مأوي للمجرمين وورش لتفكيك السيارات التي كان يسرقها بكمائن دراجات بخارية علي الدائري, وكان الناج من كمينه ليلا لا يشعر بالراحة الا وسط زحام امبابة وترعة بشتيل ومصرف البراجيل وعزبة الزرايب, وفي صفط اللبن حيث محور الشر المروري, آخر افتتاحات الرئيس المتنحي, تنحيت بين فكي كماشة عن يميني أكوام الزبالة وعن شمالي مكان أحدث صيحة لوقف الحال علي الطرق, هنا أضرب أهالي صفط احتجاجا علي انقطاع مياه الشرب, وعند التقاء مصرف ناهيا ومرمي روائح مصرف عبدالعال خرج الطريق عاريا تماما الا من أسوار حديدية مهترئة تستر عوراته أكوام كسر المباني علي الجانبين يتواري وسط مقلب قمامة الكنيسة وفوق الكوبري رقم ثلاثين في سلسلة الكباري التي أصبحت نقاطا جرثومية كامنة بامتداد الطريق الدائري تحاصر العاصمة من جميع النواحي لكي تكون أنفاقا للتواصل وامتدادات للشوارع وبدائل لفتحات الدوران السطحية, لكن هذه الانفاق الجرسومية صممت بمناسيب ارتفاع لاتسمح بالمرور الا لعربات الكارو المحملة بأكياس القمامة.
عودة بالصدفة للأمن
هنا تلتقي كمائن الدراجات البخارية التي انتشرت علي الطرق السريعة وتسير في تشكيلات عنكبوتية تتبع الضحايا قبل أن تجردهم من سياراتهم وتقتل من يقاوم دفع الفدية, ولا عجب أن يصل عدد السيارات المسروقة الي13 ألف سيارة خلال ثمانية أشهر من الثورة, كان آخرها سيارة الشيبسي رقم387 ي ل ب التي خطفها اللصوص عند البسوس وألقوا بسائقها علي طريق أسيوط الغربي ثم عادوا للدائري مرة أخري من فرط شعورهم بغياب الأمن ليقتسموا حمولتها عند نزلة الكنيسة قبل أن يشتتهم مرورالعقيد مصطفي كامل قائد خدمات محور المنيب ورجاله, أتنفس الصعداء بشبح عودة الشرطة, حين يعلو الدائري مرة أخري حيث نقطة البداية فوق المحور الغربي, أجدني أردد هتاف ميدان التحرير معكوسا أخفض رأسك تحت.. شوف الفوضي وانا أشوف أهرامات الجيزة من خلف قضبان الطريق في ناحية وغابة شارع فيصل للأسمنت المسلح في الناحية الأخري وأسفلها ترقد الراحلة ترعة المريوطية غارقة في الظلام المثالي لارتكاب أي جريمة, كان ماؤهاعذبا, يقيمون لمثلها المهرجانات والأعياد في أوروبا, وكانت مشروعا لنهير سياحي صغير فأصبحت سرسوبا مدحورا تحت قفص أعمدة المحور الجديد الذي تكلف مليارا جنيه تنتظر حكم الإعدام رميا بالقمامة ومخلفات المباني, بعد أن تحول مدخلها الي مصنع كبير لتحويل المياه العذبة الصالحة للزراعة في العياط الي مستنقعات مثالية للطحالب والجراثيم والأوبئة القاتلة للبشر في العاصمة.
جزيرة القاهرة وقداسة تستغيث
بعد عشرين سنة من افتتاح الطريق الدائري الذي تكلف6.5 مليار جنيه تحول من حلم ذراع وحضن يمنع زحف المباني علي الأرض الزراعية كما جاء في تخطيط انشائه عام85 الي ممر يحيط بالعاصمة الكبري التي بدت في أحضانه جزيرة لا علاقة لها بأي تاريخ.. لا منف الفرعونية ولا اشراقتها القبطية المسيحية ولا فسطاط المحروسة ولا عبقرية القاهرة المعزية والمملوكية وصفها كتاب المدينة بين التنسيق والتأصيل للمبدع يحيي الزيني بأنها أكوام من البيوت علي هيئة صناديق ضخمة من الطوب الرخيص تبرز من أسطحها أشاير أعواد الخرسانة لتؤكد نية سكانها تنمية التخلف رأسيا في المستقبل الا لوحة متواضعة في محطة أثر النبي عندها لاحت لي قباب ومآذن كشواهد رمزية علي قداسة تستغيث من فجاجة ذوق المتعاملين معها والمجاورين لها, ويفضح الدائري الآن المباني المجاورة له وطابعها السكني وهو يطل عليها من أسوأ زوايا الرؤية حيث مؤخرات البيوت وعورات الطابع المعماري و تدهم العقارات الحجرية بلونها الطوبي نظر أي عابر علي مدي البصر يمينا وشمالا منذ أكثر من عشر سنوات, فمنذ عام85 في وزارة الدكتور علي لطفي منذ بدأ الانشاء لم يحدث ما يشير لخطة معمارية لتوظيف هذا الطريق تنفذها هيئة التنسيق الحضاري الذي نشط رئيسها الدكتور سمير غريب الآن بمشروع للحفاظ علي قبور القاهرة القديمة, فهل ينتفض بمشروع انقاذ للقاهرة المستنسخة علي الطريق الدائري يحدد مواصفات المباني والطابع المعماري للبيوت المطلة عليه وشكل المخارج والمداخل ومعاييرها..ويلزم أصحاب العقارات بمواصفات للطلاء كما جاءت في قانون التنسيق الحضاري الذي أوهمنا ذات مرة الدكتور أحمد نظيف أن التنسيق الحضاري هو الذي أرغم حكومته علي هدم جراج رمسيس بعد أن تكلف35 مليون جنيه!.
