ما بين القرار الأحمق لرئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان بحظر موقع «تويتر» بعد أن استغله معارضوه لنشر تفاصيل تتعلق بتورطه وأعضاء من حكومته وأسرته فى فضائح فساد، وما يجرى لدينا فى مصر من فوضى عارمة يتم فيها استغلال وسائل الإعلام لتشويه المعارضين للتوجهات السائدة، مسافة شاسعة. فقرار أردوغان هو علامة من علامات قرب سقوطه، بعد أن فقد صوابه، لدرجة أنه يعتقد أن حظر موقع يحظى بشعبية واسعة ك«تويتر» من شأنه أن يضع حدا لفضائحه وكشف زيف شعاراته وتمسحه بإلاسلام. وربما يستكمل مسار الجنون بإعلان حظر الإنترنت فى تركيا، كما فعل الرئيس المخلوع مبارك قبل أيام من إجباره على ترك منصبه. أما ما نشهده فى مصر فلا علاقة له مطلقا بحرية الرأى والتعبير، بل هى خطة ممنهجة متعمدة لتشويه شخصيات بعينها، أسهمت فى ثورة 25 يناير التى أطاحت بنظام كان يستمتع بنفاق وسائل الإعلام ويقمع معارضيه. والمزرى أن هذه الحملة تجرى من خلال وسائل إعلامية من المفترض أنها تخضع للمحاسبة والمساءلة فى مخالفة صارخة للدستور والقانون الذى بات مجرد حبر على ورق. فمواقع التواصل الاجتماعى، ك«فيسبوك وتويتر»، بدأت على أساس أنها مجال مفتوح أتاحته تكنولوجيا الشبكة العنكبوتية للتعبير عن الآراء الشخصية، وبالتالى فإنه لا يمكن اعتبارها بحد ذاتها مصدرا موثوقا به يمكن الاعتداد به أو محاسبة أصحاب الآراء على ما يكتبونه، إلا إذا كان أصحاب هذه الآراء يشغلون مواقع مسؤولة كأصحاب المناصب الحكومية. وبعد أن زادت شعبية هذه المواقع، حرم عديد من وسائل الإعلام العاملين فيه من التعبير عن آرائهم الخاصة، وذلك بحجة أنه حتى لو كانت هذه الآراء شخصية فإنها ستبقى محسوبة على الجهة التى يعملون بها. ولذلك رأينا مؤسسات إعلامية ضخمة مثل ال«سى إن إن» وغيرها يقومون بفصل صحفيين كبار يعملون لديهم لمجرد أنهم نشروا على «تويتر» أو «فيسبوك» آراء تخالف الحياد المفترض الذى يجب أن يلتزموا به أمام مشاهديهم وقرائهم. وفى جميع الأحوال، يجب التفرقة دائما بين الرأى والمعلومات، وبين ما يتم نشره على مواقع للتواصل على شبكة الإنترنت من قبل مواطنين عاديين، وهو ما يعرف الآن ب«صحافة المواطن»، وما يتم نشره فى وسائل إعلام رسمية تخضع للقانون والمحاسبة. فمن حقى بكل تأكيد أن أبدى ما أشاء من آراء، ولكن إذا روجت لمعلومات كصحفى، فإننى أخضع للمحاسبة والمساءلة. وكان من أول الدروس التى تلقيناها فى كلية الإعلام أن دور الصحفى أو وسيلة الإعلام ليس مجرد نشر الأخبار والمعلومات، ولكن التيقن من صحتها وصدقها قبل بثها بحكم أن النشر مسؤولية أمام القراء أولا، ثم أمام القانون. ولكن هذه القاعدة الراسخة غائبة تماما فى مصر، وتحول عديد من وسائل الإعلام إلى أدوات لتصفية الحسابات السياسية فى الأساس، والزعم بعد ذلك أن ما تنقله من أخبار كاذبة منقول من مواقع التواصل الاجتماعى، أو مستقاة من مصادر لا يمكن الكشف عنها بحجة حق الصحفى فى حماية مصادره. والمنطق يقتضى أنه لو دأبت صحيفة أو وسيلة إعلامية على نشر أخبار كاذبة، فإنها ستفقد مصداقيتها وبالتالى سيتوقف القراء أو المشاهدون عن متابعتها، لأنها تتعمد الكذب وترويج الإشاعات. ولكن المنطق غائب هذه الأيام فى مصر، وأصبحت التوجهات السياسية هى التى تحكم ما يتم نشره أو حجبه من الأخبار. وبناء على حرية انتهاك القانون القائمة الآن فى مصر، وتجاهل ما التزمت به القوى السياسية لدى إعلان خريطة الطريق فى 3 يوليو من ضرورة «وضع ميثاق شرف إعلامى يكفل حرية الإعلام ويحقق القواعد المهنية والمصداقية والحيدة وإعلاء المصلحة العليا للوطن»، يواصل مقدم أحد البرامج التليفزيونية فى قناة خاصة نشر تسجيلات هاتفية منتقاة بعناية ومجتزأة ومقتطعة لشخصيات عامة بهدف تشويه سمعتها، والدور الذى قامت به فى إطلاق ثورة 25 يناير. ورغم أن رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوى أدان نشر هذه التسجيلات وأعلن فى 9 يناير الماضى، أى قبل نحو ثلاثة أشهر، أنه طالب النائب العام بالتحقيق مع مقدم البرنامج الذى لا علاقة له بأى معايير مهنية أو أخلاقية، كما تقدم عديد من الشخصيات التى وردت أسماؤها فى هذه التسجيلات ببلاغات رسمية، فإن النائب العام لم يحرك ساكنا، ويواصل مقدم البرنامج التليفزيونى انتهاك القانون بلا أى خشية من الحساب، غالبا لأن الجهات التى تقدمت بهذه التسجيلات تعهدت بحمايته. وفقط فى مصر يتم التسامح مع ترويج معلومات واتهامات خطيرة من قبيل العمالة للخارج وتلقى الأموال من جهات أجنبية من دون خشية من المحاسبة والملاحقة. والمشكلة أن ترويج مثل هذه الأكاذيب التى يمكن دحضها بسهولة عبر مراجعة البنك المركزى، الذى هو على دراية جيدة بكل مليم أو سنت يدخل حسابات البنوك فى مصر، لا تقتصر على القنوات الخاصة ومواقع التواصل الاجتماعى فقط، بل تتردد بشكل شبه يومى على لسان شخصيات من المفترض أنها مسؤولة، سواء فى أجهزة حكومية أو أمنية، عبر القنوات ووسائل الإعلام الرسمية والمملوكة للدولة. من المؤكد أن هناك فارقا كبيرا بين حرية الإعلام وحرية انتهاك القانون، وإذا كانت أجهزة الإعلام الرسمية تتفاخر صباح مساء بالتعديلات الدستورية التى تم إقرارها بنسبة 98.5 فى المئة، فمن غير المقبول أن تكون نفس هذه الأجهزة هى أول من تقوم بانتهاك مواد الدستور، الذى ينص على حرمة الحياة الخاصة وعدم جواز تسجيل المكالمات الهاتفية أو الاطلاع على المراسلات البريدية الخاصة دون إذن قضائى ولفترة محددة. هذه حقوق أساسية توفر الحماية لكل المواطنين، ومن يتساهل مع انتهاكها اليوم، قد يجد نفسه ضحية غدا.