لم تمضِ أيام قليلة على إندلاع المواجهة العسكرية بين الولاياتالمتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، حتى بدأت موجة ارتفاعات سعرية تزحف إلى السوق المصرية في سلوك استباقي لافت، وكأن بعض التجار ينتظرون شرارة التوترات الدولية ليشعلوا بها قوائم الأسعار في الداخل. لم تكن الحرب قد ألقت بظلالها الاقتصادية الكاملة بعد، ولم تكن سلاسل الإمداد قد تعطلت فعليًا، لكن الأسعار تحركت سريعًا، في استجابة نفسية قبل أن تكون استجابة موضوعية، وهو ما يكشف هشاشة عميقة في بنية السوق وآليات ضبطها.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بعوامل خارجية كارتفاع تكلفة الشحن أو اضطراب أسواق الطاقة، بل بطبيعة السوق المحلية نفسها، تلك التي تتسم بدرجة عالية من العشوائية وغياب الشفافية وضعف الرقابة الفعالة.
ففي كل أزمة عالمية تتكرر الظاهرة ذاتها: قفزات سعرية غير مبررة، تخزين سلع، ترويج لشائعات عن نقص وشيك، ثم تحميل المستهلك النهائي فاتورة "التحوط" والخوف من المجهول. إنها سوق تتأثر بالشائعة قبل الحقيقة، وبالتوقع قبل الحدث. حين ترتفع أسعار السيارات -كما حدث مؤخرًا- قبل أي تحرك فعلي في سعر الصرف أو تكاليف الاستيراد، فإننا لا نكون أمام اقتصاد يتفاعل مع معطيات حقيقية، بل أمام سوق يحكمها منطق التوقعات المضخَّمة والجشع المنفلت.
التاجر هنا لا ينتظر زيادة التكلفة، بل يسارع إلى تسعيرها افتراضًا، وربما يضيف فوقها هامشًا احترازيًا، فيتحول الخوف من الخسارة إلى فرصة مؤكدة للربح على حساب المواطن.
وهنا يبرز سؤال جوهري: أين الردع؟ لقد سمعنا مرارًا تصريحات رسمية تتوعد المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار بإجراءات حاسمة، لكن السوق يبدو كأنه يعمل بمنأى عن تلك الوعود. إن غياب التطبيق الصارم للقانون، أو بطء إجراءاته، يرسل إشارة خاطئة مفادها أن المخاطرة محدودة، وأن الأرباح السريعة تغري أكثر مما يخيف العقاب. كما أن جزءًا من الأزمة يعود إلى تركيبة السوق المصرية ذاتها؛ إذ يغلب عليها الطابع الفردي وصغار الوسطاء، مع سلاسل توزيع طويلة ومعقدة، ما يفتح المجال لتعدد حلقات الربح وغياب التسعير المنضبط. في مثل هذه البيئة، تصبح الرقابة التقليدية محدودة الأثر، لأن الفوضى البنيوية أقوى من الحملات الموسمية. ولا يمكن إغفال البعد النفسي في الاقتصاد المصري. سنوات من التقلبات النقدية وارتفاع الأسعار رسخت لدى المواطنين والتجار معًا توقعًا دائمًا بالأسوأ. التاجر يخشى أن يستيقظ على تكلفة أعلى، فيرفع سعره استباقًا. والمستهلك يخشى الندرة، فيسارع إلى الشراء، فيغذي بدوره موجة الغلاء. إنها دائرة مغلقة من انعدام الثقة، يدفع ثمنها الفقراء أولًا. هل ما يحدث يخدم الاقتصاد القومي؟ بالتأكيد لا. فالارتفاعات العشوائية تضعف القدرة الشرائية، وتعمق الركود، وتدفع مزيدًا من الأنشطة إلى الاقتصاد غير الرسمي. كما أنها تشوه آليات السوق، إذ تختلط الإشارات السعرية الحقيقية بالزيادات المفتعلة، فلا يعود السعر معبرًا عن التكلفة الفعلية بل عن شهية الربح. إن أي اقتصاد يسعى إلى الاستقرار يحتاج إلى سوق منضبطة لا تُدار بالأعصاب، بل بالقواعد. يحتاج إلى شفافية في إعلان التكلفة وهوامش الربح، وإلى تفعيل حقيقي لأجهزة الرقابة، وإلى عقوبات سريعة ورادعة تُطبق بلا استثناء. كما يحتاج إلى بناء ثقة عامة بأن الأزمات الخارجية لن تتحول تلقائيًا إلى فرصة داخلية لاستنزاف المواطنين. باحثون عن وظيفة أم صانعو فرص؟! إسبانيا.. درسٌ جديدٌ للعرب! ما يجري اليوم ليس مجرد موجة غلاء عابرة، بل مؤشر على خلل هيكلي في توازن العلاقة بين الدولة والسوق والمستهلك. وإذا لم تُعالج هذه الهشاشة البنيوية، فستظل كل أزمة خارجية –أيًا كان مصدرها– ذريعة جاهزة لقفزة جديدة في الأسعار، وجرحًا إضافيًا في جسد المواطن الذي لم يعد يحتمل مزيدًا من النزيف. صدقوني إن ما يحدث من اختلالات في السوق يؤكد غياب هذه الحكومة وفشلها في مواجهة التحديات وقراءة المشهد جيدا. ومن يدفع الثمن غاليا هو المواطن. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا