عبر المكبرات.. المساجد تهنئ الكنائس والمسلمون حاضرون في أعياد الميلاد بقنا    رئيس الوزراء الأردني يؤكد تعزيز الشراكة مع البنك الأوروبي لدعم مشروعات التنمية    اعمل حسابك في هذا الموعد، انقطاع المياه عن بعض المناطق بالجيزة لمدة 8 ساعات    ترامب يوقع مذكرة تقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية    رئيس المجلس الأوروبي: الاتحاد يدعم جرينلاند والدنمارك ولن يقبل بانتهاك القانون الدولي    كيف تلاعب "عيدروس الزبيدي" بجميع الأطراف باليمن وصولاً إلى إعلان "هروبه"؟    شركة النفط الفنزويلية: محادثات مع إدارة ترامب لتخفيف انتقائي للعقوبات    مؤتمر فليك: هذه الطريقة التي أريد أن نلعب بها.. وغياب لامال ليس للإصابة    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    مصطفى شكشك: أتمنى إتمام الانتقال إلى الأهلي فى يناير    اتحاد الجولف يكتب التاريخ.. إطلاق سلسلة مصر 2026 ب13 بطولة دولية وجوائز 750 ألف دولار    غيبوبة سكر.. أمن القاهرة يكشف ملابسات العثور على جثة مسن بمصر الجديدة    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    الطفل ريمون توفيق يوضح كواليس مشاركته فى the blind date show    وزيرا خارجيتي السعودية وأمريكا يبحثان تعزيز العلاقات الاستراتيجية والوضع بالمنطقة    الاتحاد الجزائري يكرم مشجع الكونغو المعروف بالتمثال البشرى    البيت الأبيض: ترامب يوجه بالانسحاب من 66 منظمة دولية    مانشستر يونايتد يتعثر أمام بيرنلى فى الدورى الإنجليزى    اتحاد منتجي الدواجن: المخاوف من وصول الأسعار إلى 90 جنيهًا قبل شهر رمضان مبالغ فيها    القصة الكاملة لواقعة رئيس مدينة مع بائع طعمية بقنا    إحالة رؤساء القرى والجمعيات الزراعية بالطريق الزراعي بالقليوبية للتحقيق    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    الشربيني يكشف موقف تريزيجيه أمام كوت ديفوار.. وسبب تأخر سفر حمدي ل ألمانيا    محمد بركات: خبرة لاعبي منتخب مصر حسمت مواجهة بنين    عضو اتحاد الكرة: تريزيجيه يسابق الزمن للحاق بمواجهة كوت ديفوار    محاكمة مسؤولي اتحاد السباحة بعد وفاة السباح يوسف .. اليوم    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    مصرع طفلة رضيعة بمركز طهطا بسوهاج فى ظروف غامضة    رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة يحذر من تفاقم أزمة الكلاب الضالة ويطالب بحلول عاجلة    صراخ وتجمهر.. التفاصيل الكاملة لمشاجرة بين أهالي مريض وأمن مستشفى كفر شكر    بعد انهيار عقار القناطر الخيرية.. فصل المرافق عن العقار المنهار    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    وزير الإسكان يُعلن طرح حزمة من الفرص الاستثمارية بمدن العبور والعاشر من رمضان وطيبة الجديدة    "مراد وهبة" فارس معركة العقل في الثقافة العربية الحديثة    مفاجأة بشأن طلاق محمد عبد المنصف لإيمان الزيدي.. تعرف عليها    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    مصرع سيدة صدمتها سيارة أثناء عبورها للطريق فى عين شمس    سلامة الغذاء: منتج حليب الأطفال سما غير مسجل بمصر.. والسحب الاحترازي لمنتجات نستله المتداولة    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    نقابة الصيادلة عن سحب تشغيلات من حليب نستله: المشكلة تكمن في المادة الخام    ضبط سيدة تنصب على المواطنين بدعوى توظيف الأموال    القس أرنست نادي يكتب: صوت من المذود.. كرامة الإنسان وهُويته الأصلية وسط معايير مُغلوطة    بعد وفاة والدته| من هو الفنان وائل علي؟    