محافظ أسوان يشيد بجهود الطب البيطرى لحماية الثروة الحيوانية خلال 2025    محافظة بورسعيد: أعمال تطهير وتكريك وراء انخفاض ضغط مياه الشرب    نائب رئيس فلسطين يبحث مع المبعوث الأممي تطورات خطة ترامب بشأن غزة    إيران تنقطع عن العالم الخارجي.. وخامنئي يتهم المتظاهرين بإرضاء ترامب    مدرب كوت ديفوار: منتخب مصر متكامل.. ونصف نهائي أمم أفريقيا هدفنا    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    رئيسة وزراء إيطاليا تعارض أي محاولة أمريكية للسيطرة على جرينلاند    صافرة جزائرية تدير مباراة مصر وكوت ديفوار غدا    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    تفاصيل سقوط شبكة للمراهنات والعملات المشفرة عبر السوشيال ميديا    جوائز ساويرس والفريضة الغائبة    شهادات عسكرية ودبلوماسية.. كيف شاركت مصر في تجربة الزعيم الكونغولي باتريس لومومبا من الصعود إلى حماية أسرته بعد الاغتيال؟    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزير الخارجية يشدد على رفض مصر أي ممارسات من شأنها تقسيم قطاع غزة    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    هيئة الرعاية الصحية تُطلق منصات مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر – In Egypt We Care»    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    أوقاف البحيرة تعقد 180 مقرأة قرآنية و تواصل عقد المجالس العلمية بالمساجد الكبرى    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    تعرف على آخر تحديث لسعر الذهب اليوم.. عيار 24 ب6840 جنيها للجرام    محافظ الشرقية يُشيد بجهود فريق عمل وحدة «أيادي مصر»    شاهد رابط المباراة.. السنغال تواجه مالي اليوم في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    الجيش السورى يمنح قسد مهلة جديدة لإجلاء عناصرها من حى الشيخ مقصود بحلب    وزيرة التخطيط تستقبل المشرف العام على المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    محافظ المنيا يوجّه بتقديم كافة تيسيرات الكشف الطبي والتطعيمات لحجاج بيت الله الحرام    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    إصابة 13 شخصا فى حادث انقلاب ميكروباص بالمنيا    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    مدحت عبد الهادي: لا بد من تواجد مهاجم صريح لمنتخب مصر أمام كوت ديفوار    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    الأعلى للجامعات يبحث نظم الدراسة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    «الشؤون النيابية» تنشر إنفوجرافات جديدة من سلسلة «توعية وتواصل»    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



زلزال المغرب ووقاحة الإخوان.. «بيان المعاصى» من فساد البنا إلى غباء بنكيران
نشر في اليوم السابع يوم 02 - 10 - 2023

التجارة بالدين فعل مُنحطّ، ويزداد انحطاطًا إن اقترن بالوحشية وانعدام الإنسانية. ليس أسوأ من سماسرة العقائد لابتزاز البشر أو إرهابهم؛ إلّا من يرقصون على جُثث الناس فى المصائب والملمَّات، وإن اجتمع الأمران فى فصيلٍ يُصبح عنوانًا صريحًا على الانتهازية والحيوانية والوقاحة فى أسوأ صورها. كان حسن البنا يُضمر أهدافًا سياسية واقتصادية وراء لافتة الإخوان، وظلّ ورثته على العهد عقودًا؛ حتى أُطيح بهم فى مصر وغيرها من حواضر المنطقة، لكن بشاعة الجماعة ما تزال حاضرة. آخر حلقات السفه والسفالة وفساد المنطق والأخلاق جاءت من جناحهم ناحية الغرب، عبر بيانٍ ردىء وشديد الوضاعة أصدره حزب العدالة والتنمية «إخوان المغرب»، مُفتئتًا على الدين والعلم والطبيعة؛ بادّعاء أن «زلزال الحوز» وخساراته المُوجعة من نتاج الأخطاء والمعاصى، كأنه يُدين مجتمعًا كاملاً، ويشمت فى مُصاب الضحايا كيدًا للسلطة وخصوم السياسة، ويستعير تخرُّصاتٍ ماضويّة فُرِضت على العقل الإسلامى قهرًا، وغايته تمرير أهداف مصلحيّة يعجز عن تحقيقها بالشعبيّة والتنافس. لا يُشير الموقف إلى سقطةٍ عابرة؛ إنّما يفضحُ ذهنيّةً مُشبعة بالتطهُّر والتعالى، وموهومةً باحتكار الفضيلة، وعاجزةً عن إخفاء أنيابها ومخالبها؛ مهما انتحلت مظهرًا حداثيًّا وزيَّفت خطابات خداعيّة مُنمّقة.

