أجيال سابقة كثيرة ربتهم إمرأة أمية لا تقرأ ولا تكتب، ولكن علمتهم ما لم تستطع بعض مثقفات اليوم تعليمه لأبنائهن، نجحت الأم الأمية بأقل الإمكانيات وأبسط الأشياء في تنشئة أجيال وأجيال على الأدب والعفة ومكارم الأخلاق واحترام الصغير للكبير، وحب العلم والعمل وصلة الأرحام. الأم الأميّة زمان نجحت في بناء أسرة سليمة بدنيًا وروحيًا؛ أسرة يحب بعضها بعضًا بفطرة سليمة.. بينما الأم المتعلمة المثقفة فشلت في تربية جيل صالح قادر على التواصل الاجتماعي السويّ، رغم أنه ابن السوشيال ميديا، جيل استسلم للفضاء الإلكتروني، وصار البعيد أقرب إليه من القريب، لا يكف عن محادثة أصدقائه عن بعد، بينما لا يرد على أمه أو أبيه أو إخوته الذين يسكنون معه في بيت واحد.. بل لعله يتواصل مع أخيه في حجرة مجاورة عن طريق التواصل الاجتماعي.. حتى صار الكسل والبخل في العاطفة وبرودة المشاعر سمة بارزة لهذا الجيل الذي ربّته أم متعلمة تملك ناصية التكنولوجيا! تنشئة أمهات المستقبل الصالحات ليست شيئًا هيّنًا بل مهمة صعبة لكنها إن تحققت جلبت للمجتمع خيرًا كثيرًا..فالأمهات لسن فقط نصف المجتمع بل هم المجتمع كله.. يقول شاعر النيل حافظ إبراهيم:
من لي بتربية البنات فإنها ** في الشرق علة ذلك الإخفاق الأم مدرسة إذا أعددتها ** أعددت شعبا طيب الأعراق الأم روض إن تعهده الحيا ** بالري أورق أيما إيراق الأم أستاذ الأساتذة الألى ** شغلت مآثرهم مدى الآفاق الأم الصالحة كما يقول القائل: "تسقي أبنائها من نبع الحكمة، وتلهمهم عزيمة الرجال، وصلابة المواقف.. ترسم الاخضرار بساتين حياة وحقول ازدهار، الأم في الجوهر، مدرسة وكتاب مفتوح، والمقرئون يتلون آيات العبر..
الأم التي تدير مؤتمر الحياة بمكانة ورزانة وأمانة وقدرة فائقة على الإمساك بإبرة الحياكة، وسف خيط الأحلام في قماشة الأسرة، ليصبح البيت سجادة من حرير التلاقي، وموجة تغسل الشغاف من كل ما يكدر ويسدر". هكذا هي كانت، وكيف أصبحت.. الأم في الزمن الجميل كانت تجود بكل مخزون الحب والحنان والمساعدة، وتبذل كل طاقتها في رعايتهم حتى تكاد تنسى نفسها فهي تترجم ما قيل: "لا يوجد ما هو أقرب إلى قلب أحد الآباء من صحة وسعادة طفله"..
أمهات الزمن الجميل بالغن كثيرًا في العطاء والخدمة والرعاية حتى لم يبق لأمهات زماننا ما يقمن به.. صنعن المعجزات وقدمن أقصى ما في وسعهن راضيات قانعات بما قسم الله لهن..
هل التزمنا بأمانة الكلمة؟! أصحاب الأقلام ودعاة الأوهام!
أما أمهات اليوم فأكثرهن مشغولات بالموبايلات والرغي على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يجدن وقتًا لفهم احتياجات الأبناء ولا بناء النفوس العالية والأخلاق القويمة.. فرق الأجيال الجديدة عن الأجيال القديمة هو في الأصل فرق بين أمهات الزمن الجميل وأمهات زمن التواصل الاجتماعي.