محافظ الجيزة يتابع ميدانيًا مستوى النظافة والإشغالات بالوراق والعجوزة    طهران تنتفض.. الحرس الثوري الإيراني يطلق صواريخ استراتيجية نحو القواعد الأمريكية    ليلة رعب في تل أبيب.. إيران تطلق وابلًا من الصواريخ العنقودية    مسؤولو الجيش الملكي يستقبلون بعثة بيراميدز بباقة ورد في مطار الرباط    حلمي عبد الباقي يكشف كواليس أزمته داخل نقابة الموسيقيين.. تأجيل التحقيق ووكيل النقابة: لم أتلقَّ أي اتهامات رسمية    هيثم أبو زيد: كتاب «التلاوة المصرية» هو نتاج 35 عاما من الاستماع لكبار القراء    محافظ بورسعيد يستقبل قدامى لاعبي النادي المصري تقديرًا لتاريخهم الرياضي    مسعد بولس: واشنطن تؤكد التزامها بإحباط جهود النظام الإيراني لإدامة العنف في الشرق الأوسط وخارجه    الواقعة منذ عامين.. تفاصيل اتهام الفنانة جيهان الشماشرجي و4 آخرين بسرقة سيدة بالإكراه    إعدام 12.5 كجم مواد غذائية فاسدة خلال حملة رقابية بمرسى مطروح    إسرائيل ترفض طلب لبنان وقف القتال للسماح بإجراء محادثات    "المتر سمير" الحلقة 6.. محمد عبد الرحمن يتسبب في حادث سيارة    ماجدة زكي تتصدر الاهتمام بعد تدخل طبي ناجح في القلب... وأشرف زكي يطمئن الجمهور: تغادر المستشفى اليوم    الصحة تحذر من الحمل المتقارب: استنزاف للأم وزيادة خطر الولادة المبكرة    مع بدء الليالي الوترية.. بيت الزكاة يوزع 5 آلاف وجبة سحور يوميًا بالجامع الأزهر    حسن الخاتمة، وفاة سيدة من بني سويف أثناء أداء العمرة بالسعودية    إشادة بمسلسل «اللون الأزرق» بعد تسليط الضوء على أطفال التوحد    "بيبو" الحلقة 6 .. 3 زيارات مفاجئة لكزبرة تضعه في موقف حرج    العراق يدين استهداف قاعدتين جويتين.. ويؤكد: "لن نقف متفرجين"    المفتي: الاعتكاف ليس مجرد مكوث في المسجد بل انقطاع عن الخلق للاتصال بالخالق    المفتي يوضّح حكمة تشريع المواريث في الإسلام: يُحقق التوازن ويُعزز الراوبط العائلية    تجاهل معاناة 100 ألف معتقل ..لماذا يتحدث السيسي عن"سجون راقية" رغم التقارير الحقوقية الفاضحة ؟    الدفاع السعودية: اعتراض 6 صواريخ باليستية أطلقت باتجاه قاعدة الأمير سلطان الجوية    جريزمان: اللعب في نهائي الكأس حلمي.. واستقبال هدفين يعني ضرورة التحسن دفاعيا    فليك: التعادل أمام نيوكاسل إيجابي وسنرى مباراة مختلفة في كامب نو    طلب إحاطة بشأن تداعيات زيادة أسعار الطاقة وكفاية الإجراءات الحكومية لحماية المواطنين    الجيش الأمريكي يعلن تدمير 16 زورقاً إيرانيا لزرع الألغام    أراوخو: سعداء بالنتيجة أمام نيوكاسل.. والإرهاق نتيجة الجهد المبذول    نشأت الديهي يحذر من احتمالية تورط الخليج فى حرب طويلة مع إيران    القاهرة الإخبارية: الإمارات والكويت تتصدّيان لصواريخ ومسيرات إيرانية    خلافات عائلية وتعدٍ ب«الشوم».. الأمن يكشف تفاصيل فيديو استغاثة معتمر بالمنوفية    جحد قلبه من أجل المال.. ضبط مسجل خطر هدد والدته