«متفائلون بحذر»، هكذا علق هشام الخازندار، الشريك المؤسس والعضو المنتدب لشركة «القلعة»، على مستقبل الأوضاع الاقتصادية فى البلاد، والذى وافقت الجمعية العمومية لشركته امس على زيادة رأسمالها بنحو الضعف، من 4.3 إلى 8 مليار جنيه، فى وقت تتضارب فيه الرؤى بشأن الاقتصاد المصرى وقدرته على جذب الاستثمارات فى الفترة المقبلة. ويوضح الخازندار أنه أكثر تفاؤلا الآن، لكن التحديات التى يواجهها الاقتصاد مازالت قائمة، ولابد من مواجهتها، «المشكلات أصبحت معروفة وملموسة، إذن السؤال هو كيف سيتم حل مثل تلك المعضلة، ومتى؟ عندما سألت وزير المالية، خلال مؤتمر المال والتمويل، فى مطلع الشهر الجارى، عن مشكلة دعم المنتجات البترولية التى صارت معطلا حقيقيا للنمو وليست فقط عبئا على الميزانية، كان رده مبشرا، وقال إن الحل فى التوجه للدعم النقدى المشروط، وأن المراحل الأولى منه ستطبق خلال المرحلة الانتقالية، وفى نفس الوقت سيتم رفع أسعار بعض المنتجات البترولية. إذن هو لا يسعى مجددا لترحيل المشكلة للحكومة القادمة. فإذا تحقق هذا سيكون أمرا ايجابيا». الأمر الآخر الذى يدعو للتفاؤل فى رأى الخازندار أن حالة الشلل التام التى أصابت الدولة خلال العامين الماضيين، والتى أثرت على الاقتصاد، بدأت فى التراجع. «هذه الحالة بدأت بعد الثورة نتيجة التحقيقات مع المسئولين السابقين، التى جعلت الجميع فى حالة خوف من اتخاذ أى قرار لدى المسئولين فى الحكومات المتتالية خلال تلك الفترة، حتى لا تتم محاسبتهم عليه فى وقت لاحق. هذا طبعا لا يعنى عدم محاسبة المخطئين فى النظام السابق، لكن الطريقة التى أديرت بها مسألة المحاسبة كانت تثير الخوف، من أكبر وزير لأصغر موظف، وبالتالى لم يكن أى منهم يريد أن يوقع على أى قرار أو ورقة حتى لو بسيطة». أما ما ضاعف من حالة الشلل تلك خلال حكم الرئيس السابق محمد مرسى، فيرجع إلى أن كثيرا ممن تم وضعهم فى مراكز المسئولية لم يكونوا على قدر مناسب من المعرفة والكفاءة لمواقعهم، فى رأى العضو المنتدب للقلعة. بينما الآن لدينا حكومة تعد الأكفأ من حيث الكوادر منذ ثورة يناير، ويبدو أنهم متشجعون لتحريك الأمور، ويمكن ملاحظة أثر ذلك على هيئة سوق المال، حيث تم تغيير رئيس الهيئة، وبدأ الرئيس الجديد، شريف سامى، يحرك كثيرا من الملفات التى كانت متوقفة بدون سبب. أحد هذه الملفات التى تخصنا بشكل مباشر هى زيادة رأسمال شركة «القلعة»، التى لم تصدر الهيئة قرارا بشأنها بدون سبب واضح لمدة 10 أشهر منذ تقديم الطلب فى نوفمبر 2012، لا بالقبول ولا بالرفض وإنما تدرس وتراجع! رغم إن المسألة بسيطة، زيادة رأسمال نقدية بالقيمة الاسمية من المساهمين الحاليين، وغرضها واضح جدا وهو شراء حصص إضافية فى شركات نحن مساهمون فيها بالفعل، واتفقنا مع المساهمين فى تلك الشركات على كافة شروط شراء حصصهم، أجرينا تقييمات راجع عليها مراقب مستقل ومستشار الحسابات وقدمت للهيئة»، يقول الخازندار. تحول إستراتيجى للشركة هيكل القلعة مبنى على أنها شركة استثمار مباشر تجمع مجموعات من المستثمرين وتستحوذ على شركات قائمة أو تبنى شركات جديدة، تكون حصتها منها حصة أقلية، ولكن برغم ذلك تقوم بالإدارة بناء على اتفاق مع الأطراف