انتهت لجنة الخمسين للتعديلات الدستورية من المهمة التى أنيطت بها فى 60 يوم عمل حسب القرار الجمهورى.. وكانت لجنة الخمسين فى بداية الاجتماعات، قد وضعت لائحة تنظيمية لتنظيم عملها، فقسمت بموجب تلك اللائحة الخمسين عضوا الى خمس لجان فرعية هى، لجنة الدولة والمقومات الأساسية، ولجنة الحريات والحقوق والواجبات، ولجنة نظام الحكم. كل ذلك لدراسة المواد الدستورية المناطة بكل لجنة وفق اختصاصها، فضلا عن لجنة الحوار المجتمعى ولجنة الصياغة. قامت لجنة الحوار المجتمعى بلقاءات مكثفة ومتعددة مع شتى فئات المجتمع حتى الأقزام والمعاقين، إلا من امتنع من الاسلاميين. وقامت لجنة الصياغة، بمراجعة وصياغة المواد التى تم التوافق أو التصويت عليها داخل اللجان الفرعية تمهيدا لعرضها على لجنة الخمسين مجتمعة، وشارك فى أعمال هذه اللجنة علمان من أعلام مجمع اللغة العربية. حضر الأعضاء الاحتياطيون كل أعمال اللجان الفرعية، وكذا اللجان العامة قبل مناقشة المواد مناقشة نهائية مع التصويت عليها، ولذلك أحيانا تسمى اللجنة لجنة الخمسين وأحيانا لجنة المائة. لم يسمح للأعضاء الاحتياطين بالحضور فى عملية المناقشة للتصويت، منعا للتكرار والتعطيل وقد اشتركوا بالفعل فى اللجان الفرعية حيث الحوار المطول داخلى. استرشدت اللجان الفرعية بكل الدساتير السابقة فى مصر، وكذلك برأى لجنة الخبراء العشرة والمقترحات التى قدموها بعد عمل شهر كامل قبل بداية عمل لجنة الخمسين، ولكن تلك اللجان لم تقف عند أى دستور ولا عند حد معين. فى أيام عمل الشهر الأخير، أغلقت لجنة الخمسين الباب عليها وعلى الاعضاء الاساسيين، فلم تسمح للاعلام بحضور الجلسات، ولا للأعضاء الاحتياطيين، مما أثار غضب بعضهم فعمد الى تشويه اللجنة أو عمد الى تجميد عضويته أو الاستقالة كعضو احتياط. دارت المناقشات داخل لجنة الخمسين باستفاضة، بعضها فى ظنى، لم يكن له مبرر واضح أو مقبول. سلم رئيس اللجنة عمرو موسى، الدستور بشكله النهائى يوم 3 ديسمبر الى المستشار عدلى منصور رئيس الجمهورية، للاطلاع وإتخاذ مايلزم نحو تحديد مدة الحوار المجتمعى المطلوب، حول الدستور، وإحالة المواد التى تحتاج الى قوانين لتفصلها أو تبينها لاصدار تلك التشريعات، وأيضا للنظر فى كيفية إجراء الانتخابات، وإصدار قانون الانتخابات، وتحديد أيهما يأتى أولا، الانتخابات الرئاسية أم البرلمانية بعد أن فتح الدستور الباب فى المادة 230، منه أمام المشرع للبدء بأيهما. يعرف كثير من الناس أن لجنة الخمسين، استطاعت بفضل الله تعالى ومشيئته، أن تنهى هذا الدستور فى المدة المحددة رغم كثرة التحديات والمعوقات داخل اللجنة وخارجها، هناك 42 مادة مستحدثه فى الدستور الجديد من بين 247 مادة هى كل مواد الدستور، التى تم التصويت عليها وتم إقرارها كلها بالتصويت الالكترونى إلا قليلا بعد مناقشات مستفيضة، وإلا الديباجة التى تم التصويت عليها برفع الأيدى. لم تنجح فى التصويت النهائى الالكترونى أربع مواد منها اثنتان تتعلقان بالنظام الانتخابى وإجراء الانتخابات، ومنها مادة تتعلق بالتمثيل المناسب للعمال والفلاحين، بعد إلغاء نسبة الخمسين بالمائة التى بقيت فى كل الانتخابات البرلمانية منذ منتصف الخمسينيات حتى صناعة دستور 2013. كان من الصعب على ممثلى العمال والفلاحين، أن يتقبلوا هذا الالغاء بصدر رحب «فأرغوا وأزبدوا» كما يقول المثل تدليلا على كثرة الكلام. وأراد ممثل العمال الذى بقى فى اللجنة أن يعوض ذلك باقتراح مجلس الشئون الاقتصادية والاجتماعية ولم يقبل الاقتراح. كما قدم ممثل الفلاحين اقتراحا بإنشاء مجلس أعلى للزراعة، ولكن لم يكن له مكان فى الدستور، وخرج أحد ممثلى العمال من الاجتماع غاضبا، ولم يعد، بل وهدد بالتصويت ضد الدستور، وبقى ممثل العمال الاخر حتى آخر الاجتماعات والتصويت النهائى. هدأت ثائرة ممثل العمال المتبقى فى اللجنة وثائرة ممثلى الفلاحين، عندما أقرت مادة انتقالية تنص على تمثيل مناسب للعمال والفلاحين، وتركت للمشرع مهمة تحديد تلك النسبة، فتنفس كل أعضاء اللجنة الصعداء لحل هذه المشكلة العويصة. كان هم العمال أن يظل لهم تمثيل حتى يبرز منهم زعامات شعبية يقدمها الشعب بإرادته الحرة فى الانتخابات. أما المادة الانتقالية 244 فتنص على تمثيل مناسب فى المجالس البرلمانية لكل من الشباب والمسيحيين وذى الاعاقة والمصريين فى الخارج، وذلك لأول مرة فى تاريخ الدساتير فى مصر. فهل يستطيع المصريون فى الخارج أن يقدموا نموذجا مثاليا ؟