زراعة شمال سيناء.. متابعة تراخيص تشغيل بقرى مركز العريش    مجلس الأمن يصوت على مشروع قرار لحماية الملاحة في مضيق هرمز    بريطانيا تؤكد على «الضرورة الملحّة» لإعادة فتح مضيق هرمز    مسؤول روسي يدعو إلى تكثيف الجهود الجماعية لحل الوضع المتعلق بإيران    رئيسة أكاديمية الفنون تكلف الفنان حازم القاضي نائبًا لمدير مسرح نهاد صليحة    الجيش الكويتي: الدفاعات الجوية تتصدى لهجمات صاروخية ومسيرات معادية    رياح مثيرة للأتربة وشبورة مائية، تفاصيل حالة الطقس اليوم الجمعة    وزير البترول: خفضنا مستحقات الشركاء الأجانب من 6.1 إلى 1.3 مليار دولار    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    نقيب التشكيليين يهنئ اختيار الدكتور محمود حامد مقررا للجنة الفنون التشكيلية بالمجلس الأعلى للثقافة    يارا السكري تراهن على "صقر وكناريا": خطوة جريئة نحو بصمة فنية مختلفة    بوتين يدعو إلى تكثيف الجهود لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط    بإطلالة جريئة.. منة فضالي تلفت الأنظار في أحدث ظهور.. شاهد    دون إصابات.. إخماد حريق مصنعين بالمنطقة الصناعية في نجع حمادي    ماهية الخوارزمية    الكهرباء والعمليات المستقلة تقود مستقبل قطاع الطاقة    خطوات سريعة لمعرفة فاتورة الكهرباء لشهر أبريل 2026    المؤبد لسائق توك توك وعامل لاتجارهم في المواد المخدرة بشبرا الخيمة    انهيار بئر على شاب في قنا.. والدفاع المدني يكثف جهوده لانتشاله    محمد موسى يهاجم البلوجرز: تجاوزوا كل الخطوط الحمراء    حصاد وفير لبنجر السكر في الإسماعيلية.. إنتاجية مرتفعة وخطة للتوسع إلى 25 ألف فدان تعزز آمال الاكتفاء الذاتي    خبير سياسي: المجتمع الدولي مقصر في مراقبة الانتهاكات الإسرائيلية    "ماشي بالعصاية".. تعرض محمد محمود عبد العزيز لوعكة صحية    وزارة الصحة: بعض آلام المعدة تكون عرضا لجلطة في القلب    الموت يفجع إمام عاشور، وهذا ما كتبه على إنستجرام    إسبانيا تتصدر قائمة المرشحين للفوز بكأس العالم    فيفا يعلن زيادة أسعار تذاكر كأس العالم    مصدر مقرب من إبراهيم عادل يكشف ل في الجول القيمة الحقيقية للشرط الجزائي بعقده    مصرع وإصابة 7 أشخاص في انقلاب سيارة بأسوان    مكتبة الإسكندرية تحتفي بالأعمال المترجمة للشيخ محمد الحارثي    بعدما لوح السيسي بفقدان الاستقرار .. ما إمكانية تداول السلطة برغبة شعبية في مصر؟    اجتماع للجنة التنسيقية لهيئات منظومة التأمين الصحي الشامل بالأقصر    الصحة العالمية تطلب تمويلا 30.3 مليون دولار للاستجابة للأزمة الصحية المتفاقمة في الشرق الأوسط    إسكندر: نعيد تشكيل ملف العمالة المصرية عبر التأهيل والتشغيل المنظم لحماية الشباب من الهجرة غير الشرعية    تفاصيل الاجتماع الفني لبطولة كأس العالم للجمباز الفني القاهرة 2026    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    وكيل صحة الدقهلية يفتتح فعاليات المؤتمر الثالث لمستشفى صدر المنصورة    سداسية نظيفة.. سيدات برشلونة يسحقن ريال مدريد في دورى أبطال أوروبا.. فيديو    دونجا: الزمالك سيفوز على الأهلي وبيراميدز وقادر على التتويج بالدوري    حكام قمة الأهلي والزمالك في الكرة النسائية    لحسن العشرة