عبد الرحيم علي: التجربة أثبتت أن الحنان وصداقتي لبناتي أفضل مليون مرة من القسوة    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 25 فبراير 2026    وسط مقاطعة ديمقراطية.. ترامب يستعرض إنجازاته وخططه ضد إيران في خطاب "حالة الاتحاد"    حقيقة استغناء الأهلي عن «بن شرقي» بنهاية الموسم    السيطرة على حريق نشب داخل شقة سكنية بمساكن مبارك بإيتاى البارود بالبحيرة    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    إنعام كجه جي تحاور المطربة العراقية سليمة مراد    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    21 طنًا حصيلة الحصاد بمزرعة المنزلة.. جهاز حماية وتنمية البحيرات يوسع تطبيق نظام الاستزراع عالي الكثافة    عثروا عليها وحول رقبتها "إيشارب"، أول صورة لفتاة بوسعيد بعد وفاتها أثناء زيارة أسرة خطيبها    بشرى: نظرة المجتمع مش بتفرق معايا بعد الطلاق.. محدش بيحطلي أكلي في الثلاجة    كيف تحافظ على باقة الإنترنت شهرًا كاملًا؟ دليل عملي لتقليل الاستهلاك دون التأثير على الاستخدام    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    16.2 مليون مواطن استفادوا من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية ضمن «100 مليون صحة»    رجيم إنقاص الوزن في رمضان.. خطة متوازنة لخسارة الدهون دون حرمان    طريقة عمل البيض بالخضراوات لسحور صحي ولذيذ    محافظ المنوفية يشدد على سرعة إنجاز المشروعات وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين    فرقة ناشد.. حكاية أول فريق مصري لكرة القدم تأسس عام 1895 وأبرز لاعبيه    أحمد هاشم يكتب: غليان «الإخوان» بسبب «رأس الأفعى»    الأمم المتحدة: المشروعات التوسعية الإسرائيلية تهدد أمن واستقرار دول الجوار    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    دعاء ليلة رمضان السابعة بالقرآن الكريم.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    مستشار رئيس اتحاد الغرف: نتوقع مد الأوكازيون الشتوي حتى عيد الفطر    الأندية المتأهلة رسميا إلى ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا    مصدر من الزمالك يكشف ل في الجول حقيقة خلاف السعيد مع الجهاز الفني.. وسبب غضبه    هل حقن التخسيس تُسبب السرطان؟.. استشاري تغذية يُجيب    إخلاء سبيل محام بعد مشاجرة مع زملائه داخل محكمة بقنا    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    بعد تألقه في مسلسل فن الحرب.. إشادات واسعة بأداء إسلام إبراهيم    10 كلاب يفترسون صغير في دمنهور.. وأسرته: نجا بأعجوبة    محافظ الوادي الجديد تعقد لقاءً جماهيريًا مع أهالي قرى الشركة بمركز الخارجة    الداخلية تكشف ملابسات واقعة تحرش لفظي بسيدة في الجيزة    نقل ملك النرويج هارالد الخامس إلى مستشفى في إسبانيا إثر وعكة صحية طارئة    تصعيد أمني جديد في سوريا.. تنظيم «داعش» يغتال 4 من عناصر الأمن في هجوم مباغت بريف درعا    النائب العام يجتمع بأعضاء النيابة العامة فى حفل إفطار رمضان    قرار جديد من النيابة في واقعة تعدى عامل على والدته بالإسكندرية    