بالذبح في شوارع قنا    انتقام من خلف القضبان.. كواليس إشعال النيران في محل تجاري بالمحلة    احتفال الجامع الأزهر بذكرى فتح مكة بحضور وزير الأوقاف ووكيل المشيخة    مباشر.. أول صلاة تهجد في الأزهر الشريف ليلة 21 رمضان    محافظ الدقهلية يتابع أعمال حملة ليلية لإزالة الإشغالات بحي غرب المنصورة    وزيرة التنمية المحلية: مصر تتبني سياسات الاقتصاد الأخضر والأزرق    النائب ضياء الدين داود يدعو لعقد جلسة طارئة بعد رفع أسعار الوقود    وزير الطيران في مستقبل وطن: تطوير مصر للطيران ورفع كفاءة المطارات أولوية    الشباب والرياضة بجنوب سيناء تطلق ندوة بعنوان "دور المرأة في المجتمع"    محافظ الدقهلية يوجه بتوزيع أسطوانات البوتاجاز بالدراكسة بالسعر المقرر وإلغاء حصة 4 مناديب مخالفين    6-1.. بايرن ميونخ يصعق أتالانتا في عقر داره    الهلال يعلن تعافي نيفيز ويستعد لمواجهة الفتح بالدوري السعودي    حوار مفتوح للتعرف على الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين بسيناء    غدا.. عزاء اللواء عماد عبد الله زوج الإعلامية إيناس عبد الله بمسجد الشرطة    أخبار الاقتصاد: أسعار الزيت تواصل الارتفاع، 45 مليار جنيه أرباح البورصة بمنتصف الأسبوع، ارتفاع أسعار الذهب، صعود سعر صرف الدولار أمام الجنيه بنهاية التعاملات    دعوات للتصعيد في الشارع رفضا لزيادة البنزين.. "التواصل" يرد على "تراجع" مدبولي: أبقى قابلني !    فى ذكرى يوم الشهيد.. اللواء سمير عبدالغنى: تضحيات أبطال القوات المسلحة صنعت استقرار مصر    «معهد ناصر» يعلن عن وظائف جديدة وفتح التعاقد مع التمريض بنظام الشفت المرن    بهدف وحيد.. الجونة يفوز على المصري ويقفز للمركز الثامن    موعد مباريات اليوم الأربعاء 11 مارس 2026 | إنفوجراف    الدكتور مصطفى الفقى: الوحدة الوطنية فى مصر ولدت من رحم ثورة 1919    وجبات خفيفة صحية لأبنائك خلال المذاكرة بين الإفطار والسحور    «الصحة» تطلق 3 قوافل طبية في أسيوط والجيزة والبحيرة ضمن «حياة كريمة»    الشرطة الكولومبية تضبط أكثر من طن من الكوكايين    رئيس جامعة المنوفية يشارك أسرة من أجل مصر الإفطار الجماعي    عمر حسانين يكتب: «عظم شهيدك».. سلاما على الذين منحونا الحياة    صحة الإسكندرية: اعتماد المخزن المركزى للطعوم من هيئة الدواء المصرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كانت النيران تُلفّ النّاحية الشّماليَّة بأسرها

علي خِلاف ما ألفيت الحال عليه، ثمّة مَنْ يُردد أنّ أحداً لم يعد يقرأ. السُّجناء يقرأون. يُخبرني حَدْسي أنّ حُريَّة اتصالهم بأجهزة الكمبيوتر مُقيَّدة. إجحافٌ مُفرح بالنسبة لي؛ فأعذب رسائل القرّاء التي تلقيتها وهي أيضاً رسائل القرّاء الوحيدة التي تلقّيتها جاءتني من سُجناء. رُبّما كُنّا جميعاً سُجناء؟ في حيواتنا، عاداتنا، وعلاقاتنا؟ هذا ليس جيداً، في رأيي. بل ربما كان شرّاً حتّي، أنْ تستميل بؤس الآخرين.
