بلا شك إنها مفارقة مؤلمة، حينما كنت أعيش في الناصرية وهي مدينة متخلفة بكل المقاييس، كنت أتوق للعيش بمدينة كبيرة ومتحضرة، أحلم بباريس وأتنهد، أحلم بروما ونيويورك ومدريد، دون أن أعرف أو أفكر للحظة كيف سأعيش هناك، كيف أتفاهم مع الناس؟ أين أسكن ومن أين لي المال لأنام مع الشقراوات وأتبادل معهن اقداح النبيذ الغالي؟ وحينما دار الزمن دورته وجدت نفسي صدفة أعيش في نيويورك، أصابني الرعب فأخذت أحلم بالعودة الي الرحم القديم، أحلم بكوخ في قرية نائية من قري الناصرية، أرعي الاغنام وأقتات علي التمر واشرب من الآبار، علي ان أعيش هنا. بحثت طويلا عن منزل رخيص بعيد عن المدينة، حتي وجدت ضالتي في اعلان بجريدة، اتصلت بالرقم فوصلني صوت واهن تبينت ان صاحبه رجل كبير السن. بمجرد ان سألته عن البيت قال. - من أي بلد أنت ؟ قلت: - من العراق صمت الرجل لدقيقة ثم قال: - المنزل قديم ومتهالك ويحتاج الي ترميم قلت: - سأحاول اصلاح ما أقدر عليه انا أعرف أنكم شعب كسول، لكني سأجرب، تعال لرؤيتي غداً . استأجرت سيارة تاكسي للوصول الي المكان الذي بدا لي خارج امريكا حيث استقبلني الرجل العجوز ذاته، قال بمجرد ان رآني: - هذا انت ايها الجرذ ؟ كان بديناً ومرحاً، لم تكن تبدو عليه اية علامات كراهية رغم لسانه البذيء. قال: - تعال معي ايها النغل العراقي، هذا المنزل ابن القحبة يحتاج الي عمل كثير، لن اطالبك بإيجار اذا عملت جهدك ونكتّه جيداً. كان المنزل مخيفاً، بناء قديم مخلّع الابواب والشبابيك ومغطي بأكمله بالنباتات المتسلقة والأحراش والأدغال ، شعرت بالخوف وأردت العودة ادراجي . قال وكأنه حدس ما افكر به. - لو كنت مكانك لما رفضت العرض، انا عجوز فاسق ولا استطيع نيك كل هذه الاحراش النغولة، هناك في المستودع كل ما تحتاج من ادوات وعدد كما ان هناك بندقية صيد قحبة، لا تخطيء اي طيز في هذا الكون الخايس، يمكنك صيد الغزلان ذوات المؤخرات السمينة في أوقات فراغك، وإذا لم تجد ما تطلق عليه النار اقتل نفسك ونكون بذلك قد خلّصنا العالم من عراقي نغل. ثم صافحني بحرارة وهو يقول: - نيك روحك زين في هذا حفرة الخراء هذه . ادار محرك سيارته وقبل ان يغادر قال - ما أسمك ؟ قلت - سعيد قال - ما معني سعيد ؟ - فرحان ابن القحبة ، لا يبدو عليك اية علامة من علامات السعادة ، انا يدعوني الناس العم (دوفوس)، اسم شرير ولامع ، احبه كقحابي ، الان وداعاً يا سعيد ، سأعود بعد شهر لأري طيزك. بعد ان غادر انتابتني نوبة شريرة من الضحك ، دخلت الي المستودع وأنا اقهقه، كنت اريد ان اري البندقية واطلق النار علي الهواء والأشجار أو علي آي شيء يتحرك . كان المستودع مليئاً بالأطعمة المعلبة والفواكه واللحوم المجففة وأدوات الشغل والأخشاب والمسامير والمناشير ، وبداخل صندوق وجدت البندقية تستقر هناك مع عدد وفير من الخراطيش . قلبتها وأنا اشعر بسعادة غامرة ، انها قديمة ربما تعود لجد العجوز دوفوس ، ربما قتلت هذه البندقية العديد من الهنود الحمر ، لكنها كانت بحالة جيدة ، ثقيلة وأخمصها صنع من خشب ( الاوك ) وفيه زخارف جميلة تصور قروداً يطاردها صقر ، الصقر في هذه البلاد مقدس ، اياك ان تطلق النار علي الصقور ، سيأخذونك الي السجن ويعاملونك دون رحمة ، في السابق كانوا يعلقون من يقتل صقراً علي الشجرة مع الزنوج الفارين ، اما اليوم فلا احد يقتل صقراً ، ان رأيت صقراً سأقتله نكاية بالسافل البذيء دوفوس . القمت البندقية خرطوشين وملأت جيوبي بالعتاد وأخذت اتجول بالجوار . المنزل بعيد جداً