قالت أمانة الحزب، بقيادة عبد الإله بنكيران، ما معناه أن «الزلزال بسبب الذنوب والمعاصى»، لا فى مُستواها الفردى فقط؛ إنّما بالمعنى العام والسياسى وفى الانتخابات والمسؤوليات والتدبير العمومى. وعندما انقلبت الدنيا وتفجَّر الغضب من وضاعة البيان ورسائله، خرج مُتحدّثًا فى مقطعٍ مُصوَّر على «فيس بوك» للتوضيح؛ فعمَّق الجُرم وزاد الطين بلَّة، إذ قال إنه مسؤول عن الفقرة الجدليّة ومُتمسِّك بأفكاره وقناعاته، ومَن انتخبوه يعلمون ذلك وعليهم أن يتحمَّلوه لأنه لن يتغيَّر، وإنه كان يقصد الجمع بين السلطة والمال ودعوات إباحة العلاقات الجنسية والخيانة الزوجية، ولم يكن يقصد بحديث المعاصى من ماتوا فى الزلزال؛ إنما يتحدَّث عن المغاربة عمومًا. المُصيبة أنه طعن الشعب بكامله علنيًّا فى أخلاقه، وشكَّك ضمنيًّا فى العدل الإلهى، وانحرف بالدين من روحانيته إلى تقديم تفسيرات مُضلِّلة عن البيئة والكوارث.

لا يختلف ذلك عن شعارات الإسلاميِّين الرثَّة منذ الثمانينيات، وكانت كلّها تدور فى نطاق وَصْم السلطة وإدانة المجتمع، ومُحاولة اصطناع أفضليّة لجماعات الرجعية، من زاوية أنها تُمثّل الدين وجوهره الصافى، وأن الأزمات نتاج البُعد عن الصيغة التى يُقدِّمونها من الإسلام، حتى وصلت الغباوة والتلفيق إلى تشويه جُدران مصر كاملةً بمُلصقات «سينتهى الغلاء عندما تتحجَّب النساء»؛ لكنهم بعدما أنجزوا موجةً كاسحة من تلويث الهويّة وفَرض التشدُّد، لم تتحسَّن الأحوال أو تتحقَّق جنّتهم الموعودة، بل إنهم عندما حكموا بأنفسهم ابتذلوا الدين والوطن والأخلاق، وقدَّموا أشدَّ صُور السياسة والإدارة والاجتماع خفّةً ووضاعة، وفتحوا على البلد بالوعةَ عفنٍ وفتنة وإرهاب. بيان إخوان المغرب لا يختلف عن سفالة إخوان مصر، البعرةُ تدلّ على البعير، والأُصوليّة المُتطرّفة كلُّها تشرب من مُستنقعٍ واحد. لا فرق بين أن يُهدِر «بديع والشاطر» دماء المصريين، ويرقص صبيانهم ومُرتزقتهم على دماء شهداء الإرهاب، وأن يتسافل «بنكيران» وعصابته على أهل المغرب، ويُهينون أرواح ضحايا الزلزال ويخرقون قلوب ذويهم بخنجرٍ صدئ.. لا يشعر رِعاع الجماعة فى أىّ بلدٍ أنهم جزءٌ منه، أو يُؤلمهم ما يؤلمه، ولا يتورّعون عن الحفر فى جروحه والرقص فى مآتمه.