أودّ التنويه إلي أنّني لمّا بعت الشّريط السينمائي كان زوجي قَدْ هجرني لِلحال. كنت عدت للبيت يوماً لاكتشف غياب حفنة أشياء. خِلتُ أنّنا تعرّضنا للنشل، بعدها عثرت علي حاشية تقول: « لم أعد أقدر علي الحياة هُنا». كان قَدْ أخذ معه الكثير جِدّاً. مثلاً، كانت لدينا مَبْشَرة جبن إيطالي لطيفة أخذها، علي أنه خلّف وراءه معطفه الشّتوي، وطفلاً. لَقَدْ أنجبنا طفلاً معاً، لحد ما. كنتُ أحمله صبيَّة أم صبي، لَمْ أشأ أنْ أعرف فِي بطني.
بحثتُ علي الويب عن بديل لِمَبْشرة الجبن تلك لِتوقي الحقيقي لِمْبشرة الجبن الإيطالي. كانت مِنْ النّوعيَّة التي تعمل كطاحونة، لا كمقشرة. ولها مقبض أجد مُتعة في إدارته. كان ثمّة عدد مِنْ المَباشِر المُشابهة المتوافّرة لكن بمقابض رفاهيَّة غير جذّابة. أخيراً، عثرت علي نفس الموديل. هل كانت مسألة إعادة شرائها سابقة لأوانها؟ لقد مضي يومان علي نفس المنوال جوهريّاً. بعدها، يوم الأربعاء، اتصل أخي وأطلعته علي مستجدات حياتي.
- أهلاً، هذا أمرٌ جلل حقّاً.
- نعم. أمرٌ جلل- بعدها قال-: خِلتهُ فانتازيا يا تريشْ. أعني كان لابد أن أقول لك بشأن...
- بشأن ماذا؟
- المدوّنة- وأردف: مدوّنته. لا أحتمل زوجتي دوت بلوجسبوت دوت كوم.
- هل تُكابد واحدة مِنْ أطوار السُّهاد مرّة أخري؟
- تريشْ، أعلم أنّ كلامي يجعلني أبدو متطفّلاً، لكن جوناثانْ دائماً ما بدا مُتباعِداً قليلاً بالنسبة لي كما تعلمين، لذلك عقب أنْ غادر شقّتك مرّة، لمّا كنتُ بمفردي هناك، لا أدري، آسف، فتحت حاسوبه النقّال وتفحّصت تاريخ المتصفِّح. غمرني فضول بشأن صوره الفاسقة وخطر لي احتمال وجود بعض الصّور الفاسقة الشاذّة...
- وهل كانت ثمّة صور فاسقة شاذّة؟
- مُطلقاً. ما كان في حدّ ذاته شاذاً. لا صور فاسقة. فقط مدوّنته. و...
- لا بأس، طيب. أُفكِّر في شراء مبشرة جبن إيطالي جديدة...
- حسبتها هجاءً يا تريشْ. مُضحكة جِدّاً. انظري، كنتُ أعلم أنّك تعجزين عن نطق بعض هذه الأشياء حتماً. أقصد أنّك دقيقة يا تريشْ لكن هادئة. كيف لي أنْ أعلم أنّ جوناثانْ كان جادّاً؟ قلت في نفسي قَدْ تكون مثل تلك الأمور صِحيَّة. الفكاهة صحيَّة. رُبّما هي طريقة صحيَّة لجوناثانْ كي ينفِّث عن غضبه، أو بعض مشاعره المجروحة. فانتازيا صِحيَّة كما تعلمين، لم أدر ما أفعل يا تريشْ، وقَدْ سألت الطبيب النفساني لكنه لم يلق بالاً! فقررت ألا أتدخّل. انظري، لا تغضبي مِنّي يا تريشْ، لستُ إلا عابر سبيل مصدوم هُنا...
- لا تكفّ عن ندائي ب تريشْ، ولا تفعل هذا إلا حين تحاول تجنّب شيء ما. كان عليك أنْ تأتي وتقول ما تشاء بدلاً من قول تريشْ طوال الوقت.