مشاورات مكثفة ل "نزع سلاح حماس" تجابه الإنذارات الإسرائيلية وتوقعات بتغليب التفاهمات    أخبار مصر اليوم: أخر فرصة للحصول على دعم ال400 جنيه للفئات المستحقة للمنحة، ضبط 770 كيلو دواجن منتهية الصلاحية الصلاحية بالقليوبية، الصحة تستهدف إنشاء 440 وحدة للسكتة الدماغية، حالة الطقس غدا    cnn اقتصادية: مصر تتصدر الدول العربية الأكثر جذبا للاستثمار الأجنبى    أخبار الاقتصاد اليوم: ارتفاع أسعار الدواجن البيضاء، البورصة تربح 54 مليار جنيه بختام تعاملات منتصف الأسبوع، قفزة فى سعر زيت الطعام    أحمد ماهر بعد فيديو سباب والد ياسر ورامز جلال: ليست أخلاقي.. وثعبان اندلف أمامي وفتح جرحا قديما    الحلقة 7 من مسلسل «اسأل روحك».. ياسمين رئيس تقيم «زار»    حفيدة عبد الرحيم علي: "جدو هو اللي بيشجعني أطلع الأولى"    ناجى الشهابى: دراما المتحدة تؤكد ريادة مصر الحضارية وتفضح قوى التطرف    مجلس جامعة المنيا يهنئ المحافظ بتجديد ثقة القيادة السياسية    معتمد جمال: حاربنا لإعتلاء صدارة الدورى.. والزمالك يضم أفضل لاعبى أفريقيا    رسميا.. الزمالك وبيراميدز ينضمان للأهلي وسيراميكا في مجموعة تحديد بطل الدوري    حرس الحدود يفوز علي إنبي بالدوري    منتخب مصر للكرة النسائية يواجه الجزائر وديًا    اليوم.. لجنة الدراما بالأعلى للإعلام تناقش دراما الأسبوع الأول من رمضان.. وتصدر تقريرها الأول    الآلاف في برلين يظهرون الدعم لأوكرانيا لدى دخول الحرب عامها الخامس    نيوكاسل يونايتد وباير ليفركوزن يتأهلان إلى دور ال16 بدورى أبطال أوروبا    الاتحاد المغربى ينفى انفصاله عن وليد الركراكى.. ويؤكد استمراره    وكيل وزارة الصحة بشمال سيناء يستكمل جولاته التفقدية ببئر العبد    سوزان القليني نائبًا لرئيس مجلس أمناء جامعة عين شمس الأهلية (بروفايل)    تفاصيل إطلاق مبادرة أبواب الخير لدعم الفئات الأولى بالرعاية خلال رمضان    وزيرا الدفاع والداخلية يشهدان حفل إفطار بمناسبة شهر رمضان    اللواء دكتور خالد فودة رئيسًا لمجلس أمناء جامعة مدينة السادات الأهلية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من يأتى قبل الآخر فى الحرب على مقعد اليونسكو؟
مصر وفاروق حسنى
نشر في اليوم السابع يوم 04 - 06 - 2009

◄ياليت فاروق حسنى كسب إسرائيل ومن وراءها.. ولكنه فوجئ بأنها تشكره وتقبل اعتذاره واحمرت وجنتاها كثيرا بمثل هذا الغزل الحميم والدافئ من وزير مصرى.. ولكنها للأسف الشديد لن تستطيع السيطرة على جماعات يهودية كثيرة فى العالم كله معادية لفاروق حسنى
هى ليست أبدا معادلة حسابية، فالحساب ليس هو المادة الأولى بالرعاية والاهتمام والالتفات والمذاكرة حين تطغى السياسة على الأجواء وتمتلئ الآفاق بالسياسيين والوزراء، لأن الحساب الذى يؤكد أن حاصل جمع اثنين زائد اثنين يساوى أربعة، تعارضه السياسة التى لن تمانع مطلقا أن يصبح حاصل هذا الجمع ثلاثة أو خمسة أو عشرة، إلا أنه حتى بمعادلة السياسة وليس الحساب فإن فوز فاروق حسنى بمنصب مدير اليونسكو ليس انتصارا لمصر، وبالتأكيد فإن خسارة نفس الرجل لهذا المنصب لن تكون مطلقا خسارة لمصر.