تجربة الإخوان يفضحها الضوء؛ ليس لأنهم يجيدون العمل فى الخفاء، ولكن لأن أفكارهم لا تصلح للتداول بين الناس. هى جماعةٌ انغلاقيّة بشدَّة، فى الأيديولوجيا والخطاب، وأهم من ذلك فى حلقات صعودها وانطفائها. شارك المصريّون منهم فى ثمانى انتخابات برلمانية، مُتدرِّجين فى الحضور وعدد المقاعد، وعندما سيطروا على السُّلطة انكشفوا واحترقت أوراقهم، وكذلك إخوان تونس: من الصفر إلى القمَّة ثم الصفر مُجدّدًا، وإخوان السودان أصبحوا مطاريد البيئة السياسية بعد ثلاثة عقود فى الحُكم. حزب «العدالة والتنمية» المغربى شارك فى ستِّ انتخابات، أقلّ حظوظه كانت فى الأولى 1997 والأخيرة 2021، وبينهما عشر سنوات فى الحكومة بعد انتخاباتٍ مُبكّرة وتعديل للدستور فى 2011، ولم يُغادرها إلا منذ سنتين تقريبًا. تقارير البنك الدولى تُحذّر منذ 2009 من أن المغرب من أكثر البلدان عُرضة لمخاطر الجيولوجيا والمناخ، وأهمها الفيضانات والزلازل والجفاف والتصحُّر، وخسائرها السنوية بسببها 575 مليون دولار؛ لكن حكومة الإخوان لم تنتبه لذلك أو تشتغل عليه، ولم تفعل شيئا لأهل الحوز ومراكش وتارودانت، وكان «بنكيران» نفسه فى مقعدها الأول خمس سنوات، لكنه يتحدَّث اليوم عن الفساد والقصور ويلغ فى دماء الضحايا، بدلاً من الاعتذار أو الصمت فى حضرة كارثة إنسانية تتجاوز كلَّ الأهداف الضيقة والخصومات السياسية النفعيّة.

مقصود البيان واضح. إنّ غاية التلاسن والتشنيع ووَصم المجتمع، القصاص من انتخابات 2021 التى أطاحت الإخوان من السُّلطة، ومنحتهم المركز الثامن فى البرلمان ب13 مقعدًا فقط من أصل 125 حازوا بها المركز الأول فى 2016. مرض الأغراض السياسية أعمى عيون «العدالة والتنمية» عن اللياقة الإنسانية وحقائق الأرض. الناخبون عاقبوهم على الفشل وسوء الإدارة، لا على إيمانهم المزعوم، و«رسالة المعاصى» الفجَّة بعد أسبوعين من الزلزال لن تُبرِّر إخفاق عشر سنوات، كما أنها تستعدى الجمهور فى لحظةِ حُزنٍ يتوحَّد عليها الجميع، وأفرزت حالةً تضامنية عالية بين الدولة والشارع، بل إنّ دولاً عديدة فى الجوار وعلى البُعد تداعت للنجدة وكفكفة الدموع، بينما لفَّ الإخوان خصورَهم بقماشِ الشماتة، وانهمكوا فى الرقص. كان «بنكيران» وقحًا عندما نزل عن واجب المواساة؛ ليقول للمنكوبين إن شهداءهم عُصاة ومذنبون، ثم كان شديد العَتَه والتبجُّح وهو يتحوَّل إلى التلطيف، بالقول إنهم ماتوا على مذبح الذنوب العمومية، كأن له ولايةَ التقويض والاستثناء على قول الله «ولا تزر وازرة وزر أخرى». الحقّ أن أصاغر الإخوان أهانوا السماء قبل أن يجرحوا شعور المغاربة، وأهانوا جموع المسلمين فى مُعتقدهم وإيمانهم بالنص المُقدَّس وعدل الله المُطلق.

الحياة تنتظم وفق قانونٍ واضح، لا يُحابى المُتكاسلين مهما تشدَّدوا فى الطاعات، ولا يُعادى المجتهدين وإن جحدوا أو كفروا. وفق اعتقاد «بنكيران» الفاسد، فالأَوْلى بغضب الطبيعة من لا يُؤمنون أصلاً، وليس فقراء «الحوز» ومساجدهم. هذا التصوُّر الساذج كان مُنطلَق الإخوان لتفسير استفتاء تعديل الدستور فى مصر 2011 باعتباره تصويتًا للدين، وفوزهم بالبرلمان والرئاسة كأنه مُكافأة على الإيمان؛ لكنهم انقلبوا على أنفسهم عندما ثار المصريون وأطاحوهم من الحُكم، فلم يعتبروا ذلك عقابًا إلهيًّا أو قصاصًا مُقدّسًا من ذنوبهم ومعاصيهم. إخوان المغرب أيضًا اعتبروا فوزهم فى 2016 «شيكًا مدفوعًا» عن الطهرانيّة وفضائل الأعمال؛ ثمّ تجاهلوا كل أخطائهم، وفسَّروا الهزيمة بالفساد والتواطؤ والمُؤامرات. تلك أفدح مُشكلات خلط الدين بالسياسة؛ أنَّ فريقًا من أشدِّ الناس خسَّةً وانتهازية يعتقدون حيازتهم بطاقةَ عُبورٍ احتكاريّةً ودائمةَ الصلاحية.