عن المدينة والأسواق ، لا أحد بالقرب مني ، تسكعت بالمكان الموحش ، مشيت لما يقرب من الخمسة كيلو مترات حول المكان ، فلم ار اي شيء سوي الاشجار والأحراش ونهر صغير يجري به الماء بسرعة ، عدت ادراجي الي المنزل وتطلعت به جيداً ، انه يحتاج الي جوقة عمال مهرة ، وأنا مجرد عراقي كسول كما يظن دوفوس . رتبت غرفتي ونظفتها من الغبار وبيوت العناكب وفرشتها وأصلحت الباب والنوافذ ثم جلست في الشرفة والي جانبي بندقيتي العزيزة كواحد من احفاد الكاوبوي بانتظار هندي أحمر، كنت اشعر بسعادة غامرة ، انا حر اخيراً ، وهل هناك شيء أجمل من الحرية ، سأقضي حياتي هنا وان شعرت بالملل سأطلق النار علي رأسي وأخلص العالم من فم يحتاج الي طعام ، سأوفر لقمات لطفل جائع في افريقيا. عند المساء اشعلت ناراً وطبخت عليها عشائي كأجدادي القدماء اصحاب الهور والمشاحيف والجواميس حينما يعودون من يوم عمل شاق ، أخذت أغني مثلهم، أنين يأتي حتي وأنا في قمة السعادة والنشوة ، أنين موجع ايقظ حيوات المنزل القديم ، أعاد الروح لساكنيه القدامي ، أجداد النذل دوفوس ، رعاة البقر العنيفين ، فرأيت أو هكذا بدا لي راعي بقر مع كلبين يرافقانه يتجه نحوي في الظلمة. كان أول درس تعلمته في غربتي هو أن لا أثق بالغرباء ، لا آكل من طعامهم ولا اريهم ما بجيبي ولا ابوح لهم بشخصيتي ، وضعت اصبعي علي الزناد وزعقت من هناك ؟ لا تخف ، انا دوفوس الصغير ، جئت لأطعم الجد. . كان شاباً في العشرين من عمره ، طويلا ووسيماً وازرق العينين يشبه دوفوس الاب حينما كان شاباً ، تحدث الولد مع الكلبين الضخمين: انه صديقنا الجديد اقترب الكلبان مني وأخذا يلعقان أصابع قدمي . قال وهو يبتسم: - انهما يرحبان بك ، اعجبتهما ملوحة قدميك ثم دخل الي المنزل . هل هناك من يشاركني السكن ، لماذا لم يخبرني دوفوس البذيء؟ انتظرت طويلا حتي يغادر وعندما يئست دخلت الي المنزل فوجدته في المطبخ يجلس مع رجل عجوز أكل عليه الدهر وشرب. قال العجوز الهرم - لافرق بينه وبين الهنود الحمر كلا يا جدي ، انه عراقي لا افهم ، انه زنجي أذن ؟ اسمع غداً سنذهب لصيد الهنود سأعطيك دولارات مقابل كل رأس. ابتسم الشاب وقال - ان جدي مخرّف ، لا عليك منه قال العجوز: - صدقني ان لم نقتلهم سيقتلوننا اسكت ايها العجوز ؟ ستري ما يحدث الليلة ، ربما سيهاجموننا عند الفجر ، كن يقظاً يا كاوبوي . دخلت الي غرفتي واستلقيت علي الفراش . عند الفجر سمعت أصوات رصاص كثيف تنطلق من المنزل . رفعت رأسي بحذر وألقيت نظرة الي الخارج ، رأيت العجوز الهرم وقد أعتمر قبعة ووضع سيكارا بزاوية فمه وهو يركض بخفة في كل الاتجاهات ويطلق النار ، وحينما رآني قال بهمس . - كاوبوي ، كاوبوي ، تعال هنا وساعدني بقتل هؤلاء المتوحشين . ثم مد يده بجيب بنطاله وأخرج دولاراً فضياً وقذفه ناحيتي . سأعطيك مثل هذا علي كل رأس قلبت الدولار الفضي بأصابعي ، انه يعادل مئة دولار في زمننا هذا . قلت - نعم يا كولونيل ، انا من يحمي ظهرك . أشهرت بندقيتي علي صقر يحوم حول المكان وأطلقت عليه النار نكاية بدوفوس السافل . هوي الصقر وسقط بين الاشجار ، قفزت وانا أهلل وأصرخ - قتلت زعيم الهنود ايها الكولونيل . - عظيم عظيم ، قتلت الزعيم ابو ريشة ، خذ هذه خمسة دولارات . اطلقت النار بكل الاتجاهات وعلي أي شيء يتحرك ، والكولونيل يهبني المزيد من قطعه الثمينة . وبين لحظة وأخري يلتفت الي ويقول . - هل حقاً قتلت كل هذا العدد من الهنود ؟ - بالطبع يا سيدي فأنا عراقي لا أجيد شيئاً سوي القتل.