المشاركة، كما يشرح الخازندار، «وبنينا بهذا النمط محفظة مكونة من 19 شركة فى قطاعات مختلفة». على مدار السنوات الماضية، وخاصة بعد الأزمة العالمية، وبعد ثورة 25 يناير، «توصلنا لقناعة إن هذا الهيكل كان ناجحا فى الإطار الطبيعى، الذى يسهل فيه مثلا الحصول على تمويل إضافى، أما فى الإطار غير الطبيعى الذى نعيشه، والذى يمكن أن يستمر لفترة، نحتاج للتركيز فى عدد أصغر من الشركات والقطاعات، ولا نكون مشتتين فى 19 شركة متنوعة الأنشطة» يوضح الشريك المؤسس للقلعة. وهناك خمسة قطاعات استقرت «القلعة» على الاستثمار فيها، وهى الطاقة، الأسمنت، الغذاء، النقل واللوجيستيات، والتعدين، «قطاعات بنينا فيها شركات ناجحة جدا، ولدينا فيها فرص نمو كبيرة سواء فى مصر أو فى أفريقيا، وتتطلب نظرة طويلة الأجل وليست قصيرة الأجل للاستثمار فيها، وبالتالى يفضل أن نركز فيها ونضع التمويل اللازم لنجاحها، بحسب العضو المنتدب للشركة. وسيكون أهم قطاعين من الخمسة الطاقة والأسمنت. من جهة أخرى فإن مدة الاستثمار فى نمط الاستثمار المباشر الذى تعمل به القلعة منذ نشأتها قصيرة بطبيعتها، فى حدود الأربع أو الخمس سنوات، بينما تحتاج القطاعات التى ستركز عليها الشركة إلى نظرة طويلة الأجل، بحيث يمكنها التخطيط لمشاريع لمدة 10 أو 15 سنة. «هذا التغيير فى الاستراتيجية، دفعنا لمصارحة شركائنا ومساهمينا فى الشركات ال19 التابعة، وعرضنا عليهم أن نشترى منهم حصصهم فى تلك الشركات، بعد تقييم مستقل لتلك الأصول، على أن يكون التقييم متحفظا، وبالتالى مجز لشركة القلعة، وأن يلتزموا هم بالاكتتاب فى أسهم شركة القلعة التى ستطرح لزيادة رأس المال، بمبلغ يعادل حصيلة بيع حصصهم فى الشركات التابعة» كما يوضح الخازندار. وتحقق هذه الخطوة مصلحة المستثمر، لأنه دخل فى شركة من الشركات التابعة للقلعة مثل «جذور» على سبيل المثال، على اعتبار أنه سيتخارج منها بعد 4 سنوات، ومرت هذه الفترة فعلا ثم جاءت «القلعة» لتقول له إنها تعتبر هذا القطاع استراتيجيا ولن تتخارج منه، وأنها ستستثمر فى الشركة على الأجل الطويل، بحسب العضو المنتدب، و«هنا يكون أمام المستثمر خياران، إما أن يرتضى هذا التغيير فى أجل استثماره ويحتفظ بنصيبه على اعتبار أن هناك فرصة للربح فى هذا المجال، أو أن يفضل السيولة النقدية فيبيع أسهمه فى تلك الشركة المغلقة ويكتتب بدلا منها فى أسهم شركة كبيرة متداولة فى البورصة. وبعدها يمكنه أن يحتفظ بأسهم القلعة كشركة ناجحة أداؤها جيد، أو أن يبيع السهم فى السوق». ويضيف الخازندار أن المستثمر متقبل أن يبيع أسهمه فى الشركات التابعة بسعر متحفظ، ويكتتب فى أسهم زيادة رأسمال القلعة بسعر أعلى من القيمة السوقية، «مراهنا على اتجاه قيمة السهم للارتفاع». أما عن استخدام زيادة رأسمال القلعة فى رفع نسب ملكيتها لأسهم شركاتها العاملة فى المجالات الخمسة المذكورة، فيقول رجل الأعمال المصرى إنه طالما قررت الشركة التركيز على قطاعات بعينها فيجب أن تزيد حصتها فى الشركات التابعة العاملة فيها لأكثر من 50%، لضمان الاستثمارات طويلة الأجل وتحقيق المكاسب المنتظرة منها، كما يقول العضو المنتدب مضيفا أنه خلال تلك الفترة ستدرس الشركة فرص التوسع