فى صيف 2016 تفجَّرت فضيحةٌ مُدوّية بين أروقة إخوان المغرب. ضُبِط عمر بن حمّاد وفاطمة النجار فى وضعٍ مُخلٍّ داخل سيارة على شاطئ المنصورية، وهما نائبا رئيس حركة التوحيد والإصلاح «الذراع الدعوية لحزب العدالة والتنمية». ادَّعيا أنهما مُتزوِّجان رسميًّا، وعندما اشتدّت تساؤلات الأمن قالا إنه «زواجٌ عُرفى»، وكانت «فاطمة» أرملةً تُوفّى زوجها قبل أقل من سنة. وجرى لاحقًا تزييف عقدٍ رفضته المحكمة وقضت بالحبس شهرين مع إيقاف التنفيذ وغرامة 500 درهم. بعد أقل من سنتين كان الحزب على موعدٍ مع سقطةٍ أفدح لواحدة من كوادره؛ إذ تقدَّمت آمال الهوارى ببلاغ يتَّهم الصحفى توفيق بوعشرين باغتصابها، وعندما أبرزت جهات التحقيق مقطع فيديو يُثبت أنها كانت علاقةً رضائيّة، تراجعت عن الاتّهام وقالت إن «الشيطان الرجيم» سبب انزلاقها إلى الخيانة الزوجية، وحاولت استمالة بعض الصحفيِّين ومُنظَّمات المجتمع المدنى لدعمها. لم يعتبر «بنكيران»، ومن بعده سعد الدين العثمانى، أن السقوط المُدوّى فى الانتخابات عقابٌ على المعاصى والتفسُّخ الأخلاقى، والعلاقات غير المشروعة بين المُتوضّئين الذين يُغالون فى مظهر التديُّن وينقطعون عن جوهره، وكان الاتساق مع النفس يُوجِب أن يتقبَّلوا الابتلاء بذنبوهم، بدلاً عن مُواصلة التهرُّب منها، ومن الفشل وانعدام الكفاءة، بإنكارِ ما فات، ثمَّ إدانة أبرياء طمرتهم كارثةٌ طبيعيَّة لا علاقة لها بالمعصية أو الطاعات.

ميراث الجماعة لا يخلو من سوابق شبيهة. كانت قد تفجَّرت فضيحةٌ عن زيارات عبد الحكيم عابدين «صِهر البنا» للأخوات فى منازلهن ضمن برنامج الأُسَر، وخضع للتحقيق وأُدِين داخليًّا؛ لكنّ المُرشد الأوَّل أغلق الملف، وتستَّر عليه وهدَّد المُتشدِّدين فى مُحاسبته، واستمرت الفضائح والتشوُّهات، وآخرها إدانة حفيد البنا فى وقائع اغتصاب عديدة بأوروبا. وذهبت طوابير من الإخوان فى كلِّ حقبةٍ لاعتبار الانتكاسات نصيبَ المُؤمنين من الابتلاء، والمكاسب هدايا سماويّة، بينما نجاحات الخصوم من باب الإمهال والمدد للظالمين، وإخفاقاتهم عقاب وأخذ عزيزٍ مُقتدر. لو أُدير الأمرُ فى حيِّز السياسة فلا تفسير إلا أنّ التصويت للإخوان، هنا أو فى المغرب، كان تعبيرًا عن قبولٍ مُؤقَّتٍ ومرهون ببرامج والتزامات، وأن الخروج عليهم كان رفضًا شعبيًّا نابعًا من اعتباراتٍ اجتماعية ووطنية لا دخل للدّين فيها، وكما أن انحطاط الجماعة وعمالتها اليوم حصادُ مواقفها واختياراتها، فإنّ قتلى الزلزال ضحايا كارثة طبيعية. غاية ما تُتيحه العقيدة فى الحالين أن تُثبِّت قُلوب المكلومين، وأن تردع انحطاط المُنحطِّين، لكنها لا تملك تفسيرًا ولا تمنحُ أنواطَ شرفٍ أو شهادات وَصمٍ وإدانة.