وأنا بالتأكيد لن ألقى بمعادلتى بما فيها من أسماء وأرقام وعلامات ورموز فى وجه القارئ وأنصرف مسرعا أو هاربا أو عاجزا عن الشرح والتدليل والإقناع والمواجهة، ولكننى قبل كل ذلك أود التوقف عند حكاية أهم وأكبر من فاروق حسنى ومن أى منصب فى العالم، وهى حدود العلاقة بين مصر والمصريين، متى تصبح مصر حجة على المصريين وهل يمكن لأى سبب وفى أى ظرف أن يصبح أحد أو كل المصريين حجة على مصر، إذ إنه بات من الملاحظ أنه بعد فوز الدكتور بطرس غالى بمنصب الأمين العام للأمم المتحدة كأرفع منصب سياسى على المستوى الدولى، وقد أصبح هناك ولعا فى مصر بمطاردة المناصب الدولية، حالة من الشغف والطموح المشروع قادت مصريين للجلوس على مقاعد عالمية، فأصبح الدكتور محمد البرادعى رئيسا لوكالة الطاقة الذرية، ونجح الدكتور حسن مصطفى رئيسا للاتحاد الدولى للعبة كرة اليد، وأصبح هانى أبوريدة عضوا فى المكتب التنفيذى للاتحاد الدولى لكرة القدم، وفى كل مرة ينجح فيها مصرى فى الوصول لأحد هذه المناصب الدولية، كان الإعلام المصرى بكافة فصائله وأشكاله يحرص على تصوير الأمر، بشكل صارخ وفج وغير مفهوم وغير مقبول أيضا، وكأنه انتصار لمصر وللمصريين جميعهم، وغالبا ما كانت الشاشات التليفزيونية المصرية فى مثل تلك الأوقات تزدان بعلم مصر وصور هؤلاء المصريين الرائعين مع خلفيات موسيقية وغنائية من نوعية المصريين أهمه ويا أحلى اسم فى الوجود وحبيبتى يا مصر، وفى مثل تلك الاحتفالات كانت تسقط أحيانا بالعمد وغالبا بالغفلة كل ما بقى من فوارق بين الخاص والعام، بين مصر والمصريين، وهكذا باتت مصر نفسها هى التى جلست على مقعد الأمين العام للأمم المتحدة، وهى التى تدير وكالة الطاقة الذرية، والاتحاد الدولى لكرة اليد وتشارك فى إدارة الاتحاد الدولى لكرة القدم، وبات كثيرون جدا فى مصر يرددون ذلك ويفاخرون بذلك، ولكنهم بدون أى إحساس بالخجل والحياء تناسوا عمدا كل ما قالوه بعد إخفاق بطرس غالى فى البقاء أمينا عاما للأمم المتحدة لفترة ثانية لأول مرة فى تاريخ المنظمة العالمية الكبيرة، وسيتناسون كل كلامهم القديم لو أخفق الدكتور حسن مصطفى فى انتخاباته المقبلة أو خرج هانى أبوريدة من الفيفا، بل ولم يتذكر أحد من هؤلاء جميعهم مصر مطلقا والدكتور إسماعيل سراج يخسر معركته لرئاسة اليونسكو، نفس المعركة التى يخوضها الآن فاروق حسنى، وقد وجدت أنه من المناسب الآن، ومن الضرورى جدا، أن نتوقف ونضع حدا فاصلا، دائما وواضحا، لمثل هذا الخلط الفاضح والفادح ومثل هذه الفوضى والعبث والخلل التى لا تعرفها الدول الكبرى والراسية والعريقة فى عالمنا.