المتاحة فى القطاعات الخمسة. التخارج من الزجاج والمسبوكات أما القطاعات الأخرى التى تستثمر فيها الشركة عدا الخمسة الرئيسية، ورغم نجاحها فيها، تبعا للخازندار، كما فى حالة الزجاج أو المسبوكات مثلا، فإن الرغبة فى تركيز الجهود والاستثمارات ستجعلها تتخارج منها، خلال الأعوام الثلاثة المقبلة. ومع ذلك «فى خلال خطتى للتخارج قد أزيد نصيبى من بعضها، كما فعلنا فى شركة سفنكس للزجاج، فلدينا مستثمرون وضعوا ثقتهم فينا واستثمروا معنا، ثم غيرنا استراتيجيتنا، وبالتالى يجب أن نتعامل بخصوص تلك المسألة بشكل يتسم بالشفافية والعدالة»، كما يقول الخازندار، لذلك قررت «القلعة» إجراء تقييم لكل الشركات التابعة فى تلك القطاعات، وتخيير كل المشاركين فيها بين بيع حصصهم الآن، وبين الاحتفاظ بأسهمهم ليبيعوها مع القلعة عندما تنفذ التخارج. من جهة أخرى فإن زيادة حصص القلعة فى بعض الشركات التى ستتخارج منها، يستهدف رفع مستوى السيولة التى يمكنها الحصول عليها من بيعها فى وقت لاحق، مع تحسن أوضاع السوق والاقتصاد، خاصة أنها شركات ناجحة، كما يوضح العضو المنتدب. «فمثلا شركة الزجاج المسطح كان نصيبنا فيها حوالى 15%، رفعناه إلى ما يقرب من 60%، ونخطط لبيعها خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، فإذا كان هدفى من عمليات التخارج تلك هو زيادة السيولة المتاحة لدى وضخها فى انشطتى الرئيسية أو فى سداد قروض وغيره، سيكون من الأفضل أن أحصل على سيولة توازى 60% من المشروع وليس 15% فقط». أهم الأنشطة التى ستتخارج منها القلعة نشاط المسبوكات، حيث تملك حصصا فى شركة المتحدة للمسبوكات، وشركتين تابعتين لها، وتخطط للتخارج منها جميعا. وكذلك نشاط الاستثمار العقارى والذى يضم مركز التسوق المتخصص فى الأثاث «ديزانوبوليس» على طريق مصر اسكندرية الصحراوى، والقطاع الثالث هو الزجاج الذى تقوم به شركة جلاس وركس، وتتبعها شركتا مصر لصناعة الزجاج وسفنكس للزجاج. كما تسعى القلعة للتخارج من نشاط الخدمات المالية والذى يضم البنك السودانى المصرى بالسودان وشركات خدمات مالية مثل «فاروس». هذا بالاضافة لمشروعات أصغر، «ربما تندرج تحت أنشطتنا الخمسة الرئيسية مثل بعض الوحدات الصغيرة التابعة لشركة جذور، العاملة فى مجال الأغذية، إلا أننا نرى أننا يمكن أن نستغنى عنها لنركز نشاطنا بشكل أفضل»، يوضح الخازندار. «وهناك أيضا بعض الأنشطة لم نوفق فيها، مثل نشاط استخراج البترول، حيث قمنا بثلاثة استثمارات، اثنان فى مصر والسودان فى هذا المجال، أهمها شركة رالى التى تقوم بتنمية حقل عسران، ولم يحالفنا التوفيق فيها، وجنبنا لها مخصصات فى الميزانية، لكننا لم نتخارج منها نظرا لأن الظروف لم تكن مناسبة فى الفترة الماضية. سنظل نحاول تحسين أوضاع تلك الاستثمارات طالما نمتلكها، حتى لو تطلب ذلك ضخ استثمارات صغيرة فيها، حتى يمكننا عند التخارج منها أن نرد جزءا من المخصصات التى جنبناها لتغطيتها»، كما يقول العضو المنتدب للشركة. تقوية المركز المالى للقلعة بتنفيذ هذا التحول الاستراتيجى، تكون القلعة قد ضاعفت رأسمالها وقوت من مركزها المالى وفرصتها فى الحصول على سيولة، وضاعفت حصتها فى الأنشطة الرئيسية التى تعتزم الاستثمار فيها