د. سمير فرج منذ أكثر من عامين ونصف تقريباً، وتحديداً يوم 14 يناير 2016، عرضت، في أحد مقالاتي الأسبوعية، أهم وثيقة أمريكية، صدرت آنذاك، لتناقش الوضع في مناطق الصراع المختلفة في العالم. ولقد اشتملت، هذه الوثيقة، دراسة مفصلة عن مصر، وأوضاعها الحالية والمستقبلية، وعلاقة ذلك بالتطورات في منطقة الشرق الأوسط. وأهم ما ركزت عليه هذه الوثيقة، أن مصر تطفو فوق بحيرة من الغاز الطبيعي والبترول، تتركز في منطقة شمال الدلتا، علي سواحل البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في المنطقة الغربية، مؤكدة أن ذلك من شأنه إحداث اكتفاءً ذاتيا، لمصر، من الغاز الطبيعي في نهاية عام 2018، وهو ما نشهد حدوثه الآن، بعد عامين ونصف تقريباً من صدور هذه الوثيقة. وتكمل الوثيقة تحليلاتها، المبنية علي بيانات وحقائق، أن مصر ستبدأ في تصدير الغاز الطبيعي إلي دول أوروبا، في مطلع 2020، مختتمة توقعاتها بأن مصر، ستصبح، حينها، أي بحلول عام 2022، قوة اقتصادية كبري، في المنطقة، يعززها ثروتها البشرية، وموقعها الجيوبولتيكي المتميز، وتاريخها العريق، وثقافتها التي يمتد تأثيرها إلي المنطقة العربية بالكامل. ولقد أشادت تلك الوثيقة، السرية، بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي، كان له نظرة مستقبلية ثاقبة، بشأن الأوضاع في المنطقة، فبادر بأهم حدثين، فور توليه السلطة في مصر، كان أولها ترسيم الحدود البحرية مع كل من قبرص، وإسرائيل، واليونان، لحقن أية صراعات مستقبلية، لإضافةو إتاحة القدرة أمام شركات التنقيب العملاقة، من القيام بدورها؛ إذ أنه من المعلوم أن تلك الشركات لا تقدم علي تنفيذ أية عمليات استكشافية عن الغاز والبترول، ولا تستثمر تلك الاستثمارات الضخمة، التي تتطلبها عمليات التنقيب، قبل التأكد من الحدود، سواء البرية أو البحرية، لمناطق الاستكشافات، بما يضمن لها حقوقها المادية من الدول الواقعة فيها. أما ثاني قرارات الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أشادت به تلك الوثيقة، فكان دعمه لقواته المسلحة المصرية، وتنويع مصادر حصولها علي الأسلحة والمعدات، خاصة في مجال القوات البحرية، بشراء حاملتي الطائرات المروحية الميسترال من فرنسا، والأربع غواصات من ألمانيا، والتي تعد أحدث أنواع الغواصات في الترسانة البحرية في العالم. فضلاً عن تعزيز قدرات القوات الجوية، بإضافة مقاتلات جديدة إلي الأسطول الجوي، بشراء طائرات الرافال من فرنسا، وطائرات الميج 29، والسوخوي من روسيا. وأيقنت الوثيقة أن تلك الصفقات تهدف إلي حماية الاستثمارات المصرية في منطقة الصراع المستقبلية في البحر الأبيض المتوسط. وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد قام، في ذلك التوقيت، بزيارة كل من قبرص واليونان، حيث وقع اتفاقيات تعاون مع كلا الدولتين، وحدث، بالفعل، ما كان متوقعاً، حيث حاولت تركيا التحرش بأعمال التنقيب عن الغاز الطبيعي، أمام سواحل قبرص، مدعية أن للجزء التركي من قبرص، الحق نصيب من تلك الثروة المرتقبة، وعلي الفور تصدت إيطاليا لهذا التحرش، بإرسال مدمرة بحرية، لمرافقة، وحماية حفارات شركة إيني الإيطالية، المكلفة بالبحث عن الغاز أمام سواحل قبرص. ومن هذا المنطلق، نفذت القوات البحرية المصرية واليونانية والقبرصية، تدريبات بحرية مشتركة في الفترة الأخيرة، لتكون بمثابة رسالة ردع، لكل من تسول له نفسه، التحرش بأعمال التنقيب في المنطقة. ولقد ظهر مؤخراً، سبباً إضافياً لضرورة تأمين المنطقة، حيث وقعت مصر اتفاقية لتحويل الغاز الإسرائيلي والقبرصي إلي موانئها، لتسييله قبل إعادة تصديره، مرة أخري، إلي دول جنوب أوروبا، لتصبح مصر، بذلك، المركز الرئيسي، الوحيد، للغاز الطبيعي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وهو المشروع، الذي من شأنه فتح أفاق جديدة للاستثمارات في مصر، وتعزيز دورها الإقليمي، وهو ما يتطلب، تباعاً، إجراءات أكثر من الحماية والتأمين. ومن هنا جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لجزيرة كريت اليونانية، في نهاية الأسبوع الماضي، وعقد القمة المشتركة مع رئيس قبرص، ورئيس وزراء اليونان، للمرة السادسة، حيث تم مناقشة أهم قضايا المنطقة بدءاً من الإرهاب الذي يمكن أن يطول هذه الاستثمارات، كما تم مناقشة أهم قضايا المنطقة. ولا شك أن اليونان لها دور هام في حل المشكلة الليبية، التي بدأت أحداثها تأخذ شكلا أكثر سخونة، إذ من المنتظر أن يتم إجراء الانتخابات الداخلية بها، طبقاً لما تم الاتفاق عليه بين القوي الليبية، والرئيس الفرنسي، في أواخر شهر ديسمبر من العام الماضي، وبالتالي سيكون لليونان دور مؤثر مع كل من فرنساوإيطاليا ومصر، وهم الدول المهتمة بالشأن الليبي. وكان من أهم هذه المشكلات، التي تم مناقشتها، هو السيطرة علي عمليات الهجرة، غير الشرعية، من أفريقيا الي دول جنوب أوروبا، والتي حققت مصر دوراً هاماً في منعها، أشادت به جميع دول أوروبا، أثناء الزيارة الأخيرة للرئيس السيسي لنيويورك، للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكان أهم القرارات الصادرة عن القمة المشتركة بين مصر وقبرص واليونان، هو تشكيل أمانة دائمة، من تلك الدول، للتأكيد علي زيادة التفاعل بينها مستقبلاً، خاصة في الحالات القصوي، والإجراءات العاجلة، مع استمرار احتمالات تصاعد الأحداث في المنطقة مستقبلاً. كما تم التركيز خلال هذه اللقاءات علي زيارة الروابط في مجالات السياحة والثروة السمكية، ولم يخل هذا اللقاء من مناقشة القضية الفلسطينية، والتأكيد علي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وحقه في دولة مستقلة، عاصمتها القدسالشرقية. ومن ذلك كله، نري أن الدولة المصرية، تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتمتع بنظرة مستقبلية، باتجاه تطور الأوضاع في المنطقة، فتأخذ خطواتها الاستباقية، من أجل حماية وتأمين مكاسبها الاقتصادية، ومقدرات شعبها.