- سأجيء وسنقرأ معاً. أو لا. لو أنّ هذا ما تشائين. أيَّاً كان ما تشائين.
لم أكن أنوي قراءة المدوّنة. كِتابة غزيرة هُناك فِي الدّنيا ومَنْ يرغب في قراءتها؟ لستُ أنا.
كُل هذا وقع بعد نشر روايتي الأولي بوقت قصير، وكانت لديّ بعض النّقود، بل وبعض المهابة، وحققت الرّواية بعضاً من الرّواج، أقلّه أنني تلقّيت مُقدّماً لائقاً وبعض النّقود لِقاء الحقوق الأجنبيَّة أيضاً كان حلماً !- علي أنّي لَمْ أمتلك لا الكثير مِنْ المهابة ولا النّقود أيضاً، بل البعض منهما. كانت الرّواية قِصّة حُبّ بين طائر وحوت. لِمَ كنتُ قليلة المال حقّاً؟ جزئيَّاً لأنّ النّقود محض ذباب، كما يتردد، أو أُحزِّر أنّه الوقت كما يقال عنه أنه مُحلِّق، والنقود أيضاً. مُجنّحة جِدّاً. مع ذلك، أحد أكبر الأسباب وراء عدم امتلاكي نقوداً كثيرة أنّي كنتُ أدفع زوجي بطريق كُليَّة إدارة الأعمال. أقلّه، خِلتني كنتُ أفعل ذلك، لكن تبيّن أنّه حتّي لَمْ يُدرج اسمه في الكُليَّة رحت أفتش عنه طبعاً وأنّه كان يعمل تلك السّحوبات الماليّة لِجهة الأقساط الدّراسية لحسابه الخاص. حظي زوجي بطبائع لطيفة عِدّة وكان شعره غير المغسول فردوساً بالنسبة لي. لَمْ يسألني أبداً عمّا فعلت بأي يومٍ كان، وسقطنا بجنون في هوي بعضنا في غضون ثلاثة أسابيع، كان هذا لطيفاً. اعتاد مناداتي بالفرخة الصّغيرة. لا أزال افتقده.
لكن لنعد إلي الموضوع. امتلكت بعض المال لكن ليس الكثير. كانت قضبان سجن الإفلاس تنبت من حولي أثناء أحلامي، مثل ذُرة سحريَّة بريّة. اتصل وكيليعذبٌ جِدّاً أنْ يتّصل بك صديق .. أو، كلا، ليس صديقاً..لكنه صديق لحدٍّ ما ليري إن كنت مُهتمّة بحضور لقاء مع بعض العاملين بالسينما. بدأت بالصّراخ، بعدها تجاوزنا الأمر. سينحصر اللقاء بالحديث عن بعض النوايا، لا صفقات كُبري، لكن مُحتملة. أحبّوا السيناريو المُعدّ عن روايتي لم أعدّ سيناريو، بدا هذا مُجرّد اِلْتِبَاس لكن برأيهم سيكون مُكلفاً جِدّاً التصوير تحت الماء كذلك التصوير مِنْ طائرة. أرادوا قِصّة حبّ أرخص. تُري ماذا لو كانا حيوانين بريين ؟ علي أي حال، جري اقتراح لقاء آخر وتصرّف وكيلي كأنّي قَدْ أعثر عليه تحتّي، وكأنّ رواية أخري ليست إلا عملاً باهظاً، ورغم علمي عدم تصديقه بصورة حقيقيَّة أنّ كتابتي مُفرطة الجديَّة درجة تحول بينها وبين تحويلها لفيلم سينمائي، فقد خِلته لُطفاً منه أنْ يتظاهر كأنّ الحقيقة خلاف ذلك.
- عظيم، عظيم.
قلت بنبرة من يفضّ لقاءً. وأردفت:
- أنا معك قلباً وقالباً.
- قلباً وقالباً؟
سعلتُ، كأمن أموضع المُشكلة في حلقي.
- إذن لا مانع لديك؟
- بحماس سأكون هُناك.
- مثلما جري حتّي لك ، هذه فكرة هُناك.