اتجاهان وبينهما قنابل موقوتة
تأرجح شكل الطريق الدائري في اتجاهين وبينهما تاريخ من التخبط بدأ بحديقة تمت زراعتها بالكامل من مشاتل أنشئت خصيصا في عصر يوسف والي بأكثر من مليون شجرة فيكس عام94, وبعد شهرين تقريبا من زراعتها تم حرثها ودك الحارة والزرع بطبقة من الحجارة لتكون ممرا لمتروأنفاق يوزع الكثافة المرورية علي جانبي العاصمة, وسرعان ما تواري حلم المترو لتوسيع الطريق, ومن يومها ولد فاصل أسمنتي هش ينهار بأقل ارتطام ويتحول كل حجر من السور المنهار قنبلة موقوتة تنفجر في السيارات الطائشة,والثمن يوميا مائة ضحية بين قتيل ومصاب.
شعار الطريق الآن
أما إضاءة الطريق الدائري فهي من أغرب أساليب الإضاءة في طريق عرضه ثلاثون مترا فبقايا أعمدة الانارة الموجودة الآن تحولت الي حوامل لاطارات السيارات وإعلانات ورش السمكرة, هي نصف الأعمدة التي كانت تعمل في آخر تطوير منذ عشرين سنة عندما كان كل عمود يضئ أسفله في حارة عرضها لا يزيد علي خمسة أمتار اليوم وقد هلك ما هلك من الأعمدة وسرق ما سرق من كابلات مازالت البقايا شاخصة في طريق تجاوز عرضه ثلاثين مترا.. الأمر الذي جعل الضوء يسمح بالكاد لسائقي الكارو والتكاتك مد البصر ويوفر مقرا آمنا لنوم سائقي الشاحنات النافقة ويظهر باقي الطريق بائسا تقل الإضاءة فيه كلما زادت السرعة!
أما شعار الطريق فهو شعار كل عدوان الآن علي المرافق العامة, فالمخارج والمداخل لمن يملك اللودر ويقدر علي الهدم.. فبعد أن كان عدد المخارج والمداخل من الطريق الدائري وإليه لا يزيد عن14 فتحة في محيطه البالغ114 كيلو مترا بواقع فتحة كل7 كيلو تقريبا, أصبحت الفتحات التي استطعت أن أحصيها لهبوط وصعود السيارات علي الطريق أكثر من150 فتحة.. أحدثها مصيدة المعتمدية, عدا السراديب التي تتسلل منها الدراجات البخارية والتكاتك السائبة وفتحات البيوت التي تحول الطريق أمام بعضها الي مقاه ودكاكين ومواقف خاصة.
طريق وأكل عيش
ويفسر الحاج سلامة قصة تحوله من بائع علي عربة ترمس ولب الي صاحب قهوة خشبية ثابتة علي الكوبري بأننا في ثورة والدائري كله ملك للشعب وليس مشروعا استثماريا لوزير أو رئيس.. الجدع اللي يلحق له مكانا ياكل منه عيش وسر الزحام في وجهة نظره.. أن تجارتنا بسعر رخيص.. الشاي من عندنا وحبة الهواء والمنظر من عند ربنا..أما الظاهرة الجديدة التي تنغص الحياة علي الحاج سلامة فهي انتهاء العمل بمواعيد الحظرالذي أضاع منا النقل الثقيل وهو زبون الليل عاشق المزاج والمبيت فوق الكوبري في انتظار مواعيد السماح بالسير ودخول المدينة.. وهذه الأيام اختلط الزبون الثقيل مع الزبون الخفيف ويمر ا لجميع مذعورا ليلا أو نهارا!.
من الظلم القول بأن ما جري للطريق الدائري أحد نتائج ثورة25 يناير, فقد طبقت عليه نفس المعايير التي أصابت مشاريعنا الكبري قبل الثورة في مقتل مثل توشكي وتعمير سيناء وحماية الأرض الزراعية, لكنه يبقي في النهاية شاهدا علي مايجري في قلب العاصمة هذه الأيام من فوضي هدفها تجريد الثورة من لهيبها وطاقة الثوار, وبينما انشغل الساسة الجدد بما يجري في وسط البلد وميادين التحرير والفضائيات من تناحر علي اقتسام الغنائم تركوا محيط العاصمة مرتعا لفلتان أمني وفوضي يستفيد منها رأس النظام السابق وزبانيته لأنها تعيد الشعور بالحاجة الي الحزب الذي كان نموذجا للتزاوج بين السلطة والثروة والأمن!.
فلا عجب من اختلاط الخفيف بالتقيل ودخول الشرايين علي الأوردة... أليس الطريق الدائري كائنا حيا يتأثر بما يصيب جسد العاصمة من الحمي والسهر ويشتاق الآن مثل القاهرة للمعز وفارس الأحلام؟.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.