والوفاء صور.. وفاة زوجة بعد ساعة من وفاته حزنا عليه في كفر الشيخ.. فيديو    فلسفة شاعر    بدء غلق كوبري الدقي المعدني جزئيا لمدة 3 أيام    بكين ترحب بالمبادرة الصينية الباكستانية وتؤكد دعمها التعاون الخليجي وتعزيز سلام المنطقة    ضبط كافيه ومطعم وبازار مخالفين لقرار الغلق في مرسى مطروح    فينيسيوس ومبابي يتصدران قائمة الأعلى أجراً فى الدوري الإسباني    الثلاثاء.. انطلاق المؤتمر السادس لقسم الأمراض الصدرية بطب الأزهر بأسيوط    هل تارك الصلاة إذا مات يوم الجمعة يدخل الجنة؟ أمين الفتوى يجيب    نائب محافظ سوهاج يشهد الحفل الختامي لمسابقة نقابة المهندسين للقرآن الكريم 2026    حبس 9 متهمين باستغلال الأطفال في أعمال التسول بشوارع القاهرة    المواعيد الجديدة لعقد اختبار TOFAS للبرمجة بالقاهرة    وزيرالتعليم: نركز على ترسيخ القيم الأخلاقية في المناهج المطورة    رئيس الوزراء يلتقي السفير علاء يوسف بعد تعيينه رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات    وزارة الري: استقرار حالة المناسيب والتصرفات والجسور بشبكة الترع والمصارف    كلية التربية النوعية جامعة طنطا تستضيف نقيب الممثلين لبحث سبل رعاية الطلاب ودعم مواهبهم    دعاء الرياح.. اللهم إنى أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا تموت الكاتبات كمدا
عائشة التيمورية والتجاهل التاريخي المفرط لأدب المرأة
نشر في أخبار الأدب يوم 28 - 04 - 2016

لست معنيا الآن بذكورية الثقافة العربية بشكل عام، ولكنني مشغول برصد تجلياتها وأشكال ممارستها منذ بدايات القرن العشرين، حتي اللحظة الحالية، ولست كذلك معنيا بالالتزام بالتعريفات الأكاديمية المعقدة لمعني "الذكورية" في الأدب والثقافة والفكر والسياسة والعلوم الاجتماعية، ولن ألجأ إلي تلك التعريفات التي تخصّ نوعا معينا من الباحثين والدارسين، وبالطبع فالذكورية في التعريف العام والأكثر تأثيرا في الحيوات الاجتماعية والثقافية والسياسية، لاتلجأ للتصنيف البيولوجيي أو العضوي أو الجنسي، بقدر ما تخضع إلي تصنيفات تخضع لتراتب السلطة السوسيو اجتماعية، وبالتالي تتسلل كافة أشكال ذلك التراتب علي كل المجالات التي تعنينا هنا في الثقافة والأدب والفكر وماشابه، وسوف نتعرض في الحلقات القادمة لغالبية الشواهد التي تثبت ذلك.
ففي كتابه "زعماء الإصلاح في العصر الحديث" للدكتور أحمد أمين، والذي كان ينشر فصوله في مجلته "الثقافة"، تضمن الكتاب فصولا عن محمد بن عبد الوهاب، ومدحت باشا، والسيد جمال الدين الأفغاني، والسيد أحمد خان، والسيد أمير علي، وخير الدين باشا التونسي، وعلي باشا مبارك، وعبدالله النديم، والسيد عبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد عبده، وأفرط الدكتور أمين في تفصيلات عديدة، وأوضح أدوار كل هؤلاء الذين أطلق عليهم "زعماء الإصلاح"، وبالتأكيد كان محقا في ذلك الوصف، ولكنه لم يستدع امرأة واحدة لكي تتشرف بالمثول أمام محكمته العادلة، رغم أن كتابه شمل الشاعر والباحث والمفكر ورجل الدين والأديب، وكذلك ذهب الدكتور إلي الشام ومصر وتركيا وتونس، إلا أنه تجاهل بشكل مذهل أدوار نساء بارزات في القرنين التاسع والعشرين، وهما محل دراسته، وحسم وصف زعماء الإصلاح للرجال فقط.