ولست أقصد بذلك أننى ضد فاروق حسنى أو أننى لا أتمنى نجاحه مديرا لليونسكو، بالعكس، أنا أتمنى صادقا ومخلصا أن ينجح وزير الثقافة فى بلدى وأن يصبح المسئول الأول عن إدارة وحماية ثقافة العالم كله، ولكننى كما سبق وأوضحت وأكدت، سأرفض هذا النجاح لو كانت مصر نفسها هى ثمنه، وهو رفض قاطع وحاسم ونهائى وغير قابل للمساومة والنقاش والمراجعة والتبديل، كما أننى أرفض أن يتنازل فاروق حسنى عن كثير أو بعض مبادئه وعقائده الفكرية والسياسية والتاريخية ليفوز بهذا المنصب، ولكن الرفض هنا ليس ملزما لفاروق حسنى نفسه، ويحتمل كل النقاشات الممكنة وغير الممكنة، ويبقى القرار النهائى بشأنه لا يملكه إلا فاروق حسنى وحده، وقبل الحديث بوضوح وتفاصيل عن كل ذلك، يلزم الآن الاتفاق على عدة أمور ونقاط أساسية، وأول ما يلزم الاتفاق عليه هو: من تحديدا الذى يخوض الآن السباق على إدارة اليونسكو؟ هل هى مصر بمؤسستها الرئاسية وحكومتها أم هو فاروق حسنى المواطن المصرى أو حتى وزير الثقافة المصرى؟ وفى حدود معلوماتى المتواضعة فإن منصب مدير اليونسكو منصب مطروح للتنافس عليه بين أفراد وليس بين دول أو حكومات، وهو ما يعنى أننا كعادتنا نهوى الخلط بين العام والخاص، يعنى ذلك أيضا ضرورة أن تخرج مصر برئاستها وحكومتها ومؤسساتها ودوائرها وإداراتها الرسمية من مثل هذا السباق الانتخابى الفردى العالمى، وبالطبع سيعارضنى كثيرون فى ذلك، سواء لأنهم مدفوعون بتلك القناعات الخاطئة عن الفرد المصرى الذى يصبح فجأة هو مصر كلها، أو لأنهم يجدون الرئيس مبارك مهتما بمثل هذا الترشيح ويكتشفون أن أحمد أبوالغيط وزير الخارجية مهموم بمثل هذا الملف، وبالتأكيد سيحب هؤلاء مواجهتى بأنه لو كان هذا السباق شخصيا وفرديا، فكيف أمكن أن يتعهد رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، أثناء زيارته الأخيرة لمصر للرئيس مبارك بوقف حرب إسرائيل ضد فاروق حسنى مقابل بعض المكاسب التى تريدها إسرائيل من مصر، وأنا لا أشكك فى هذه الرواية، ولا أنفيها، ولكن فقط أستدعيها من مصادرها وحسبما نشرتها صحيفة ها آرتس الإسرائيلية وما جاء على لسان المتحدث الرسمى لوزارة الخارجية الإسرائيلية، ولا ألوم إسرائيل وحكومتها على ذلك، ولا ألوم الرئيس مبارك أيضا على ذلك، ولكننى ألوم وأعتب على كبار العاملين فى البلاط الرئاسى والحكومى الذين استهواهم هذا الخلط واستسهلوا الحديث باسم مصر ورئيسها كلما وجدوا ذلك ممكنا ومناسبا، فخلقوا بذلك دون داع أو ضرورة ورقة للتفاوض وضعوها فى أيدى رئيس حكومتهم يواجه بها رئيس بلادنا ويسأله عن ثمنها وعن المكاسب التى ستجنيها إسرائيل إن ألقت بتلك الورقة بعيدا عن مائدة اللعب، ولم ينتبه هؤلاء العاملون كالعادة إلى أنه لم يكن يصح أو يليق أو ينبغى منح إسرائيل أى أوراق تفاوض مجانية بمنتهى الكرم والسذاجة والغفلة بينما المنطقة كلها تستعد لمرحلة شديدة التوتر يعاد فيها رسم خرائط السياسة