، بعد أن يحدد المشرع النسبة المناسبة لتمثيلهم فى المجلس فيجدون طريقة جيدة وإجراءات محددة ومعايير واضحة فى اختيار من يمثلهم فى المجلس النيابى أو مجلس الشعب أو البرلمان الجديد. عندما عرضت المادة المتعلقة باختصاصات ومسئوليات الهيئات والأجهزة الرقابية للنقاش داخل اللجنة، وجدت أنها مادة عجيبة، وليس فيها الاحساس الواجب بالزمن، رغم أن الوقت هو الحياة وليس من ذهب أو مال فحسب، كما يقول الغربيون. كانت المادة تنص على أن ترسل تلك الهيئات تقاريرها السنوية الى الرئاسة ومجلس الشعب بعد نشرها بثلاثين يوما. أصابنى شئ من الدوار حقيقة، وشعرت بارتفاع فى ضغط الدم وزيادة فى السكر، وقلت للجنة بعد أن كادت توافق على المادة كما هى، لأنها مادة نمطية، هل هذه الجهات والأجهزة والهيئات سترسل تلك التقارير السنوية الى الرئاسة والمجلس على حمار؟ تنبه معظم الحضور الى النقطة المهمة ،وربما غضب البعض الآخر من التعبير. أنا أعتقد جازما أن التقرير كان سيصل فى غضون يوم واحد حتى لو حملته سلحفاة، لأن المسافة بين بعض تلك الأجهزة والرئاسة لاتزيد علي 2 كيلو متر. وافق الجميع على تعديل وإرسال التقارير السنوية الى الرئاسة ومجلس الشعب فور صدورها، وذلك بعد أن أحسوا بأهمية الوقت وبعد أن قلت لهم ما تعلمته من الامام البنا رحمه الله تعالى: إن الوقت هو الحياة. وفى نفس المادة كانت هناك إشارة الى استجابة مجلس الشعب على تلك التقارير فى غضون ستة أشهر، وافقت اللجنة على تخفيضها الى أربعة أشهر، وكنت أتمنى أن تكون أقل من ذلك، ولكن ما كل ما يتمنى المرأ يدركه. لم أستطع أن أقنع اللجنة بتقليل أو إنقاص هذه المدة أقل من أربعة أشهر. الاحساس بالزمن مهم، أما أولئك الذين لا يحسبون حساب الوقت، فسيفلت الزمن من أيديهم كما أفلت من يد بعض أجدادهم، ولن يحدث التقدم والتطور المنشود فى ضوء الاحساس الميت بالزمن أو الوقت. ثارت ثائرة بعضهم عند الحديث عن مدنية الحكم أو النظام، لأن كلمة مدنية عندهم تعنى، ضد الدين. لايوجد دولة فى العالم تضع فى تعريفها للدولة كلمة أو وصف مدنية، هذا صحيح، ولكن الذى يوصف بالمدنية هو النظام أو الحكم، ولذلك تم تعديل الديباجة وأدخل فيها «وحكمها مدنى»، ولكن السيد عمرو موسى قرأها عند التصويت النهائى «وحكومتها مدنية» فجاءت هكذا فى المضبطة، حتى انتبه الى ذلك بعضهم وكادت تحصل مأساة. ولعل المسئولون عن الطباعة النهائية يلاحظون ويتداركون هذا الخطأ. هناك فى اللجنة من ربط بين إيراد تفسير مبادئ الشريعة فى الديباجة والموافقة على ذلك، مع ذكر كلمة «حكمها مدنى» أو الاشارة الى مدنية الدولة، وقد كان، وهو تعديل مقبول فى الناحيتين فى أن تفسير مبادئ الشريعة متروك لما جاء فى الاحكام التى نصت عليها المحكمة الدستورية العليا، وإدراج «حكمها مدنى» منصوص عليه فى الديباجة. كان العمل فى هذه اللجنة مثل فيلم سينمائى وأحيانا مثل الدراما تشهد فيها الشعب المصرى فى معظم حالاته، وهو يفكر، وهو يأكل، وهو يناور، وهو يثور، وهو ينام وهو يصحو، وهو يجلس على المقاهى، حتى وهو يأكل الفول والطعمية. تستطيع أن تراه فى جميع حالاته لو كنت عضوا فى لجنة الخمسين. هناك من اقترح أن تكون مبادئ الشريعة مصدرا رئيسيا من مصادر التشريع وليست المصدر الرئيسى للتشريع كما هو قائم فى الدساتير المصرية منذ عام 1981، ولكن اللجنة لم تقبل وظلت مبادئ الشريعة هى المصدر الرئيسى للتشريع. هناك من قال إن الدين فى خطر لأن الدستور ضد الدين ونقول لهؤلاء وهؤلاء، كان المصريون فى غالبيتهم مسلمين قبل معرفة الدساتير ولن يزيدهم الدستور هدياً وإيماناً، ولكن الدستور ينظم الحياة نظريا ويبقى التنظيم والإدارة عمليا. والله الموفق. نشر بعدد رقم (678) بتاريخ 2013/12/9