وصدمني احتمال أن اللقاء نوعاً ما كان في سبيله لإنقاذي، أو أقلّه لا يتعيّن عليّ أنْ استخفّ كُليّةً بمسألة التحضير له، ما دام ثمّة احتمال قائم أن ينقذني بعض الشيء. قَدْ يصير أمراً جيداً جِدّاً. يُمكنني أنْ أشاهد نفسي أُقدِّم أفضل ما بوسعي ومِنْ ثمة الإحساس بأني علي ما يُرام بسبب هذا الانجاز، وهذا الإنهاك. أهون ما أقدر عليه، بالنسبة لي وبالنسبة لثمرة الزّواج كذلك كان أنْ أفتح ووردْ فايلْ. أو، إنْ أخفقت، أدوّن فِي عُجالة بعض الملاحظات علي مستند قانوني. اسمح لي أنْ أقول الآن فقط؛ فأنا لا أؤمن بالتشويق أو أقلّه أحسّ بالسفالة حين أسعي بالتورّط فيه، رُبّما في الغالب بسبب عدم اتقاني له أنّني لم أستعد للقاء أبداً.
زَارني ديفيد صديقي. أراد أنْ يستلف نقوداً. كان حظّه السيئ أوفر مِنّي، إلي مَتَاعِب الأسنان المكلفة وإدمانه الوَخْز بالإبَر. تكلّمت معه عن الرّحيل وكذلك عن المدوّنة.
كان مَلِمّاً بالفعل بأمر المدوّنة. هو الآخر صادفها أثناء تفحّصه تاريخ المتصفَّح بحاسوب جوناثانْ النقّال.
قال ديفيدْ: « الرّجل يمتلك مُخيَّلة جامحة جِدّاً. لَمْ يكن لِيخطر ببالي ما فعل. تصوّرت ضرورة احترام موقفه»
- لِمْ لم تصارحني؟
: هل تذكرين خصامك لي شهرين بعد أنْ قُلت إنّك كنت طائشة بسبب زواجك بعد أسبوعين؟
كنتُ سمعت فِي الآونة الأخيرة شخصاً يستعمل لفظة « صريع». هذه الكلمة جعلتني أعود بتفكيري إلي سنوات طفولتي في كِنتاكي، ولا أدري سبباً لطريقة التفكير تلك. صِرتُ امرأةً مُتحضّرةً مُشتهاة، وبالتالي رُبّما تعرّضت حياتي بحقّ لمصائب هائلة، كمثيلاتها في كوميديا الأخلاق لا كخسارة طرف أمام نَصْل جرّار، فتلك مسألة أخري. ما لم تكن هُناك دماء علي الأرضيَّة، إذن لم يكن في الأمر تراجيديا. هكذا كانت تعني كلمة «مُتحضِّر «. أو قَدْ تعني صريعاً. كَذلِك صادفت مرّة عبارة تصفُ كتاباً « يرقدُ مثل وحش برّي صريع بوسط حياتي ». كانت حياتي هي مَنْ يرقد بوسط حياتي هكذا، مثل وحشّ بري صريع.
- كُنّا لا زلنا نتعاشر. والنّاس لا تُعاشر من تكره.
قال ديفيد: طيب، هذا غير حقيقي.
كان ديفيد كاتب سيناريو طموح وصديقي المؤتمن. لم أصارحه بشأن لقائي السينمائي المُقبل. لَقَدْ صار جو الخيانة مُسيطراً.
استطردت: الرّجال يشتهونني.
ويدي فوق بطني التي آوت مخلوقاً مجهول الجنس.
- صِدْقاً. البارحة فقط استوقفني رجل فوق الرّصيف كي يسألني إن كنت طليانيَّة.
- و مَنْ تكلّم عن النّفور منك؟ لستِ إلا مُعذّبة.
- رُبّما لست مُعذّبة.
- لأقتصّ من نقودي. هو التسامي الكانتي ما تكابدينه. ثمّة حياتك، مِنْ ثمّ تلمحين رحابة المجهول الّذي يطوّق جَزَيرة المعلوم متناهية الصِّغر تلك.