والجغرافيا ومعاودة تقييم حقائق التاريخ فى ظل إدارة أمريكية جديدة ومغايرة ورئيس أمريكى سيخطب لأول مرة فى جامعة القاهرة موجها كلامه لكل مسلمى العالم، ولم يكن ذلك هو الخلل الوحيد الحاصل، فقد سبق وأعلن فاروق حسنى اعتذاره لمصلحة ضحايا الهولوكوست وتضامن مع هؤلاء الضحايا رغم أن الرؤية المصرية الرسمية لا تزال ترفض الاعتراف بالهولوكوست أصلا وتعتبره وسيلة صهيونية لخلق حقيقة من وهم يمكن الاستناد إليها لابتزاز أوروبا طول الوقت والعالم كله حين تقتضى الحاجة ذلك، ولم يتضح حتى الآن هل كان ذلك مجرد تغيير شخصى فى رؤية إنسان لإحدى حوادث التاريخ أو أكاذيبه أم أن مصر نفسها هى التى قامت بعملية المراجعة واستقرت على شطب رؤيتها القديمة واستبدلت بها رؤية مغايرة ومغازلة للإسرائيليين ويهود العالم، وقد يكون ذلك صحيحا ولكننا لم ندر بعد بهذا التغيير، وقد تكون مصر لا علاقة لها بمثل هذا الأمر وإنما هو مجرد اجتهاد وطرح شخص يخص أحد الوزراء الذى كان ينبغى عليه ألا ينسى أنه لا يمثل نفسه فقط كأى مواطن مصرى وإنما هو وزير فى حكومة تتحدث باسم بلد وتحكم وتدير هذا البلد وبالتالى هو ليس حرا على الإطلاق فى انتهاج أى سياسة معادية أو مغايرة لسياسة هذا البلد.
على أى حال، أنا لم أجب بعد على السؤال الافتراضى الذى تخيلت أن معظم من سيعارضوننى سيطرحونه الآن أو فيما بعد، وهو: إذا كانت انتخابات اليونسكو فردية فلماذا تقحم حكومات العالم نفسها فى مثل هذا الأمر، وللإجابة على مثل هذا السؤال، أود التأكيد على أنها بالفعل انتخابات فردية، يخوضها أفراد وأشخاص لا يمثلون حكوماتهم ولا تصدر بترشيحاتهم قرارات جمهورية أو مراسيم ملكية، ولكن ذلك لا يمنع أن تهتم الحكومات بمرشحيها، وأن تدعمهم، وغالبا ما يجرى ذلك فى الخفاء وبعيدا عن الاجتماعات والاتفاقات الرسمية والتى يتابعها الإعلام ويرصد تفاصيلها بالكلمة والصورة، وذلك حتى لا تصبح هذه الحكومات طرفا فى اللعبة، ولا تتحول من حكومة تؤيد وتراقب وتبارك وتتمنى إلى لاعب بات من الضرورى أن يخضع لكل شروط اللعبة وقواعدها، وعلى سبيل المثال، ومنذ يومين فقط، أذاعت هيئة البى بى سى البريطانية الوقورة تقريرا مطولا افتتحته بإعلان أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصرى، عن دعم فرنسا وتأييدها ترشيح فاروق حسنى لمنصب الأمين العام لمنظمة اليونسكو، وفى السطر التالى مباشرة كانت هيئة البى بى سى تنقل ردا رسميا من باريس يؤكد أن فرنسا لم تعلن ولم تقرر أى شىء بخصوص اليونسكو وانتخاباتها المقبلة، واضطر فاروق حسنى نفسه، فى محاولة يائسة وغير مجدية لإنقاذ ماء وجه أبو الغيط والحكومة المصرية كلها، لأن يؤكد أنه سبق أن التقى برنار كوشنير، وزير الثقافة الفرنسى، وأن الفرنسيين كانوا دائما مؤيدين لمصر وللعرب، فكان أن فهم حسنى وأبوالغيط ضمنيا أن حكومة فرنسا تؤيد ترشيح حسنى لليونسكو وهو ما اضطرت باريس لأن تنفيه شكلا وموضوعا.
