صبي يبلغ من العمر 18 عاما تقريبا، يخطو إلى عالم الصحافة بكثير من الشغف وحب المعرفة والخوف أيضا. أسأل عن المسئول عن نشر الإبداعات في جريدة "الأسبوع"، يقولون لي إن الكاتب عزازي علي عزازي موجود في الأعلى وبإمكانك أن تقابله. كنت أعمل في الجريدة "تحت التمرين" مع زملاء صاروا فيما بعد أصدقاء عمر، وكنا نتجمع على حب الصحافة ولا شيء غيرها تقريبا. أتذكر أنني لم أجد ساعيا لأطلب منه الدخول إلى الأستاذ عزازي، طرقت الباب وطلبت منه الدخول، بعد أن فهم أنني أعمل صحفيا تحت التديب في الجورنال، وطلب مني الجلوس وأنا لا أزال واقفا. قلت له إنني أكتب شعر عامية، وأريد أن أطلعه عليه، فوافق بلا أي مقدمات أو طلب للتأجيل: "سمعني يا سيدي". قرأت له مقاطع من قصيدة كنت قد كتبتها قبلها بليلة واحدة، "بعبلها" بلا أي مراجعة، بكل ما تحويه من رعونة الشباب، رأيت أنه يستمع لها في اهتمام غير مبالغ فيه، وكان أحيانا يطلب مني تعديل الكلمة بأخرى أو أن الوزن "وقع" ويجب أن "أصلح ما أفسدته بيدي". قال في نهاية اللقاء: "جميل.. حلو.. نفسك في الكتابة حلو.. عاوزك تقرا كتير، وتروح تعمل حوارات مع شعراء عامية، وتجيلي تاني عشان نشوف بقيت تكتب إيه". كان هذا قبل 14 عاما تقريبا. 2 إحدى ليالي اعتصام ميدان التحرير، خلال ال 18 عشر يوما التي أعقبت تاريخ 25 يناير 2011، كان طويلا جدا، مطلقا ساقيه أمامه وهو جالس على الرصيف أمام "كنتاكي" في منتصف الميدان تقريبا، وإلى جواره الكاتب شريف حتاتة. بادرت بالتوجه إليه، ورغم إرهاق الجميع البادي على وجوهنا، وتعب الاعتصام وسهره وأحاديثه التي لا تنتهي، كان وجهه مبتسما ورائعا تقريبا. اقتسم عزازي علي عزازي "سندوتش فول" معي.. مؤكد أن معظم من باتوا في التحرير يعرفون معنى اقتسام الطعام والشاي في هذا الميدان، الذي كان يوما ما بيتا للوطن ومناضليه. اشتبكت مع المفكر اليساري شريف حتاتة وعزازي في حوار عن نجاح الثورة، كان عزازي مؤمنا بطريقة هستيرية بالثورة، وأن جيله عاش عمره كله في انتظار هذه اللحظة، ولم يكن حتاتة أقل إيمانا بالثورة، لكنه حدثنا عن هواجس دمار الاقتصاد المصري، وأن "مؤكد الطبقة الحاكمة لن تترك مصالحها بهذه السهولة".. تحدث "حتاتة" عن مصير البلد بعد "وقوع" مبارك، وعن ثورات مضادة وموجات من الثورات المتتالية ستشهدها البلد، ولم أكن أعرف وقتها أن ما حدث سيحدث، لكن عزازي كان لديه تصور بسيط جدا: "لما نجوع زي النهاردة نقسم الأكل بينا.. الشعب ده عظيم وأعظم مما نتصور". ثم أراه يسألني عن أحوالي وكتابتي، كما لو كان الحوار الذي دار من 14 عاما لم ينقطع. 3 الآن صار عزازي محافظا للشرقية، أسمع الكثير عنه، وعن أنه صار أكثر حدة مما مضى، وأسمع من زملاء أن عزازي يتعجرف عليهم ولم يعد يرد على هواتفهم، وأنه لم يعد عزازي المناضل الذي كنا نعرفه في السابق. التقيته هذه المرة صدفة أيضا في إمبابة، لدى مطعم "البرنس"، كان لا يزال محافظا للشرقية، بلا حارس شخصي، بصحبة وزير الصحة الأسبق، عمرو حلمي، الذي كان يسير بلا أي صخب أيضا، تحدثنا قليلا جدا معه، لكني زدت: "يا سيادة المحافظ الناس بتقول إن الأمور اتغيرت معاك بعد ما صرت محافظ". ينهرني من خلف نظارته الطبية: "الوظيفة دي جاتني على كبر.. واسمها وظيفة فاهم يعني إيه.. أنا مش صغير عشان أتغير بمنصب، وأخلاقي مستمحليش بده أبدا.. أنت تعرفني كويس وعيب لما تردد كلام زي ده". حاضر يا سيادة المحافظ. بلاش محافظ دي.. بتقفلني.. اسمي أستاذ عزازي يا هيثم. 4 أسمع كثيرا الجملة التي تتردد عن الموتى، وعن أنهم "موجودون بروحهم وإن غاب الجسد"، وكلام من هذا القبيل، لكن عزازي تحديدا، ولا أحد غيره، هو الذي جعلني أصدق هذه المقولات بلا كثير من الجدل. بالأمس كانت ذكرى رحيل عزازي الأولى، وتمر عليّ كأنها ليست ذكرى وكأنه موجود بكل صخبه.. أعرف أن الأفكار لا تموت، وأن لها أجنحة، لكني لم أكن أعرف أن المناضلين يعيشون بيننا بهذه الحيوية.