وبالتأكيد فإن القرنين التاسع عشر والعشرين قد أنتجا زعيمات وكاتبات وشاعرات، مثل ملك حفني ناصف، ونازلي فاضل، وزينب فوّاز، ومي زيادة، وفلك الطرزي، وأسماء فهمي، ولبيبة هاشم، ولبيبة أحمد، وعفيفة كرم، وغيرهن ممن ساهمن في دفع الحياة الاجتماعية والقافية للأمام، ولكن ناقدنا الكبير لم يضم أيا منهن إلي كتابه، رغم أن الكتاب الذي ترك تأثيرات بالغة في أجيال تلت صدور طبعته الأولي عام 1948، تحدث عن الإصلاح فحسب، ولم يتحدث عن الإصلاح عند الرجال!!
وإذا كان هذا المنحي أتي من عالم جليل من طراز الدكتور أحمد أمين، فلا مانع إذن أن يتكرر الأمر بأشكال مختلفة عند آخرين، وفي مجالات أخري، وفي أروقة جامعية، ففي العام 1954 صدر كتاب عنوانه "الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر.. الجزء الأول من الثورة العرابية إلي قيام الحرب العالمية الأولي"للدكتور م محمد حسن، أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة الأسكندرية، وهذا الكتاب كان يدرّس في الجامعة، بالإضافة إلي أنه كان مرجعا معتمدا بامتياز للتداول لعقود عديدة، ولربما حتي الآن، وقد تضمن الكتاب فصولا طوالا عن شعراء وناثرين من طبقة أحمد شوقي وجورجي زيدان وطه حسين وحافظ ابراهيم واسماعيل صبري وطنطاوي جوهري ومحمود سامي البارودي وعبدالله النديم وغيرهم، إلا أنه مارس التجاهل ذاته الذي أصاب كتاب العلّامة أحمد أمين، ومادام الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي احتكره الرجال، فمابال الأبعاد الوطنية في الأدب، وكأن الوطنية كانت حكرا علي الرجال، رغم أن النساء قدمن نماذج أدبية تنضح بالوطنية علي مدي عقود طويلة خلت قبل صدور ذلك الكتاب.
وإذا كان ذلك التوجه بدا عند أحمد أمين والدكتور محمد حسن، وقد مشي علي دربهما كثيرون، وها هو واحد من أعلام الأدب والثقافة الكبار، وكلنا يحمل أقدارا بالغة الحماس له، أقصد الدكتور شوقي ضيف، والذي أعطي المكتبة العربية أبحاثا ومجلدات في المعرفة والتاريخ الأدبيين الكثير، وتعلّمت علي تلك المؤلفات أجيال وأعلام في الأدب والثقافة، وهناك من هؤلاء الأعلام من يفخر بأنه كان تلميذا لذلك العالم الأدبي الكبير، وهذا كتابه "الأدب العربي المعاصر في مصر"، والذي صدرت طبعته الأولي عام 1957، وصار مدرجا ليتم تدريسه في كلية الآداب لعقود تلت صدوره، ويقول في مقدمة الكتاب :(حاولت جاهدا أن أؤرخ لأدبنا المصري المعاصر، وأن أربط حلقاته ربطا متناسقا، يكشف عن المؤثرات والدوافع المختلفة التي عملت في حياته، ويصوّر تطور شعرنا واتجاهاته التي نشأت فيه وما يمتاز به كل اتجاه من خصال وخصائص، كما يصوّر تطور نثرنا وحركاته ومعاركه التي احتدمت بين المجددين والمحافظين، وما عبر عنه من صور وفنون أدبية مستحدثة مثل المقالة والقصة والمسرحية).
وتعرّض الكتاب بالفعل لما ذكره الدكتور شوقي ضيف، ففي الشعر بدأ منذ محمود سامي البارودي واسماعيل صبري وحافظ ابراهيم وخليل مطران وعبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد وأحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي وعلي محمود طه، ثم عندما تحدث عن النثر كتب عن محمد عبده ومصطفي لطفي المنفلوطي ومحمد المويلحي ومصطفي صادق الرافعي وأحمد لطفي السيد وابراهيم عبد القادر المازني ومحمد حسين هيكل وطه حسين وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور، ولكنه فعل مثلما فعل أحمد أمين ومحمد حسن في تجاهل دور الكاتبات والشاعرات في تطور الأدب المعاصر، بل إنه بالغ في ذلك التجاهل، إذ إنه عندما راح يرصد أسماء شعراء جماعة "أبوللو"، ذكر بالطبعروادها مثل إبراهيم ناجي وعلي محمود طه وغيرهما، ثم ذكر الناشئة مثل حسن كامل الصيرفي وصالح جودت ومحمود حسن اسماعيل وغيرهم، وسقط اسم الشاعرة جميلة العلايلي، والتي كانت عمودا في جماعة "أبوللو"، وكانت قد أصدرت ديوانها الأول "صدي أحلامي" عام 1936، والذي كتب مقدمته الشاعر أحمد زكي أبوشادي، والذي ترأس الجماعة وكان من أهم مؤسسيها، وقال أبو شادي في مستهل مقدمته: (ولكي نقدّر جميلة العلايلي التقدير الذي تستحقه مواهبها، لا يجوز أن نغفل مقارنة أدبها بأدب الجيل السابق، فإننا حينئذ نجد الفارق شاسعا بين المختار لوردة اليازجي وعائشة عصمت تيمور وأمينة نجيب وملك حفني ناصف وبين مختار شعرها، لقد كانت شواعر الجيل السابق علي قربه منا، جد حريصات علي وأد عواطفهن مراعاة لقواعد الاحتشام المصطنع الذي كانت تحتمه البيئة، فكان محرما عليهن شعر الوجدان الفطري، وكانت العاطفة الشعرية عندهن تحصر في الرثاء وفي تحية الأهل وتوديعهم وما إلي ذلك، ولكننا في الشعر الجديد نلمح ثورة جديدة علي تلك التقاليد البالية فنجد صاحبته كاشفة في اطمئنان وفي شجاعة عن دخيلة نفسها في صدي أحلامها المنغومة).
وأكرر كما كتبت فيما سبق، بأن الأمر لا يشكلّ معركة بين ملائكة وشياطين، أو بين رجال وذكور، ولكنه يخصّ منظومة ثقافية اجتماعية سياسية فكرية ثقافية، تهيمن علي حالة التأريخ الثقافي والأدبي والفكري، ومن هنا سقطت شاعرة رائدة من غالبية الكتابات والأبحاث المعنية بتطور الأدب والثقافة والشعر، وأخص بالذكر "شاعرة الطليعة ..عائشة تيمور " كما وصفتها الكاتبة مي زيادة في بحث فريد من نوعه، لتؤسس ما أطلق عليه "النقد الأدبي النسوي " فيما بعد، ولأننا نرصد وقائع تاريخية، فمن المحتم أن أذكر كتاب "شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي" لعباس محمود العقاد، والذي صدر عام 1937، وكتب عن الشعراء البارزين في ذلك الوقت، وخصّص في الكتاب فصلا، وجعل عنوانه "السيدة عائشة التيمورية"، وأعتقد أن مفردة "السيدة" التي سبقت اسم الشاعرة كان العقاد يعنيها، وبدأ حديثه عاطفا عليها، رغم أن ذلك الفصل كان أصغر الفصول في الكتاب، وقد تحدث فيه العقاد عن تلك الشاعرة التي جاهدت بقوة في مواجهة والدتها، التي كانت تمنعها عن القراءة، ولكن أباها تدخل في الأمر وقال لزوجه :"دعي هذه الطفلة للقرطاس والقلم ودونك شقيقتها فأدبيها بما شئت من الحكم"،وراح والد عائشة يرتب لها المعلمين في اللغة الفارسية والعربية والمعلمات في العروض وما إليه، حتي درست كما يقول العقاد من هذه الفنون خير ماكان يدرسه أبناء ذلك الجبل، ويغامر العقاد بقوله :"وضارعت في النظم أحسن من نظموا فيه، فإذا استثنينا البارودي أولا والساعاتي ثانيا فشعر السيدة عائشة يعلو إلي أرفع طبقة من الشعر ارتفع إليها أدباء مصر في أواسط القرن التاسع عشر إلي الثورة العرابية".