ما معنى ذلك، وما الذى منع أحمد أبو الغيط كوزير لخارجية مصر من أن يتفاوض سرا وبشكل غير رسمى مع وزراء خارجية العالم كله لتأييد ترشيح فاروق حسنى، ولكن بدون أن يهرول وزير خارجية مصر ويواجه الصحفيين المصريين الطيبين دوما والأجانب الخبثاء والملاعين بأن العالم كله يتسابق لتأييد المرشح المصرى، من الذى أفهم أبوالغيط أنه من اللائق والمناسب الزج باسم مصر فى مثل هذا الأمر، وقد تفضل إريك شوفالييه، المتحدث الرسمى باسم الخارجية الفرنسية، وأعطانا درسا بالغ الضرورة والأهمية والحساسية، فقد قال إن انتخابات اليونسكو ستجرى فى شهر أكتوبر المقبل، ولا يزال هناك وقت كاف لدراسة كل برامج المرشحين قبل أن تتخذ فرنسا قرارها وإن كانت فرنسا أبدا لا تعلن عن قرارها واختيارها وتحتفظ به لنفسها ووفق حساباتها الخاصة ومصالحها المباشرة.
وقد تزامن الإعلان عن وجود مرشح أوروبى قوى منافس لحسنى، وبين قرار حسنى نفسه أن يكتب مقالا أصبح شهيرا الآن فى صحيفة اللوموند الفرنسية العريقة يعتذر فيه لإسرائيل وحكومتها وشعبها عما بدر منه سابقا ومن الجائز أن يفهم باعتباره إهانة أو إساءة لإسرائيل، المرشح الأوروبى القوى، امرأة وليست رجلا، وهى بينيتا فيريرو فالدنر، مسئولة العلاقات الخارجية بالمفوضية الأوروبية، وقد دارت بينى وبينها سابقا مراسلات كثيرة بشأن دعم المفوضية الأوروبية لمشاريع تخص أطفال الشوارع فى المملكة المغربية، وكان من المفروض أن أذهب إليها العام قبل الماضى فى بروكسل لاصطحبها إلى مدينة فاس لتشارك فى افتتاح أكاديمية هناك للفقراء وللصغار ولكن حالت ارتباطات لها عاجلة ومفاجئة دون إتمام هذه الرحلة، وما يعنينى من ذلك أننى أعرف هذه المرأة وأعرف بشكل شخصى مدى قوتها ونفوذها وذكائها الحاد وخبراتها الدبلوماسية والسياسية سواء على الساحة النمساوية أو عبر المفوضية الأوروبية، ولا أقصد مطلقا أنها أفضل أو أقوى من فاروق حسنى، بل إن فاروق حسنى لا يزال حتى هذه اللحظة هو المرشح الأوفر حظا والأقرب للمنصب وللمقعد المشتهى، ولكننى أقصد أنها بدأت حملتها وافتتحت مشاركتها فى السباق على رئاسة اليونسكو فى نفس الوقت الذى كان فيه فاروق حسنى يرتكب أحد أخطائه الفادحة والكبيرة والمزعجة، وأقصد به هذا المقال الذى لم يعد هناك تراجع عنه ولم يعد هناك أى شك فى أنه لم يكن مقالا صحفيا، أو حتى منشورا انتخابيا ودعائيا نشرته اللوموند الفرنسية، وإنما أصبح فاصلا من غزل صريح لإسرائيل، وبهذا الغزل، قرر فاروق حسنى دون أن يدرى أن ينصب إسرائيل سلطة أكبر على اليونسكو، وأن بوابات اليونسكو لن تفتحها إلا إسرائيل، ورضاء إسرائيل، ولم يتخيل فاروق حسنى أنه لم يكن بهذا المقال لاعبا شاطرا، فرمية واحدة لورقة خاطئة على مائدة اللعب، جعلت القوى الأساسية التى تسانده تراجع نفسها كثيرا وطويلا فى تأييدها له، سواء فى المعسكر العربى أو الإسلامى أو الأفريقى، وياليت فاروق حسنى كسب إسرائيل ومن هم وراء إسرائيل، ولكنه فوجئ بأن إسرائيل تشكره وتقبل اعتذاره واحمرت وجنتاها كثيرا بمثل هذا الغزل الحميم والدافئ من وزير مصرى، ولكنها للأسف الشديد لن تستطيع السيطرة على جماعات يهودية كثيرة فى العالم كله معادية لفاروق حسنى ورافضة ترشيحه لإدارة اليونسكو، وعلى سبيل المثال، أكدت إسرائيل أنها لا تستطيع شيئا أمام مقال سابق، أيضا فى اللوموند، حذر فيه ثلاثة من يهود فرنسا الكبار، السياسى إيلى فيزال الفائز بنوبل للسلام والكاتب والفيلسوف برنار هنرى ليفى والسينمائى كلود لاتزمان، من قبول مبدأ تسليم اليونسكو لرجل مثل فاروق حسنى سبق أن قال فى الماضى تصريحات كثيرة، مقززة، ضد الثقافة الإسرائيلية واصفا إياها بأنها عنصرية، وسبق له أن رفض وأدان سيطرة اليهود على وسائل الإعلام العالمية.