مدير مستشفى أمراض الباطنة بطب قصر العيني تتابع جاهزية الأقسام خلال إجازة عيد الميلاد المجيد    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    متحدث الكنيسة القبطية: زيارة الرئيس للكاتدرائية رسالة قوة ووحدة للنسيج المصري    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    تحت شعار «صناع الهوية».. وزارة الثقافة تكرم رموز العمل الثقافي في مصر    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    اعتراف بالفشل.. التعليم تقرر إعادة امتحان البرمجة للصف الأول الثانوي بعد سقوط منصة كيريو    البديوي السيد: رسائل الرئيس السيسي من الكاتدرائية تؤكد تماسك النسيج الوطني ووحدة الصف    محافظ الغربية يزور كنائس طنطا ويُسعد الأطفال بهدايا الرئيس    خبير اقتصادي يحذر رئيس الوزراء من مبادلة الديون بأصول الدولة    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    المحافظ يشارك أقباط مطروح قداس عيد الميلاد المجيد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثورة من الميدان إلي الأبحاث
نشر في أخبار الأدب يوم 21 - 04 - 2012

ما علاقة ثورة يناير بشهر ابريل؟ يبدو السؤال منطقياً ومشروعاً. فالمؤتمر الدولي الذي نظّمه المجلس الأعلي للثقافة علي مدار ثلاثة أيام (من 14 إلي 16) تحت عنوان "الثقافة والثورة" قدّم أوراقاً كثيرة ومتعددة عن ثورة يناير خصوصاً، وليس عن فكرة أثر الثورات بشكل عام في الثقافة، مما كان يستوجب أن يُعقد في الذكري الأولي لقيام الثورة المصرية. لا يعرف الكثيرون كواليس المؤتمر، لهذا، وقبل بدء الجلسة الأولي بالمسرح الصغير بالأوبرا، وبعد كلمات الافتتاح، كان هناك تفسير لاختيار هذا التاريخ. بصوت مرتفع، ملأ القاعة الهادئة، انتفضت الكاتبة سلوي بكر لتقول إن وراء هذا المؤتمر نية سوء، إنه لتجميل صورة العسكر وتأييد عمر سليمان، الذي كان قد أعلن ترشحه للرئاسة قبل عقد المؤتمر بأيام. بدا التفسير غريباً لأغلب من كانوا في القاعة، وهم من المشاركين بأوراق في نفس هذا اليوم والأيام التالية، وبدا منطقياً وذا صلة لمن كانوا مجرد حضور فقط أو صحفيين جاءوا للتغطية. التفسير غريب لسبب وجيه جداً، أنه لا يُمكن تنظيم مؤتمر يكتسب صفة الدولية خلال عدة أيام، فمن بين المشاركين عرب وأجانب جاءوا من دولهم لتقديم رؤيتهم التحليلية للربيع العربي، وكانت هناك كتب مطبوعة بالفعل تضم البرنامج وملخصات الأبحاث وعن الفترة المباركية والثورات العربية. مما يعني أنه قد تم الإعداد له علي الأقل قبل ترشح نائب المخلوع. أمّا كواليس ما قبل المؤتمر، التي ربما يعرفها فقط المنطمون والمشاركون، أن عماد أبو غازي، وزير الثقافة السابق، هو صاحب الفكرة، وأنه تم الإعداد له أيام كان شاكر عبد الحميد، وزير الثقافة الحالي، أميناً عاماً للمجلس الأعلي للثقافة، وفي شهر نوفمبر الماضي تلقي المشاركون مكالمات تليفونية لإعداد أبحاثهم وتقديمها في شهر ديسمبر ليعقد المؤتمر في الخامس والعشرين من يناير 2012، أي في الذكري الأولي للثورة. الاضطرابات التي حدثت من اعتصامات ومظاهرات ضد أداءات المجلس العسكري، وتوقُّع نشوب الثورة من جديد في ذكراها الأولي أدّي لتاجيل الموعد لشهر فبراير ومنه إلي ابريل.
