سيد محمود ، عادل السيوي ، نورا رشاد في الثاني من ديسمبر الماضي رحل »عمدة وسط البلد» مكاوي سعيد، عن عمر يناهز 61 عامًا، تاركا صدمة في الوسط الثقافي كله، بكته صفحات السوشيال ميديا، باعتباره شاهدا علي تاريخ طويل للكتاب والمثقفين والفنانين. وفي معرض الكتاب الماضي صدر كتابه الأخير »القاهرة وما فيها» الذي انتهي منه قبيل وفاته بأيام، وراجع مسودته الأخيرة مع الناشر، لكنه لم يتمكن من كتابة الإهداء، وأعد مقدمة كشف فيها أسرار ولعه بالمدينة، وسر شغفه بالكتابة عنها، وقال إنه كتب الكتاب »امتنانا لهذه البقعة المباركة، التي عشنا فيها وتنسمنا نسيمها وارتوينا من عشقها وعاصرنا تحولاتها وتأسينا علي ما يجري لها». الأحد الماضي، نظم بيت السناري، ندوة لمناقشة الكتاب حضرها مجموعة من الكتاب منهم: د.محمد المخزنجي، وعزت القمحاوي، وإبراهيم عبد المجيد، وزينب عفيفي، ونهلة كرم، وعادل الميري، وأدارها الكاتب الصحفي سيد محمود، الذي بدأ بكلمة ألقاها عن مكاوي سعيد الذي ربطته علاقات إنسانية بجميع العاملين في الوسط الثقافي، مضيفا أن مكاوي حقق نجاحات كبيرة خلال مشواره مع الكتابة، الذي بدأ بقوة مع صدور روايته الأشهر »تغريدة البجعة». وأكد محمود أن كتاب »القاهرة وما فيها» يعتبر امتدادًا لفكرة شغلت مكاوي، وهي الكتابة عن مجتمع وسط البلد بما فيه من أشخاص وحالات وتحولات كبيرة، وقد فعل ذلك بشكل ما في كتابه »مقتنيات وسط البلد». وتابع: مكاوي سعيد كان أشبه بكتلة مشاعر تحيط بِنَا، والكتاب هو استكمال لهاجس مكاوي سعيد ومدي ارتباطه بوسط البلد كما أنه يعد جزءًا من كتاباته التي تدور حول عنوان عريض هو مقتنيات وسط البلد حيث كان أول كتاب ضمن هذه السلسلة مرتبطًا بأحداث السبعينيات كثيرًا، مختتما: »مكاوي سعيد طوَّق لما يحيط بِنَا من ذكريات». وقال الفنان التشكيلي عادل السيوي إن مكاوي سعيد احتفظ لنفسه بسر خاص منحه قدرًا هائلًا من المحبة»، لافتًا إلي أنه لا يفهم حتي الآن سبب هذه المحبة الغامرة التي بدت واضحة بقوة يوم وفاته، حيث تحولت مواقع التواصل الاجتماعي لسرادق عزاء، معقبا بأن الكاتب الراحل خلع الباب الفاصل بين بيته والعالم، فصار العالم بيته، وأصبح يمارس وجوده فيه، والسبب في ذلك علاقته الخاصة بوسط البلد، فأصبحت بينهما علاقة خاصة جدًا، ربما تفسر ارتباطه الكبير بالمنطقة واقتراب الجميع منه بهذه القوة. واستطرد: »اشتغل مكاوي بمسائل إنسانية لا توجد في غيره من المثقفين، وهي انشغالات غريبة علي هذا الوسط، فكان يعرف كل شجرة في المنطقة ويسأل عنها إذا لم تحصل علي الماء الكافي ويطالب برعايتها، كما كان يعرف القطط ويتناقش معي حول مشكلته مع قطتين إحداهما تستحوذ علي طعام الأخري باستمرار، طالبًا مني البحث عن حل، بالإضافة إلي تعامله مع أطفال الشوارع والمجذوبين بخصوصية عجيبة، مردفاً: »كان مكاوي إنسانًا كبيرًا، وحالة خاصة جدًا، لا يمكن فصل كتابته عن شخصه». ولم يخف السيوي أنه تفاجأ برد فعل الناس وحجم الألم والحزن الذي أصابهم علي فراق مكاوي سعيد، ليضيف: كنت أسأل نفسي ماذا فعل مكاوي لكي يحظي بكل هذا الحب؟ وحتي الآن لم أجد الإجابة ولكن في رأيي أن أي شخص تعرف عليه لا مفر من أن يحبه فهو يصل للقلوب بسرعة. ليتابع: وجوده في فضاء العالم هو شيء مختلف وغير نمطي وأعتقد أن السبب في هذا أنه تربي في وسط البلد وكانت تربطه علاقة حميمة بالمكان، أنا مُتيم بشخصية مكاوي سعيد وأشعر أن حضوره يشبه العمل الفني لأنه كان يعيش حياته كأنه عمل فني، وأيضاً من الأشياء المعروفة عنه أنه شخص يشبه نفسه فقط فكان يعشق قطط الشارع ويوفر الطعام لهم لدرجة أنه كان يطلق عليهم أسماء من وحي خياله. وأردف بعد ذلك قائلا: لم يقتصر عمل مكاوي الأدبي فقط علي حب الناس ولكن امتد لشخصه، فهو لديه خصوصية لم نرها من قبل، كما أنه كان ابن مدينة حيث تختلف كتابة المدينة عن كتابة الريف، فكان مكاوي يتعامل مع القاهرة علي أنها شخوص لم تفهم دوافعها، وعندما كتب رواية زأن تحبك جيهانس كان يريد أن يشرح كيف يتمكن الناس من الحب، فلم تكن وسط البلد قريبة لمكاوي لأنها المركز فقط بل كان لهذا المكان الكثير من التصورات، فالناس تخرج للتجول في شوارع وسط البلد ليس فقط لغرض التسوق ولكنهم يخرجون لاستنشاق الهواء. وتطرق الكتاب، إلي شخصيات تركت علامة في عقول المصريين، علي رأسهم أم كلثوم ومحمد فوزي وعبدالفتاح القصري وتحية كاريوكا ونجيب الريحاني وزكريا أحمد ومحمد القصبجي وسامية جمال وأنور وجدي وعلي باشا مبارك؛ وذلك في عرض لمشاهد في حياتهم، بحس أدبي وساخر. وهو ما استشهد به »السيوي» قائلا إن »وسط البلد» هي العاصمة الفخرية للقاهرة، فهو يتحدث في »كتاب القاهرة وما فيها» عن الجزء البارز في القاهرة من مشاهير وبيوت المشاهير التي لها بطولة في القاهرة ويعطي الكثير من النماذج عن تلك الملامح البارزة ليذكر أنه كان مشغولا بشكل متواصل بكشف حكايات لم نعرفها عن الشخصيات المشهورة مثل حكاية »عبد الحليم والثلاثة آلاف جنيه». وحكاية »أم كلثوم وأخواتها الذين كانوا يعاملونها وكأنها الفرخة التي تبيض لهم الذهب وكانوا يقومون بحراستها وهي تغني»، معقباً: أحببت النصوص التي اقتبسها مكاوي من كتابات للآخرين فهي اختيار بديع، فمكاوي يمزج بين التوثيق والرواية. من جانبها أشارت الناشرة نورا رشاد إلي أن علاقتها ب»مكاوي» لم تبدأ منذ فترة طويلة، ولكنها عرفته جيدًا ككاتب مهم وإنسان أيضًا، مؤكدة أنه اهتم كثيرًا بهذا الكتاب. وأضافت: »لم يصدر الكتاب بإهداء بسبب أن مكاوي توفي قبل أن نصل لخطوة الإهداء، كما تحدثنا كثيرًا حول تقليل حجم الكتاب الذي لم يشأ هو أن يخفض عدد صفحاته، وبعد رحيله عرفت من أصدقاء مشتركين أنه لم يكن يريد استبعاد أي صفحات، وكان يشعر بالحرج أن يخبرني بذلك، ولذلك بات عندي إصرار أن يخرج الكتاب كما أراد دون أن ينقص منه شيء». وأضافت: الكتاب يعد استكمالا لمسيرته وحبه للقاهرة وشعرت أن كتاب كراسة التحرير قد ظلم لأنه كتاب رائع ومتصل بفكرة مقتنيات وسط البلد هو الآخر، لتعلق: لم يكن هذا العنوان هو الأول ولكن بعد طول تفكير استقرينا. فيما قال الدكتور محمد المخزنجي إن أفضل تعليق علي الكاتب الراحل هو أن كتاباته جسدت جميع أشكال حياته فانعكست أمام القاريء بكل تفاصيلها، وأضاف: كلنا ككتاب لدينا الآليات التفاعلية ولكن مكاوي سعيد كان شديد التصالح مع نفسه وهذا شيء نادر في وقتنا هذا. وفي ختام اللقاء علق الروائي بهاء عبد المجيد قائلاً أن معرفته الأولي بمكاوي تعود إلي رواية »فئران السفينة» مُعقباً: أتصور أن حكايات مكاوي عن وسط البلد وغيرها كانت لها كبير الأثر علي رواياته، وعندما قابلته بالمقهي بوسط البلد قبل وفاته وكانت آخر مرة أراه فيها قلت له »أنت شكلك مش طبيعي أنت تعبان فرد قائلا انه بخير ولكني قلت له أن يهتم بنفسه» غير أنه فارق دنيانا بعدها بفترةٍ قصيرة.