ليس على أبيك كرب بعد اليوم يا فاطمة… قالها الرسول الكريم لابنته، عندما بات قريبًا من جوار ربه، مغادرًا الدنيا.. وتعني أن الدنيا دار كربات وابتلاءات لم يستثن منها الأنبياء والرسل.. وعليه فإني أراك الآن مبتهجًا يا نصر بذات الابتسامة الصافية، بعدما زال كربك، ولا أزكيك على الله. لا كرب يا نصر.. ولا مرض، ولا ألم، ولا معاناة… أنت الآن أسعد من ذي قبل، وكما كنت استعجلك في العمل، فقد أيقظتني أنت لأكتب عنك، وقد حاولت ألا أفعل.. والحقيقة يا نصر أنك مت واقفًا تضحك معي، فلو استرجعنا سنواتنا لما رأيتنا تصادفنا مرة دون هزار، ولما تقابلت أعيننا دون ضحكات الود والرضا والصفاء، حتى في مشاغبات ومناهدات العمل، لم يحدث أن انتهى بيننا نقاش عمل، دون ختام مبتسم على الأقل، إن لم يكن ختامًا بضحكات عالية عريضة، تثير استغراب من حولنا "كانوا لسه بيزعقوا".. والواقع أننا ولا مرة واحدة "زعقنا" إلا هزارًا وعشمًا ومحبة. صورة تجمعك يا نصر مع "آدم"، ضمن الأشياء التي قضّت مضجعي، وأيقظتني في السادسة صباحًا أكتب عنك، كما لو أني أناديك النداء الشهير بيننا "فين التحديث يا نصر"… فقد نمت مبكرًا على غير عادتي هربًا من الكتابة عنها وعنك، وما لبثت إلا أن استيقظت عليها، كأنها تنهرني وتسخر من هروبي، وتسألني "أتجبن عن الكتابة عن محمود نصر"؟.. والحقيقة لا أجبن عن الكتابة، ولكن لم أعد أحبها رثاءً، حتى وإن كنت جبنت عن زيارتك في هذا المكان الذي لا أحبه، فذلك حدث تشاؤمًا من ذكريات أليمة، لم أحب إعادتها، وقلت ربما هي فرصة لعودته سالمًا. لهذه الصورة ذكريات أحاول منذ الأمس الهروب منها، كما استطعت الهروب من إعادة إنتاج ومعايشة تفاصيل مستشفى عين شمس التخصصي مع محمود نصر، إذ أن ندبات المكان وذكرياته وآلامه لم تختف منذ علام عبد الغفار، وقد حدث واستطعت مقاطعة هذا المكان، والحقيقة أن ذلك جاء تشاؤمًا، واتهمت نفسي، وقلت عليّ أن أبتعد عن مرافقة نصر في هذا المكان، فلا ذكرى طيبة معه.. دعه يعود سالمًا. سارت الأمور كما قُدر لها، وفي محاولات الهرب من الواقع كتبت باختصار ترحمًا ونعيًا، ولأني لا أحب قلمي قلت ليته جف وزال حبره، إذ كتب هذا الناعي في الرثاء ما يكفي لجفاف هذا الحبر ما تبقى في الحياة، واكتفيت بالترحم على محمود نصر، حتى عندما هاتفتني زميلتي رشا خميس، وأخبرتني أنها في الأراضي المقدسة، وقد اتخذت طريقها لتأدية عُمرة عن "نصر" شكرتها ودعوت لها وله، واستكملت رحلة الإنكار، حتى رأيت هذه الصورة، والتي هاجمت سكوني، وطاردت هروبي، وواجهتني، وفتحت سيلًا من الذكريات، ذهب بما تبقى من مقاومة، واستدعى هذا القلم الذي لا أحبه، ولا أحب أن يكتب. ذكرتني هذه الصورة بكل مرة رأيت فيها العزيز محمود نصر وابنه، إذ ضحك وتبادل قفشات، ومحاولات تسخين الابن على الأب، تنتهي دائمًا بصوت "آدم" يقول ( لا بابا جميل).. والحقيقة يا آدم أن بابا كان جميلًا بالفعل، وعاش جميلًا، ورحل خفيفًا هادئًا.. رحل رحيل يليق بما عاش، وحيث تتشابه النهايات بالبدايات تكون القصة أكثر واقعية، وإن شئت الدقة قل أكثر صدقًا، فما رحل محمود نصر إلا كما عاش.. شاب جميل خفيف الظل والوزن والحمل، عاش خفيفًا على الجميع، وفارق كذلك أيضًا، الغائبون في القصص الأسطورية يعودون ثانية، ولم يهون ذلك من حزن أبطال القصة على غيابهم في شيء، فماذا عن غائبينا الذين رحلوا دون عودة؟.. بل ماذا عن غياب اليقين في عودة أرواحنا لما كانت عليه قبل فراق كل منهم؟… إن كل عزيز غائب يأخذ معه جزءًا منا، ومن أرواحنا، ومن يقيننا، وتبقى الندبات تلوح في الجسد والروح، كما تلوح الذكريات في الأفق، فلا هذه تختفي ويختفي أثرها، ولا تلك تتوقف عن مهاجمتنا بكل ما يذكرنا بالأعزاء، فما الحيلة غير الدعاء والصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا؟.. ما الحيلة في تجاوز رحيل فتى لا أذكر له معي غير كل لحظات رد ومرح وسعادة، حتى أني قلت إنه مات واقفًا يضحك معي؟.. والحقيقة لا أراك غير على هذه الابتسامة با نصر.. ولا أراك إلا تضحك كما كنت تضحك معي، وأسأل الله لك السعادة، بعد الكرب، والراحة بعد الشقاء. رحمك الله يا نصر في هذه الأيام المباركة.. ورحم علام عبد الغفار.. ورحم رمضان غالب.. وكل عزيز ذهب وتركنا.