ربما ظلت الكاتبة سلوي بكر علي قناعتها حتي انتهت الجلسة ورحلت، لكن في الجلسة الأخيرة لليوم الثاني، وأثناء مداخلة له، أشار وزير الثقافة، رداً علي ذلك(لم تكن بكر حاضرة)، أن المؤتمر لا علاقة له بالمجلس العسكري، وأنه سيعقد كل عام في ذكري الثورة، وختم بأن الهدف منه رصد وتسجيل الأسباب التي أدت للثورة ودراستها دراسة مستوفية علي المستوي الفني والسياسي وأثر ذلك علي الثقافة، وفي نفس الجلسة، التي أدارها الشاعر سيد حجاب، قُدّم اقتراح بعقد مؤتمر لتناول الحداثة وما بعد الحداثة علي المستوي السياسي والاقتصادي والفني، بعد ما طرحه المتحدث مصطفي يحيي حول الجرافيتي وفنون الشارع باعتباره فناً ما بعد حداثي.
في الجلسة الأولي، التي بدأت بارتياب حول تاريخ المؤتمر، انتهت بسؤال لسلوي بكر، موجه هذه المرة للمنصة التي يديرها حسن نافعة، عن فائدة الحديث عن الأحوال الاقتصادية والسياسية لمصر أيام مبارك في مؤتمر بعنوان "الثقافة والثورة"!

انقسمت جلسات المؤتمر إلي عشر جلسات، في جلسة "مقدمات الربيع العربي" تحدث أحمد النجار عن الأداء الاقتصادي والطريق إلي الثورة، أكّد فيه علي ما يسمي ب "فيروس الثورات" التي تبدأ باحتقانات وتمر باعتصامات وإضرابات ومظاهرات. ورصد النجار في دراسة مقارنة بين الدول العربية أن مصر كانت أسوأ دولة علي المستوي الاقتصادي وأنها اعتمدت علي تزوير البيانات واستغلال الإعلام لترويج الأكاذيب، ويري أن الفساد الاقتصادي القائم بالأساس علي المحسوبية والخصخصة أحد أهم أسباب الثورة. وفي انتقاد للحكومة الحالية، قال إنها "ليست حكومة ثورة فيما يخص الوضع الاقتصادي والسياسي، حيث أنها لم تسع لاسترداد الأراضي والمصانع التي بيعت بثمن بخس. وفي إطار مختلف، تحدثت الدكتورة ليلي غانم عن دور المرأة في الربيع العربي، ومشاركتها كمواطنة لا كأنثي، وعقدت مقارنة بين المرأة التونسية والمصرية، تفوقت فيه التونسية بطرحها لفصل الدين عن الدولة، ولفتت لتجاور فتاة منقبة لفتاة سافرة في الميدان، ودارت ورقتها حول تحول المرأة العربية من قوة رقمية لقوة فاعلة ومشاركة. وتوقعت غانم أن يحدث هذا التحول تحولاً آخر داخل الأسرة تنتقل فيه المرأة من دور التابع لدور الشريك وسيستوعب الرجل مع الوقت هذا الدور. وانتقدت غانم دور التيارات الدينية التي توقفت عن الدفاع عن حقوق المرأة ولم تعترض علي سحلها وتعريتها. وأشارت إلي أن هذه التيارات فازت فقط لأن لديها منابرها في الجوامع وتنظيمها وخدماتها. ورأت أن علي مصر أن تنهي إتفاقاتها الخارجية التي تنزع حريتها وتجعلها تابعة لدول أخري، فلا فائدة من تحقيق حرية داخلية ما لم يحدث استقلال عن الخارج.
