صحافة.. وصحفيون(2) لست أدافع عن المهنة التي أتشرف بالانتساب إليها منذ نصف قرن تقريبا- عندما أقول إن الحديث عن وجود خلل في الأداء المهني لا يمكن التعامل معه كأمر منفصل وبعيد عن السياق العام لخلل شامل ومتشعب يسود معظم جوانب المجتمع. أريد أن أقول بصراحة: إنه من الظلم للصحافة وللصحفيين أن تتصاعد في هذه المرحلة عمليات التشويه المتعمدة للمهنة وأصحابها لمجرد زيادة انتشار بعض البقع والبثور الطارئة علي سطح الجسد الصحفي... وهي بقع وبثور ما كان لها أن تظهر لولا حالة الانفلات التي أصابت المجتمع منذ سنوات ثم تسللت وبشكل متدرج إلي البنيان الصحفي وأدت إلي صنع الخلل المهني الذي نشكو ونعاني منه الآن. بوضوح شديد أقول: إنه ليست هناك صحافة قوية في أي مجتمع ضعيف مثلما يستحيل القول بضعف الصحافة في أي مجتمع قوي لأن الصحافة في البداية والنهاية مجرد انعكاس لواقع أي مجتمع خصوصا في دوائر الفكر والثقافة والنشاط الأهلي والعمل الاجتماعي والأداء الحزبي. إن الحل ليس في إهالة التراب علي المهنة وأصحابها وإنما الحل في وقفة مع النفس والذات تنطلق من اعتراف صريح وصحيح بأن أوضاع أغلب المؤسسات الصحفية خارج دائرة الأمان المالي والإداري والمهني لأنها تعاني من اختلالات رهيبة لم تعد مقصورة علي تناقص وتآكل هياكلها الإدارية والتحريرية أو مواردها الاقتصادية والتنموية وإنما تفاقمت إلي خلل نفسي ومعنوي ومادي تعاني منه الشريحة الأعظم من العمال والإداريين والمحررين! ومن ثم لابد من مبادرة ذاتية باتجاه حماية هذه المؤسسات ووقايتها من خطر الانفجار من داخلها لأن الشظايا في هذه الحالة لن تصيب أهل المهنة وحدهم وإنما سوف تطال القريب والبعيد ولن يكون المنتج الصحفي دقيقا ولا موضوعيا وإنما سوف يزداد التراجع و تتفاقم الأزمة. ومنعا لأي التباس أؤكد- وعن تجربة- إن الإصلاح ممكن بشرط أن يكون مفهوما أن الإصلاح يعني مراجعة الأداء وليس مراجعة الدور... وأتمني ألا يسيء أحد فهم ما قصدت وما ابتغيت بسطور تنطلق من عشق للمهنة وبإدراك أن الظرف الراهن لا يصح التعامل معه بسياسة إخفاء الرءوس في الرمال مثل النعام! خير الكلام: إذا كنت ذا نفس قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء! المزيد من أعمدة مرسى عطا الله