ابتسامتها تعبر وجهها لترسم أمامها طريقاً ممهداً تتحرك عليه قدميها المبتورتين فى رحلة طويلة من البوتجاز الصغير إلى السرير المتهالك الذى تستلقى عليه ابنتها.. "فرح" هو الاسم الذى أطلقته عليها فى عالم لا تملك فيه إلا أمل أن تأتى الفرحة الحقيقية يوماً.. تتناسى أن يديها أيضاً مبتورتين، وهى تضع فرح بين ما تبقى منهما بابتسامة تعينها على حملها قبل أن تضمها إليها.. تفاصيل الحياة اليومية بالكمال تسير بهذه الطريقة بين صفاء وابنتها فرح.. فلا أب موجود ولا عائلة.. ولا يدان وقدمان تعين على مواصلة الحياة.. فقط ابتسامة.. وأمل.. وثقة فى الله.. تلقى عليها الهموم وتحرك بها ما تبقى من جسدها فى رحلة لعبور حواجز الحياة التى ترتفع كل يوم مزودة بموانع من الفقر والوحدة والضعف فى عالم تسقط من نظرة صفاء مثلما يتساقط آلاف الغلابة دون أن يشعر بهم أحد كل يوم. قصة صفاء مصباح صاحبة ال28 عاماً بدأت مبكراً.. حادث فى الطفولة أضطرها لعملية قطعت خلالها معظم أطرافها.. حقنه بنج استيقظت منها لتبدأ حياة أخرى محطات السعادة فيها كانت مغلقة حتى قابلت محطة الزواج.. الظروف الصعبة كانت تتغلب عليها هى وزوجها بحب ما زالت تفاصيله الصغيرة تتشبث بعقلها بوضوح.. يده وهى تسرح شعرها لأنها لا تتمكن من تسريحه.. عبارات الغزل لم تترك أذنها بعد.. وفرح التى لم يتجاوز عمرها الشهور ما زالت تحمل رائحته كلما ضمتها.. كل شىء رغم الفقر ورغم إصابتها كان جميلاً حتى دقت الباب رياح غير منتظرة تقول صفاء "أول ما حملت قررت أسمى بنتى فرح.. عشان هى فرحة عمرى.. لكن فى لحظة اكتشفنا أن جوزى عنده سرطان.. وكام شهر ومقدرناش نلحقه ومات.. وبقينا لوحدنا". نفس الضحكة ترتسم على وجه فرح صاحبة الأربع شهور.. نفس الصوت ونفس التعابير التى ترتسم على وجه صفاء تنتقل لوجه فرح، رغم أنها لا تفهم ما يدور حولها.. تقول الأم "باين عليها بالوراثة.. دى الحاجة اللى عايشين عليها.. ربنا ما بيسيبش حد.. والحياة بتمشى". نتوقف عند الحياة بتمشى.. أزاى؟ .. تجيب "بشتغل فى مدرسة الإمامين وظيفة اسمها خدمات معاونة.. باخد فرح كل يوم وبنزق نفسنا لحد ما نوصل المدرسة.. وآخر الشهر بقبض 350 جنيه وببركة ربنا بتمشى". مشكلة صفاء الأصعب كالتالى "بنتسرق كل يوم.. حتى فى ناس بتدينى بمبارز وهدوم لفرح، فى حرامية عرفوا أننا لوحدنا وبيسرقونا كل يوم"، وتتابع "نفسى بس فى شقة عليها باب بمفتاح وحمام ليا أنا وفرح.. ميتهيأليش كتير على ربنا وأكيد هيجيبهم لينا".