حظيت بتجربة سينمائيه صادقة جدا بمشاهدة فيلم يونان في سينما زواية بالقاهرة بعد ماحقق هذا الفيلم جدلا واعجابا نقديا في الوسط الفني .حيث امتلات القاعة بجمهور متنوع من النقاد والسينمائين والطلاب . وخرج الجميع بحالة من الدهشة والسكينة مبهورين بجمال الصورة وصدق الاداء . فيلم "يونان" للمخرج أمير فخر الدين تحفةٍ فنية تلامس عمق التجربة الإنسانية في علاقتها بالاغتراب والهوية والوحدة. ومنذ عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين السينمائي الدولي في فبراير عام 2025، وقد نافس علي حائزة 'الدب الذهبي 'ثم عرضه العربي في مهرجان البحر الأحمر في ديسمبر 2025 لاقى الفيلم احتفاءً نقدياً لافتاً، إذ جمع بين الحس الدرامي المرهف والبناء البصري الذي يفيض بالشاعرية والتأمل. يقدّم "جورج خباز " هذا الفنان المجتهد اداء في هذا العمل يعدّ من أكثر أدواره نضجاً وتكاملاً، مجسداً شخصية "منير"، الكاتب اللبناني المقيم في المنفى الأوروبي، الذي تطارده فكرة الانتحار كملاذٍ من خوائه الداخلي. منير ليس مجرد بطل مأزوم، بل مرآة لروحٍ شرقية محاصرة ببرودة العالم الغربي. إنه كائن يبحث عن معنى في مدنٍ لا تتحدث لغته، فيجد عزاءه الوحيد في علاقةٍ إنسانيةٍ متقطعة مع سيدة ألمانية مسنّة (هانا شيغولا)، تشكل الجسر الأخير بين العالمين: الموت والحياة، الذات والآخر. تميز أداء خباز بصدق مدهش ينبع من تقمصٍ نفسيٍ وعاطفيٍ عميق. وقد صرّح الممثل في مقابلاته أنه وجد في "منير" نسخة داخلية من ذاته، تحديداً في ميله للعزلة ومحاسبة النفس. هذا الاندماج بين الفنان والشخصية منح الفيلم طاقةً تأملية نادرة، فكل نظرة وكل صمت يتحول إلى نصٍّ بصريٍّ يعادل صفحات من الحوار. لا عجب أن يفوز خباز بجائزة "اليسر" لأفضل ممثل في مهرجان البحر الأحمر 2025، وهو تتويج مستحق لما وصفه النقاد ب"دور العمر". من الناحية الإخراجية، يكرّس أمير فخر الدين حضوره كأحد الأصوات السينمائية العربية الأكثر فرادة. أسلوبه البصري هادئ ومنسجم مع الحالة الداخلية للشخصيات: الكادرات الواسعة للمدن الباردة تقابلها لقطات مقربة تلتقط رعشة الحزن في العيون. الإضاءة الخافتة والموسيقى البطيئة تعملان كامتداد لوجع النص، لتخلق عالماً يتأرجح بين الواقعية الأوروبية والتأمل الصوفي الشرقي. ومن هنا تأتي جمالية الفيلم: في قدرته على تحويل الاغتراب إلى لغة بصرية شعرية. أما على مستوى الفكرة، فيبدو "يونان" أكثر من مجرد حكاية عن كاتب يائس؛ إنه تأمل في معنى الانتماء الإنساني وفي إمكانية التواصل رغم الحواجز اللغوية والثقافية. الفعل الإنساني الصغير – كلمة، لفتة، نظرة – يتحول في الفيلم إلى جسرٍ عابر للحدود. وقد حظي الفيلم مؤخراً بعرضٍ خاص في سينما زاوية بالقاهرة، حيث امتلأت القاعة بجمهورٍ متنوع، من النقاد والسينمائيين والطلاب. خرج الجميع بحالة من الدهشة والسكينة، مبهورين بجمال الصورة وصدق الأداء، وأنا من بينهم. لم يكن الإعجاب بالفيلم مجرد اتفاقٍ نقدي، بل تجربة وجدانية عميقة جعلت كل من شاهده يخرج محمّلاً بأسئلته الخاصة عن الوجود والاغتراب ومعنى البقاء. اليوم، ومع انطلاق رحلة توزيعه العالمي في مهرجانات مثل هامبورغ وساو باولو وسيدني، يرسّخ "يونان" مكانته كمنجز سينمائي عربي ينتمي إلى السينما العالمية دون أن يفقد جذوره. إنه عمل يثبت أن اللغة الصادقة للفن لا تحتاج ترجمة، وأن الصمت يمكن أن يكون أبلغ من اي حوار