ولم تكن هذه هى المشكلة، وإنما كانت مثلا فى كاتب وأديب رائع فى حجم وقامة محمد سلماوى أكد أننا، أى المصريون، ظلمنا إسرائيل حين اتهمناها بمعاداة مرشح مصر لمنصب مدير اليونسكو، وتوقف سلماوى عند تصريحات نتنياهو للرئيس مبارك بأن إسرائيل ستوقف حربها ضد حسنى وقال سلماوى إن ذلك يعد موقفا مسئولا لدولة تحترم تعهداتها وإننا لا نشك لحظة فى أن إسرائيل ستلتزم به حرفيا، ولا أعرف من الذى يدير المطبخ الدعائى والانتخابى لفاروق حسنى، ولكننى أتهمه بالغفلة والعجز والتقصير، ولا أعرف ماذا كانت حساباته واستراتيجيته وهو يجعل وزيرا مصريا يغازل إسرائيل على صفحات اللوموند ويجعل كاتبا قديرا ورائعا مثل سلماوى يغازل إسرائيل على صفحات المصرى اليوم، وما هى أبعاد وحدود هذه الصفقة، ما هى مكاسبها وهل تم حساب خسائرها، وما الذى أعطته إسرائيل فى المقابل ثمنا لكل ذلك؟ وأخشى أن إسرائيل أخذت كل ما أرادته ولم تعط فى المقابل أى شىء له قيمة حقيقية، بما فى ذلك الوعد الحكومى للرئيس مبارك.
وتبقى كلمة أخيرة لفاروق حسنى، وهو رجل أدار الثقافة المصرية لسنوات طويلة، انحاز للمثقفين ودافع عن حرية الإبداع ودفع فواتير كثيرة وتحمل أكاذيب وشائعات ارتبطت به مقابل أن يبقى مدافعا عن وهج الثقافة وطاقات إبداعاتها، وفى هذه الكلمة، أرجوه أن يتمالك أعصابه أكثر من ذلك، وأن يدير معركته بذكاء وحكمة أكثر من ذلك، وألا يندفع فى الإساءة لمن يختلفون معه فى الرأى مثلما جرى مؤخرا مع الفنان حسين فهمى والذى اتهمه حسنى مؤخرا بأمور كثيرة لا يجوز قبولها رغم أن حسنى هو الذى كان دائم الإشادة بالفنان الكبير حين اختاره لإدارة مهرجان القاهرة السينمائى، فمن الممكن أن يفوز فاروق حسنى بإدارة اليونسكو أو يخسر، ولكن ليس من الضرورى أن تخسر مصر، ولا أن يخسر كل أصدقائه القدامى، وكل الناس.
لمعلوماتك...
◄1938 ولد فاروق حسنى فى مدينة الإسكندرية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.