يعتبر الإخوان أن الوصول للسلطة تذكرةٌ وحيدةُ الاتجاه «ذهاب دون عودة». عندما ابتلعوا البرلمان والرئاسة فى مصر، قال بعض قادتهم إنهم جاءوا ليحكموا خمسمائة سنة؛ لذا صدمهم الرفض الشعبى السريع والمُباغت، ولم يستوعبوا أن الناس لم يُوقِّعوا لهم «عُقود إذعانٍ» أو شيكات على بياض. فى المغرب تخيَّل «بنكيران» وعصابته أنهم صعدوا وأزاحوا السلالم خلفهم، كما قال على بلحاج بعد فوز جبهة الإنقاذ فى الجزائر 1991: «جئنا بالديمقراطية لكى نقول لها باى باى». نشوةُ تشكيل الحكومة فى أجواء الربيع العربى، ثم تأكيد الحضور بنحو 32% من مجلس النواب، أبعدتهم عن تصديق نكسة 2021 وفقدان 90% من مقاعدهم. ما حدث أن «العدالة والتنمية» لم يُفق بعدُ من صدمةِ الانطفاء والذبول، كما لا يملك رؤيةً ولا برنامجًا ناضجًا، وليس فى مقدوره اجتراح بدائل مُقنعة للشارع؛ والحلّ أن يعود للمشهد من أيَّة ثغرةٍ مُمكنة، ولو كان بالوقاحة وإثارة الجدل ونبش قبور الأبرياء. غايةُ البيان أن يضع الحزبَ مُجدّدًا فى بقعة الضوء، وهو بذلك يعتمد واحدًا من أردأ مبادئ التسويق، وفيه يُنظَر للدعايةِ كغايةٍ بغضّ النظر عن كونها سيئةً أو جيّدة. ربّما أحرز ضِباع الإخوان قدرًا من أهدافهم، وقد تردَّد اسمُهم فى الأخبار والتعليقات وتفاعلات مواقع التواصل، بأضعاف وزنهم البرلمانى الضئيل وحضورهم الشعبى الباهت؛ لكنهم خاصموا الوجدان الشعبى، وصنعوا شرخًا عميقًا مع الشارع. ليس الأمر أنهم انتهكوا عصمةَ الموت وابتذلوا جلالَ الحُزن العام، ولكن أنّهم صرَّحوا بمكنونِ صُدورهم، وقالوا على وجهٍ لا يحتمل التأويل إنهم يرون ناخبيهم مُذنبين وعُصاةً ويستحقّون الغضب الإلهى، وقد لا يكون منطقيًّا أن يطلبوا أصوات هؤلاء الناخبين مُستقبلاً، وإن طلبوها فقد لا يتحصَّلون عليها. صحيحٌ أن الشعوب قد تنسى وتغفر أحيانًا؛ لكن ربما يصعب النسيان فى مسائل الإنسانية والانسلاخ عن المجتمع؛ لمحاكمته وإدانته وابتذال آلامه، بدلاً من مُواساته وتطييب خاطره والاصطفاف معه فى وقت المحنة.

كان أداء السلطات المغربية على قدرِ الحَدث، وعوَّض التضامنُ الشعبى ما عجزت عنه المُؤسَّسات، وأقرَّت المملكة برنامجًا ضخمًا للإعمار ومُعالجة آثار الكارثة وتطوير أكواد البناء. مضى الشُّهداء إلى ربِّهم، وستتكفَّل الأيام بتضميد الجراح وتجفيف خزَّان الحُزن فى الصدور؛ إنما موقف الإخوان المُنحطّ قد لا يشطبه الزمن ولا تنساه الذاكرة. يُلخِّص البيان عوارًا عميقًا فى فِكْر الجماعة، وفى الأدبيَّات والمُمارسات، وأن أعضاءها يعدُّونها جنسيّةً بديلة عن الأوطان؛ لهذا يضعون مصلحتها فوق مصالح البلاد والعباد. نتاج ذلك فى مصر أنهم صاروا بين مُجرمٍ مُدانٍ وهاربٍ عميل، ويُلاحقهم العار فى السودان وتونس واليمن وسوريا، وفى المغرب قدَّموا دليلاً مُتأخّرًا على حجم انحطاطهم، وابتذال الدِّين لخدمة أعراض الدنيا. ربّما لا نحتاج بُرهانًا جديدًا على فساد الفكرة، من حسن البنّا إلى أصغر عُنصرٍ فى حظيرتها اليوم؛ لكن من المُفيد أن تتكفَّل الجماعة بتذكيرنا، بين وقتٍ وآخر، بأنها مُستنقعٌ من الأفَّاقين والمُختلِّين ومُشوَّهى العقول والأرواح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.