وراح العقاد يكيل شكلا من المديح لعائشة التيمورية، وذلك لينفي أي كتابة شعرية نسائية أتت من بعدها، مثل ملك حفني ناصف ووردة اليازجي وأمينة نجيب، فيقول بشكل قاطع :(إننا لم نقرأ لمن نشأن بعد السيدة عائشة نظما يضارع نظمها ولا شاعرية تقارب شاعريتها، وإن كان التعليم في عصرنا أوفي ومواد العلوم والثقافة النسوية أكثر وأغني، وكان تعليم المرأة عامة أقرب إلي بيئة الزمن وأهله ... إنما المسألة هنا أن الاستعداد للشعر نادر ..وإنه بين النساء أندر...فالمرأة قد تحسن كتابة القصص، وقد تحسن التمثيل، وقد تحسن الرقص الفني من ضروب الفنون الجميلة، ولكنها لا تحسن الشعر، ولمّا يشتمل تاريخ الدنيا كله بعد علي شاعرة عظيمة، لأن الأنوثةمن حيث هي أنوثة ليست معبرة عن عواطفها ولا هي تستولي علي
الشخصية الأخري التي تقابلها، بل هي أدني إلي كتمان العاطفة وإخفائها، وأدني إلي تسليم وجودها لمن يستولي عليه من زوج أو حبيب، ومتي فقدت "الشخصية" صدق التعبير وصدق الرغبة في التوسع والامتداد واشتمال الكائنات كلها فالذي يبقي لها من عظمة الشاعرية قليل).
ويبدو أن العقاد راح يؤكد علي شاعرية عائشة التيمورية، ليجعل منها الاستثناء لقاعدة أن المرأة لا تصلح لتكون شاعرة علي الإطلاق، وراح يستطرد في ماكتبه لتوكيد هذا الرأي بأدلة من التاريخ، لأن المرأة أقرب إلي البكاء وذرف الدموع، ولذلك فهي برعت في الرثاء، وضرب مثالا بالخنساء، ثمّ أكد ذلك علي التيمورية نفسها عندما رثت ابنتها توحيدة، وجاء المقال كله ضربا من النفي المطلق لشاعرية النساء، وبشكل قاطع، ولتذهب النساء إلي عالم الحواديت والقصص، فهن لا يصلحن إلا لذلك، وكأنه يضمر بأنهن ثرثارات يقدرن علي صياغة الحواديت التي تصنع القصص، ولا يجدن حالات التأمل التي تبدع الشعر، ولو لاحظنا ماقاله العقاد، وماكتبه أبو شادي، سنجد أن تشابها ما فيما ذهب كل واحد منهن، ولكن العقاد استثني عائشة التيمورية، ونجد "أبو شادي" استثني جميلة العلايلي.
وفيما يخصّ عائشة التيمورية، كنا قبل ذلك نوّهنا عن كتاب الأديبة مي زيادة، والتي استفاضت في تحليل قصائدها، وانتصرت لها من حيث أنها شاعرة امرأة، وأسست اتجاها في النقد النسوي، أصبح مرجعا أساسيا منذ أوائل القرن العشرين، وتعرضت بتعاطف جم مع حياة وحالة عائشة التيمورية، التي منذ طفولتها لتعنت والدتها، التي منعتها من القراءة، واعتبرت أن الثقافة من شأن الرجال فقط لاغير، أما البنات فليس لهن سوي الخياطة والتطريز وما شابه، ولعب الأب المثقف دورا مهما في ترقية ذوق عائشة، التي تعلمت التركية والفارسية، وكتبت شعرا باللغتين، بالإضافة إلي العربية.
جاء كتاب مي زيادة عن عائشة التيمورية، لا ليرصد ويحلل ويسرد وقائع حياة وشعر ونثر الشاعرة التيمورية فحسب، بل كان بداية قاطعة، وتتجدد دوما لقراءة أدب المرأة علي مدي العقود التي تلت، ولكننا سوف نجد تجاهلا أو إهمالا مفرطا من الباحثين والأدباء الذين تعرضوا لتاريخ المرأة في الثقافة والشعر والأدب، وهناك كتاب لأنور الجندي عنوانه "أدب المرأة العربية ..القصة العربية المعاصرة"، وتعرض الجندي لأديبات كثيرات من الأقطار العربية، ولكن ذلك التعرض جاء مبتسرا لدرجة الخلل، فكتب مساحة لا تتجاوز عشرة أسطر، لتشغل نصف صفحة، أما نصف الصفحة الآخر فخصصه للشاعرة أمينة نجيب، ولم يفعل في حالتي الشاعرتين، إلا أنه رصد معلومات ببلوجرافية لا تفي أي غرض نقدي أو تعريفي أو تحليلي لهذه ولا لتلك.