وتناول المؤتمر في جلسة أخري مفهوم الثورة.. كانت ورقة جيدرا شابا تطرح سؤالا: هل كانت ثورة بمفهوم التغيير الجذري لهياكل الدولة والمجتمع أم كان الحدث مجرد انتفاضة شعبية ضد السلطة؟ وعن حقيقة الثورة، قارن بين ثورة 19 التي شارك فيها الشعب وثورة 52 التي حققت تغييرات جذرية في الدولة والمجتمع، بينما الثورات الشعبية، فالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتردية يمكن أن تستمر معها استكانة الشعوب أعواماً أو عقوداً دون أن تصل مقاوماته واحتجاجاته إلي مستوي الثورة، رغم أن هذه الأوضاع هي الخلفية التي بدونها لا يمكن أن تنفجر ثورة شعبية تستحق هذا الاسم. وفي كلمتها، رأت الكاتبة هويدا صالح أن تسريبات ويكيليكس شرارة أشعلت الثورات العربية بعد ما كشفته من خبايا الأنظمة العربية وفسادها ومناوراتها الفاضحة، كذلك تسريبات الاستخبارات الأمريكية إلي وكالة رويترز. وقرأ نبيل عبد الفتاح "أزمة الثقافة الدستورية في مصر" وقال إنه رغم الدور التكويني الذي لعبته النخب والدساتير والقوانين، عانت الثقافة الدستورية والقانونية بشكل عام من العديد من الأزمات الممتدة، منها أزمة الإطار المرجعي وعمليات الأقلمة في بنية الثقافة القومية المصرية لا سيما الدينية وإزاء قانون الأعراف والمكانة فيما يخص شرعية السلطة السياسية وممارساتها لصلاحياتها بين نمط من الأبوية والرعائية السياسية وشخصنة السلطة، كذلك الفجوات بين الإطار الدستوري والقانوني الرسمي والدستور والمخاطبين بأحكامه من القطاعات الاجتماعية العريضة، وأشار إلي أن النظام شبه الليبرالي (1923-1952) أدي للإسهام في عمليات تشكيل الثقافة الدستورية من خلال عمليات الاستعارة والإدماج. وحيد الطويلة تحدث عن تفاصيل يوميات الثورة التونسية وتابع تطور الأحداث قبلها بسنوات عبر تفاصيل بسيطة وموحية، استرجع معها أجواء الاستبداد التي خيمت علي تونس خلال 23 سنة، ورأي أن البذرة التي زرعت الثورة تفتحت عبر التعليم والثقافة بالإضافة لوسائل الاتصالات العصرية. وتركزت كلمته علي هتافات الثوار التي كانت أغلبها إن لم يكن كلها بالفصحي، وأن أبيات أبو القاسم الشابي التي حملها الناس بأصواتهم لم ينفد وقودها ولا نقصت شحنتها لسنوات طوال.

بدايةً من اليوم الثاني، وفي محور بعنوان "الظواهر الإبداعية وآليات التواصل"، ظهرت العلاقة المتبادلة بين الثورة والثقافة. قرأ الشاعر الإسباني خوسيه ماريا باث الربيع العربي في إطاره الثقافي، فلم يعتبرها اضطراباً سياسياً ظرفياً ولا مجرد تمرد ديمقراطي ضد النظم الاستبدادية، بل ثورة اجتماعية وثقافية ذات عمق. ولفت إلي أن الإبداع الشعري والسينمائي والموسيقي وظهور مدونات وكُتّاب في جيل جديد شكّلوا ثورة ثقافية طويلة المدي ستستمر. بينما تناولت شيماء الصباغ فولكلور ثورة يناير، مؤكدةً علي دور الأغاني والأشعار في الثورة، ومستشهدة بعبارة ماسبيرو "يغني الشعب كثيراً في مصر، في المنزل والحفلات الخاصة كما في الحقول وعلي النهر". وقرأ إليان يورسولا أتمولر "الكاريكاتير وثورة يناير" ورصد التغيرات التي حدثت لهذا الفن اثناء الثورة وبعدها، حيث التخلي عن الشكل التقليدي للورق المطبوع مستبدلاً بها أكثر أشكال التعبير إثارة، فتم رسم الكاريكاتير علي الحوائط وطبعه علي الملابس واللافتات. وقدّم كمال مغيث ورقة عن هتافات وكتابات الثورة المصرية كأحد أهم الفنون القولية والإيقاعية التي يبتدعها المصريون في مختلف أنشطة حياتهم، وأهمية الهتافات والشعارات من الناحية السياسية ودورها في الحشد والمناصرة واستنهاض الهمم. واستكمالاً لفنون الثورة، استعرض نبيل بهجت فن الجرافيتي، وقال إنه صوّر 45 الف صورة ترصد ثورة يناير..وتحدث عن علاقة الجرافيتي بالثورة في محاولة لرصدها وتوثيقها.

