حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان " جرائم التحرش الإلكتروني"، ونشرت الوزارة نص الخطبة القادمة كالآتى: جرائم التحرش الإلكتروني الحمد لله الذي حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وجعل العرض مصونا بسياج الشريعة والمنن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ويرسي قواعد العفة في الآفاق، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين، أما بعد، فيا عبد الله: 1- استبصر خطورة التحرش الإلكتروني، واعلم أن الشاشة لا تواري سوءة الذنب، ولا تحجب عن الله خبايا القلب، فالتحرش الرقمي سلوك منحرف، يتسلل فيه المرء عبر الوسائط الرقمية لينكل بكرامة الآخرين، ويستبيح حرمة المؤمنين؛ وما هذا الصنيع في حقيقته إلا جناية في ميزان الشرع، وإفساد في الأرض، ونقض صريح لمقاصد الشريعة في حفظ العرض، وإنما يتوهم الواهم أنه خلف جداره الافتراضي في مأمن، وبمنأى عن أعين المهيمن؛ وما علم المسكين أنه حين هان عليه نظر المطلع، واقتحم بجهله هذا المستنقع، قد ارتكب إثما شنيعا، وبهتانا عظيما؛ إذ أضاع قدره، وثقل وزره، وكشف ستره، وفضح أمره، قال الله تعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾. 2- احذر من الخوض في أعراض الناس واقعيا أو إلكترونيا، وتأمل في مكائد الشيطان واستدراجه لك، وتنسم ريح العفة بتركك الفضول المذموم، فالمعصية لا تهون لكونها عبر صفحات الإنترنت، بل قد يعظم وزرك لاتساع دائرة أذاك، فالنظرة المسمومة، والكلمة الخادشة، والرسالة الماكرة، والصور المحرمة كلها جنود لإبليس أريد بصاحبها إفشاء الفاحشة، وإن من أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه، فكيف بمن أخذ التكنولوجيا مقصلة للأعراض أو معولا للهدم؟ فالمؤمن الحقيقي هو من سلم الناس في العالم الافتراضي من لوحة مفاتيحه، وليعلم من استهان ببصمته الرقمية اليوم أن أنامله ستشهد عليه غدا في مشهد الحساب، قال تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». 3- احذر من الابتزاز الإلكتروني، واستشعر بشاعة التشهير في مشكاة الوعيد الإلهي، والتمس السلامة في سترك عورات المسلمين، فالابتزاز جريمة مركبة من ظلم وخيانة وغدر، يقوم به المتحرش للوصول إلى غرضه، فتتحول أمانة المجالس إلى سهام تطعن بها الخصوصية، فإذا كان الوعيد الإلهي قد استقر في حق من يحب مجرد ذيوع الفاحشة، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾، فكيف بمن يبث سمومها ويروج لنشرها؟ فكم من محادثة نشرت لتورث الحسرات، وصورة سربت لتنتهك الحرمات، وستر كشف ليفجر دفين العبرات، وكم من بهتان شاع في العالمين ليزلزل استقرار الآمنين، ويقطع أواصر الثبات؛ ليصير هذا المسلك وصمة لا تمحوها الأيام، وحسرة تلاحق صاحبها في الدارين؛ فليستحضر هذا المعتدي أن عين الله لا تنام، قال الله تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾. 4- اعلم أن خلف الشاشة الصامتة رقابة إلهية محيطة، فتدبر في الآثار النفسية والاجتماعية التي يخلفها التحرش الإلكتروني، وانظر بعين الرحمة إلى تلك النفوس التي أرهقها القلق، وهددها الخوف، وأقعدها الاكتئاب بسبب الطعنات الرقمية الغادرة؛ فما هذا المسلك إلا سلب لسكينة الضحية، وزرع لبذور الشك في المجتمع، وشتات للأمان الذي شيدته الشرائع، وإن من عجيب التناقض أن يجترئ المرء على كشف أستار الآخرين، وهو الذي لا يرتضي لنفسه ولا لأهله أدنى خدش في العرض، ولا أقل مساس بالكرامة، فكيف يستبيح فعل ذلك؟ ألا فليعلم المتحرش أن خلف شاشته الصامتة رقابة إلهية، لا تغادر خائنة عين ولا خفاء صدر، فليكن لغيره عونا وسترا، وليعلم أن من ترك لذة الحرام وتقليب الصفحات المشبوهة اتقاء لله، أبدله الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرا منه». *********** الخطبة الثانية الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد: فيا أيها المكرم، إن تعاملك مع الألعاب الإلكترونية يقتضي منك بصيرة نافذة تميز بها بين النفع والضرر، فالإسلام قد أفسح لك ولطفلك المجال لترويح النفوس وتنمية الملكات الذهنية، ما دامت في إطار العرف الرشيد والمنفعة المعتبرة، وخالية من دنس القمار أو لوثة المحرمات؛ إذ الأصل في اللعب أن يكون مرقاة لبناء القوة، وميدانا لشحذ الهمة، كما استقرت عليه توجيهات الصحب الكرام في تعليم السباحة والرمي، ومن هنا يتعين عليك استعادة زمام المبادرة، عبر صياغة واقع يجمع بين الترفيه المنضبط والبناء المتين، وتوفير بدائل حية تعيد لطفلك فطرته النقية، استجابة للأمر الإلهي بحماية أهلك من غوائل الهلاك، واستشعارا لعظم الأمانة التي ستسأل عنها وحدك يوم العرض على الله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». أيها الأب المبارك، استشعر عظيم الخطر الكامن في الألعاب الإلكترونية التي تغزو عقل طفلك، وتتسلل إلى أعماق وجدانه، لتتحول في حياته إلى قيد خفي يأسر لبه، ويستنزف طاقته، ويبدد ساعات نمائه الحقيقي في غيابات العوالم الافتراضية، فهي عدوان صامت يغرس في نفس الصغير بذور العزلة، ويقسي قلبه بنوازع العنف، ويورث بدنه وهنا باديا في ضعف البصر واضطراب السكينة، فهذا الانغماس الرقمي يمثل تهديدا مباشرا لمسار التربية، وزعزعة للاستقرار النفسي، وقطعا لصلة الطفل بواقعه الحي وأسرته وقيمه الأصيلة، وهو ما يناقض مقاصد الشريعة في حفظ النفس وعمارة العقل، فاغرس في داخل ولدك هذا المنهج النبوي: «إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا». اللهم احفظ مصر وأهلها من الفتن ما ظهر منها وما بطن