المدهش أن هذا التجاهل، أو التقليل من دور المرأة الثقافي أو الفكري أو السياسي، ينفي حقيقة قائمة وفاعلة، تلك الحقيقة التي نرددها كشعارات وعناوين برّاقة فقط، ولكننا في التطبيق تفقد تلك الشعارات كل ذرائعها، وهذا كتاب كامل للشاعر الراحل الكبير صلاح عبد الصبور، عنوانه "قصة الضمير المصري"، صدر عام 1972،وهو عبارة عن سياحة في وجدان القرن التاسع عشر، وبعض من القرن العشرين، أي منذ رفاعة الطهطاوي، حتي منتصف القرن العشرين، وكذلك لا يذكر الكتاب ولو علي سبيل السهو اسم كاتبة أو شاعرة مرّت في هذا الوطن، وكأن ذلك الضمير الذي تشكل في مصر، لم تشارك في صياغته النساء، فنجد السلسلة ذاتها التي تتكرر في كل الكتابات، تأتي هنا، وكأنها تولد بشكل شبه آلي ومنظم.
وجدير بالذكر أن لعنة البحث والتنقيب والاهتمام بأدب المرأة الكاتبة لاحقت كثيرا من الدوائر الإعلامية والثقافية والأدبية والإصدارات، وإذا كنا لاحظنا في حلقة سابقة خلو "مجلة جاليري 68" من قصيدة أو قصة أو مقال نقدي لامرأة، سنلاحظ أن ذلك الأمر يتكرر بقوة في مطبوعات أخري طليعية فيما بعد، وذلك علي سبيل المثال في مجلة "إضاءة 77"، والتي صدر عددها الأول في يوليو 1977، وصدر عددها الرابع عشر في نوفمبر 1988، أي أن المجلة صارت تصدر أكثر من عشرسنوات دون أن تعثر علي شاعرة مصرية واحدة، وبالتأكيد لم تكن الساحة خالية من الشاعرات، وذلك لا يعني أي عداء معلن، ولكن ذلك يأتي كثيرا من باب التعالي الثقافي الذي تمارسه السلطة الذكورية المتأثرة بالمنظومة العامة التي تشمل كافة التجليّات الثقافية والأدبية،
وعلي مستوي النقد، وكذلك التأريخ للنقد، سنلاحظ أن الأمر يتفاقم دون إدراك المتابعين لذلك، فعندما يكتب الباحثون عن تاريخ الإبداع، فلا نجد تمثيلا للمرأة الشاعرة والناثرة إلا في النادر، مثلما نجد ذلك في كتاب "استعادة الماضي" للناقد الكبير الدكتور جابر عصفور، والذي أجري قراءة وتمشيطا للشعر منذ أواخر القرن التاسع عشر، أي منذ محمود سامي البارودي، ولكننا لم نجد هذا التمثيل الذي كنا نرجوه بقوة من ناقد من طراز د. جابر عصفور.
وإذا كان ذلك حدث عند صلاح عبد الصبور وجابر عصفور في كتاباتهما عن الماضي، فلن نعدم ذلك عند نقاد يكتبون عن الشعر المعاصر مثل الناقد الكبير الدكتور محمد عبد المطلب، وهاهو كتاب "قراءة أسلوبية في الشعر الحديث"، وجاءت أبحاث الكتاب عن دواوين للشعراء عبد القادر القط وفاروق شوشة ومحمد عفيفي مطر ومحمد ابراهيم أبو سنة وغيرهم، ولكن الكتاب لم يتضمن دراسة نقدية عن شاعرة واحدة، ولا بد أن نذكر هنا أن الدكتور محمد عبد المطلب له كتاب عن الرواية النسائية، ولكنني لا أميل إلي ذلك العزل الذي يضع كتابات المرأة معزولة عن كافة الكتابات الإنسانية الأخري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.