تسامي. تصوّرته نكهة. رُبّما كان يتعلّق بالليمون البلدي. لَمْ أدر ماهية التسامي الكانتي. مِنْ الأهمية أنْ أكون مُضيفة منصتة. وزوجة، فيما يتعلّق بهذا. ذهبت إلي المطبخ وأحضرت بعض المكسّرات والخَرْدَل والمربّي، كُلُّ ما لديّ. عثرت علي بعض الأطباق المزخرفة للتقديم. بغتة دهمني قلق من احتمال رحيل ديفيدْ، بذلك لا تتبقّي لي صحبة في الدّنيا.
- أتعرف مِمَن أتلقّي رسائل مُعجبين؟ أتلقّي رسائل مُعجبين. هذا شيء ذو بال، أليس كذلك؟ ربما ثمّة مسافة معُيَّنة بيني وبين مَنْ يحبونني. لا
أتلقّي رسائل مُعجبين إلا من رجال. فقط مساجين رجال.
وضعتُ خليط المكسّرات.
- صحيح لم تلق ولو نظرة علي المدوّنة؟
لَمْ يُعر ديفيدْ المكسّرات انتباهاً.
- مِنْ جهة أريد تهنئتك. لكن رُبّما كان مفيداً لو ألقيت نظرة.
فرشت الخَرْدل فوق نُقْلَة.
قال ديفيدْ: بدوري تعوّدت علي تلقّي رسائل إعجاب من سجناء. وأردف: فِي الماضي لمّا كنت أؤجر ما أكتب بذلك العمود لمجلّة
هل تباريني؟
- بل أشاطرك. هذه حميميَّة يا تريشْ.
- إحدي الرّسائل التي تلقيتها كانت عن الحُبّ. تقريباً سبع صفحات. كأنّها بحث فلسفي مسهب في طبيعة الحُبّ كتبه صبي حاد الذّكاء لم يتجاوز خمسة عشر ربيعاً. لا عن المضاجعة، بل الحُبّ. لقدْ شدد علي ذلك رُبّما سبع مرّات تقريباً. رُبّما يعني ذلك أنّ ما تعلّق بممارسة الحُبّ. مهما يكن مِنْ أمر. يتعلّق بالحُبّ.
- ما تقولينه بشكلٍ ما غير لائق، لا يبدو أنّك علي طبيعتك.
كانت الحياة، هكذا أري، سلسلة مِنْ العثرات فِي القلب مِنْ التسامي الكانتي. لا يعني ذلك أنّي ميَّزت بين تسامٍ وآخر، كما سبق أنْ قلت، لكن نويت سؤال ديفيدْ عن ذلك لمّا أحسّ أنّي أقل قابليَّة للعطب.
- طيب، لَقَدْ قال هذا الفتي أنّه أراد التشديد معي علي بعض الانطباعات بشأن الحُبّ والتي أخلفها كتابي. أراد أنْ يعرف ما إذا كنت أمينة بشأن ماهية الحُبّ. قال إنه سيخرج يوماً مِنْ السّجن وهو مبعث الأهميّة بشأن ردّي عليه كتابة. وقال إنني أستطيع أنْ أستغرق ما أشاء من وقت قبل أنْ أردّ. « قدر ما تحتاجين » وأردف « لابد أنّك مشغولة، لديك عام، لا بأس»
-- هذا كرمٌ منه أنْ أمهلك في جامعته.
خِلتهُا مُجاملة، و لم أردّ.
- هل قلت لك أنّ الطيَّار لقي حتفه تماماً الآن. - جوشْ.
- هل تفتقدين جوناثان؟
- أردتُ أن أحكي لك بشأن هذه الرسالة الأخري أيضاً. لا أدري لِمَ كتب هذا الرجل لي بخاصة. لم يقلْ. هو الآخر كان سجيناً. ومُجامِلاً جداً. قال إن لديه ببساطة فكرة فيلم سينمائي تتعلّق بحادث تونغوسكا سنة 1908، وقَدْ أراد أن يعرف إنْ كانت فَرْضيَّة معقولة القول إنّ التّفسير لحادث تونغوسكا رُبّما يكون المادّة المضادة...
