الاكتئاب وأن أصبح سمة العصر الحالى إلا أنه موجود منذ أن وجد الإنسان، وبدأ الصراع بين ما يتمناه هو بعقله القاصر وقلبه المريض وإمكاناته المحدودة، وما قدره الله له فى الأزل وعلم بعلمه اللامحدود، إنه النافع له الواصل به إلى مرضاته عز وجل. وينشأ الحزن إما عن فوت محبوب أو حدوث مكروه، وهو ما يعتبر فى عرف الناس مصيبة، وهذا الاعتبار ناتج عن ضعف اليقين، لأن من قوى يقينه علم أن كل الأمور بيد الله، وما أصابه لم يكن ليخطئه ولو تحرز، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ولو توسل، فاذا قابل الإنسان الأسباب الموجبة للحزن بالصبر وأطفأ نارها ببرد التأسى بأهل المصائب وعرف أن حظه من المصيبة ما تحدثه له فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط، وعلم أنه وإن بلغ فى الجزع غايته فآخر أمره إلى صبر الاضطرار، وهو صبر غير مثاب، فالصبر الحق هو ما كان عند الصدمة الأولى، وعلم أن ما يعقبه الصبر والاحتساب من اللذة والمسرة أضعاف ما كان يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقى عليه. فإن كل هذه الأمور ستجعله يوازن بين مراده ومراد الله منه، ويعلم أن ابتلاء الله له بفوت ما يظنه محبوبًا أو حدوث ما يعتبره مكروهًا هو لخير ادخره الله له، قال تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". وقال تعالى "وبشر الصابرين؛ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون . أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون" البقرة 155 وفى المسند عن الرسول (ص) أنه قال: "ما من أحد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرنى فى مصيبتى، واخلف لى خيرًا منها، إلا آجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرًا منها، " وقد كان رسول الله ( ص) يقول عند الكرب، كما جاء فى الصحيحين من حديث ابن عباس: "لا إله إلا الله الحليم العظيم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض رب العرش الكريم. "وفى جامع الترمذى عن أنس رضى الله عنه، أن رسول الله (ص) كان إذا حزبه أمر قال: "يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث." وقد قال رسول الله: "إنى لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج الله عنه؛ كلمة أخى يونس.. لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين".. وفى سنن أبى داود، عن أبى سعيد الخدرى، قال: "دخل رسول الله (ص) ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال يا أبا أمامة مالى أراك فى المسجد فى غير وقت الصلاة ؟ فقال: هموم لزمتنى وديون يا رسول الله. فقال: ألا أعلمك كلمات إذا أنت قلتهن أذهب الله عز وجل همك، وقضى دينك؟ قال: قلت بلى يا رسول الله، قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت:- "اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. "قال ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همى وغمى وقضى عنى دينى. ويذكر عن ابن عباس، عن النبى (ص) أنه قال: "من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله. "وثبت فى الصحيحين أنها كنز من كنوز الجنة، وفى الترمذى أنها باب من أبواب الجنة. والعاقل لا يحزن إلا على ما يفوته من رضا الله فمن كل شىء عوض إلا الله فما منه من عوض كما قيل: من كل شىء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعت من عوض فكل ما يفوتك من الدنيا احتسبه عند الله تجد خيرًا منه فى انتظارك يوم القيامة، وكل ما تحصل عليه فيها فاجتهد أن تصرفه فيما يحب الله لتنال خيره فى الدنيا والآخرة. والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.