"الفن ميدان" بصوره وأهدافه، حضر في جلسة إبداعات الثورة. تحدثت بسمة الحسيني في ورقتها عن المبادرة وعن تقديم معادل ثقافي شعبي يلائم روح الثورة وحيويتها من خلال الميادين، ودعم المعرفة والإبداع والابتكار وحرية التعبير والخيال. ولفتت الحسيني في كلمتها القصيرة إلي تمكين الفنانين والمثقفين من القيام بدورهم في دعم الجبهات والتكتلات والقوي السياسية التي تتبني قيام الحرية والعدل والمساواة. وفي إشارتها لمن يشاهد احتفاليات الفن ميدان التي تقام في السبت الأول من الشهر، قالت إن المحجبة وطليقة الشعر تتجاوران، كذلك من يأتي من صلاة العشاء ومن يذهب ليشرب بعد الاحتفالية.
وشهد اليوم الأخير، الاثنين، قراءة في الثورة المصرية من وجهة نظر الغرب، واستعراضاً لمقالات خوان جويتيسولو وأوسوريو ألباريث، كذلك تأثير الديكتاتوريات والثورات علي أدب أمريكا اللاتينية وخاصة علي جيل الانفجار. وقرأ الصحفي الإسباني بدرو كانالس العلاقة بين الثقافة والثورة بناءً علي التاريخ الإسباني، وذكر في كلمته عبارة شديدة العمق في هذا الإطار:"الثورة هي الشكل الأكثر رقياً من الثقافة، والثورة التي لا تؤدي إلي تطوير الثقافة ثورة فاشلة". واستعرض كانالس عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي في بلده عندما اضطر النظام الملكي إلي التراجع أمام الضغط الشعبي، وظهور جيل 27 الذي ضم لوركا ورفائيل ألبيرتي وداماسو ألونسو. وتحدث خالد سالم عن لاهوت التحرير والشاعر والأب إرنستو كاردينال، ومن خلاله عقد مقارنة بين موقف الكاردينال من ثورة بلده وموقف التيارات الإسلامية في مصر.
في الجلسة قبل الختامية تحدث حجاج أدول عن الثورة والثقافات الفرعية، ويقصد بها النوبيين والأقباط والبدو، وتركزت كلمة أدول علي الأضرار التي عاني منها النوبيون علي يد الأنظمة السابقة من تهجير وتهميش، وأشار إلي أن نظرية المؤامرة موجودة، غير أن المؤامرة الداخلية أقوي وأشد من الخارجية. وأكد أدول أن النوبيين رأوا أزمة مياه النيل منذ بدايات التسعينيات، وقدمت حلولا ومقترحات للنظام السابق ولم يعبأ بها. ورأي أن النوبيين هم خير من يمثلون مصر في أفريقيا.
وجاءت ورقة فيصل دراج في الجلسة الختامية حول المثقف المتسلط والمثقف الديمقراطي، وتناول "الهالة المعرفية" التي تقصد المنفعة لا الحقيقة، علي منظور محدد هو بلاغة المسافة، وانتقد المثل الشائع "من علمني حرفاً صرت له عبداً" واستبدله ب "من علمني، حررني". وقال دراج إن الطوائف العلمية استولدت طقوساً لغوية أقرب إلي لغة الكهانة في ضيقها وجفائها، وأبرز مثال لذلك لغة النقد الأدبي البنيوي، حيث لم يكن قصدهم إيضاح النصوص المعقدة بقدر ما كان الفصل الشامل بين لغة المعرفة ولغة الحياة العامة، وكان في ذلك ملاذ للتهرب من الشأن العام. وشبه الممارسات اللغوية البلاغية، كما التمترس وراء الاحتكار المعرفي، حيث أنه تبادل مجرد للأفكار يفترض الاعتراف بحقيقة العارف المختص الذي يرسل كلامه ولا يعترف بحقيقة الجمهور.