- أتساءل إنْ كان بإمكاني إنجاز الكثير مِنْ العمل لو كنت سجيناً...
- كنتُ أجهل ماهية حادث تونغوسكا، واضطررت للبحث عنه. تبيَّن أنْ هذا المكان كان في سيبيريا حيثُ انبطحت آلاف الفدادين من الأشجار فوق الأرض فجأة دون أنْ يزعج عالم واحد نفسه بالتحقق طوال سنوات وسنوات. لكن تواترت تقارير عَنْ أصوات لا تُحتمل دوّت ورياح مروعة وأضواء زرقاء عجيبة. لابد بدت وترددت كأنّها قيامة الدّنيا. يعتقدون أنّه رُبّما كان نيزكاً. وقَدْ رأي البعض عموداً من نور أزرق قريب مشرق كأنّه الشّمس، يتحرّك من الشمال إلي الشّرق. وقال البعض الآخر إن النّور لم يكن يتحرّك، بل يُحلِّق فحسب. و قَدْ تهشّمت نوافذ تفصلها عن المكان مئات الأميال.
راح ديفيدْ يقرأ لي بصوتٍ عالٍ من مدوّنة جوناثان أثناء قيامي لإحضار روايات شهود العيان المطبوعة التي عثرت عليها علي ذلك الشيء المروع المسمّي الشّبكة.
- أترين، أنت لست أنت حتّي.
راح يُردد.
- ششش. انصت.
رُحت أقرأ بصوت عال: اتسع الشقّ في السّماء وكانت النّيران تلفّ النّاحية الشّمالية بأسرها. فِي هذه اللحظة ارتفعت درجة حرارتي جِدّاً حدّاً عجزت أن أطيقه، وكأنّ قميصي اشتعلت فيه النّار. أردتُ أنْ أمزّقه وأطوّحه في الهواء، لكن عندئذٍ أطبقت السّماء ودوت قرقعة قويَّة، وطرتُ بضعة ياردات...
- يا الله. كنت أودّ لو كنت هُناك، كان هذا هو التّسامي حقّاً...
- يُقال إنّه طوال ليال كثيرة تلت، كانت السماء فوق آسيا وأوروبا ساطعة ما يكفي لقراءة الصُحف.
-هل كتبت ردّاً علي الرسالة؟
- نقلت له إخفاقي في العثور علي سبب حال دون اعتبار المادّة المضادة تفسيراً منطقيَّاً. مع ذلك مَنْ أنا كي أجيب علي هذا التساؤل؟ وتمنّيت له حظّاً طيباً مع فكرته. لعلّني حتّي وقّعت الردّ ب « محبّتي». أقرضت ديفيدْ ثلاثمائة دولار، وهو ما بدا إبْرَاماً لاستفادتي منه علي أحد الوجوه.
هل أجريتُ ذلك اللقاء السينمائي بَعد ذَلِك، دون استعداد كُليَّاً، بعد أن توضّبت بطريقة تُبرز حبلي، ثُمّ قللت من أهميته، ثُمّ بدّلت الثياب مرّة أخري لأشدد عليه؟ ألم تكن لديَّ أفكار؟ هل شرعت في الحديث عن التسامي الكانتي وعن النيزك وعن الحُبّ؟ قِصّة حُبّ عابرة للأجيال بين راع عجوز في سيبيريا وامرأة مُعاصرة تعمل بالحياكة والتجلّي، والشّعور بأنّ الحياة لُغز فادِح لكن بأواصر سريَّة تربطنا جميعاً؟ لقد فعلت. كُل تِلك الأشياء التي أجهل عامدة أي شيء عنها. النّيازك تقتحمُ مجال الأرض كُل يوم، وأنا كنتُ أخون كثيراً.
أحسستُ أنّني نقيَّة جِدّاً .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.