خرج المؤتمر بالعديد من التوصيات التي ننتظر أن تكون ملموسة علي أرض الواقع. فبالإضافة لعقد المؤتمر سنوياً في ذكري الثورة، طُرح مؤتمر الترجمة الذي سيبدأ في ترجمة أهم الكتب الحديثة التي تناولت الثورات المصرية والعربية، وتخصيص جوائز لإبداعات الثورة. وفي الجلسة الختامية، أشار شاكر عبد الحميد إلي توثيق الثورة علي المستويات المرئية والمكتوبة والمسموعة من أجل الحفاظ علي ذاكرة الأمة، كما أكدت توصيات المؤتمر علي وقوف وزارة الثقافة علي مسافة واحدة من كل الاتجاهات السياسية لتأصيل ثقافة الديمقراطية وتعميق ديمقراطية الثقافة والتأكيد علي ضرورة تعميق العلاقات بين المؤسسات الثقافية الرسمية والمؤسسات الأهلية لنشر الوعي الثقافي. وأشارت التوصيات إلي أهمية العمل نحو رصد متغيرات الخطاب الشعبي وتجلياته من منظور الإبداع الشعبي بداية من الأغنية والموال ونهاية بالنكتة، وقيام لجان المجلس كل في تخصصه برصد وتحليل وتوثيق تجليات الثورة. وستضم جائزة إبداعات الثورة الشعر والقصة والمسرحية والفن التشكيلي والبحث. وفي الجلسة الختامية، خرجت التوصيات بضرورة رعاية الشباب والمثقفين في المرحلة المقبلة وحتمية تفعيل دور المؤسسات التعليمية بمراحلها المختلفة في نشر الوعي الثقافي، من خلال تطوير المناهج الدراسية بها لتربية هذه الأجيال علي المشاركة في الحوار البناء وخلق جيل جديد علي درجة كبيرة من الوعي ليكون له دور فعال في المجتمع.
وفي النهاية، طالبت التوصيات جميع المثقفين بضرورة كشف الإعلام المغرض المناهض لقيم ثورة يناير وتنوير الجماهير بالتوجهات المضادة للثورة، والتأكيد علي أهمية دور وزارات الثقافة والتعليم العالي والإعلام في بناء وتشكيل الوجدان المصري والعربي، انطلاقاً من قيم الثورات العربية، ومحاولة البحث عن صيغ لائقة بتخليد شهداء الثورة، بما يتواءم مع الدور التاريخي والمفصلي الذي أنجزوه.

الحضور كان مكثفاً في جلسات أكثر من أخري، رغم أن المؤتمر تصادف مع إجازات رسمية، خاصة في الجلسة الافتتاحية. وجاءت أوراق المشاركين في مجملها ثرية، والمداخلات كذلك.. وحضر وزير الثقافة والأمين العام أغلب الجلسات في وسط الحضور، وشارك في المؤتمر أسماء هامة علي مستوي الفكر والثقافة، مثل فيصل دراج وحسن حنفي وعبد المنعم تليمة وخوسيه ماريا باث وكانالس. غير أن سؤالاً بقي معلقاً دون إجابة: كيف تستطيع وزارة الثقافة إنقاذ البلد من الوقوع في فخ الإسلاميين والعسكر؟ وما هو المقترح الثقافي لتوعية من لا علاقة لهم بالثقافة لكن لهم علاقة بالتصويت الانتخابي؟
أكدت ورقة المترجم خليل كلفت أنه ليس يسيراً تفسير أسباب


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.