على المدى الطويل، كما تكون أيضا قد زادت من عدد أسهمها كشركة متداولة فى البورصة، ورفعت قيمتها السوقية، كما يوضح هشام الخازندار. أما بالنسبة لأى مستثمر أو جهة مقرضة فيساهم هذا التحول فى تبسيط هيكل الشركة أمامه، بدلا من 19 شركة تابعة تكون 5 فقط، كما يقول العضو المنتدب «ويصبح بإمكاننا نشر ميزانيات مجمعة، لأنها قبل ذلك كانت تسمى مجمعة ولكنها فى الحقيقة ليست كذلك، وهذا سيقدم صورة أوضح مما كان فى السابق عن الشركة، حيث لم يكن الهيكل ولا الأداء مفهومين للكثيرين. وكانت الميزانية غير واضحة لأننا شركة تملك حصص أقلية فى 19 شركة أخرى، وأداء تلك الشركات ليس مفهوما بوضوح، حيث نجنب مخصصات لبعض المشروعات التى لم نوفق فيها وفى المقابل لا نستطيع إظهار ربحية الشركات الرابحة، فتظهر نتائج أعمال القلعة فى النهاية كخسائر وليس أرباحا». ويوضح الخازندار أن هناك مشروعات لشركات تابعة دخلت مرحلة الانتاج فى الفترة الأخيرة، وهناك مشروعات أكثر أهمية ستدخل تلك المرحلة قريبا أهمها المصرية لتكرير منتجات البترول فى منطقة مسطرد، وهو مشروع مشترك بين القلعة وبين هيئة البترول وجهات دولية، والمنتظر أن يبدأ الإنتاج فى 2016/2017، ومشروع شركة «مشرق» لتخزين المنتجات البترولية الذى تقوم الشركة ببنائه فى شرق التفريعة، وكذلك التوسع المتبقى لشركة «أسيك» للاسمنت بالجزائر، مصنع جلفا، الذى سيبدأ الإنتاج فى 2016 أيضا، بعد أن دخل مصنعها فى مصر مرحلة الإنتاج منذ شهرين. أزمة الطاقة وقد تأثرت الشركة التى تعمل فى عدد كبير من المجالات الصناعية بأزمة الطاقة التى شهدتها البلاد فى الفترة الماضية لأن معظم استثماراتنا صناعية، وبالتالى كان عدم توافر الطاقة مشكلة، وكان هذا أحد أسباب تأخر بدء الإنتاج فى مصنع الأسمنت بالمنيا على سبيل المثال، كما تأثرت شركة «طاقة»، وهى أكبر شركة قطاع خاص لتوزيع الغاز الطبيعى، نتيجة لنقص كميات الغاز التى كان يتم ضخها. المشكلة تم تخفيفها جزئيا، ولكنه حل مؤقت لأنه مبنى على الدعم الذى حصلت عليه مصر من دول الخليج، وليس نتيجة حل جذرى لمشاكلنا، لأن الحل الحقيقى إعادة هيكلة قطاع الطاقة، وتسعيرها بشكل اقتصادى، وتنويع مصادر الطاقة التى تعتمد عليها المصانع، ونستورد جزءا من الطاقة لأن الانتاج المحلى من الغاز والبترول لم يعد يكفى احتياجاتنا، فمسألة الطاقة أصبحت عائقا للنمو، «فكيف سينمو الاقتصاد ب7 أو 8% ونحن لا نملك الطاقة الكافية لتشغيل المصانع القائمة، فضلا عن تلك التى نسعى لجذب المستثمرين لبنائها؟» إلا أن بعض مشاريعنا استفاد من الأزمة مثل شركة «توازن» التى تعمل فى مجال تدوير المخلفات الزراعية والمنزلية وتبيع منتجها للمصانع ليتم حرقها كوقود، فالطاقة المدعمة لا تدفع المصنعين للبحث عن البدائل كما يحدث فى الدول الصناعية، إلا أن الأزمة جعلت المصنعين يقبلون على منتجات الشركة، أصبحت «توازن» الآن تمد معظم مصانع الأسمنت العاملة فى السوق بمنتجاتها، فهى تورد لسيمكس وإيتال سيمنتى وأسيك، وبتسعير مرتبط بأسعار الطاقة وليس باعتبارها فقط مخلفات. أى مستثمر فى قطاع الأسمنت فى مصر يخطط خلال الفترة المقبلة للاعتماد على غاز مستورد، بتكلفة أعلى، بالإضافة للفحم الذى تقوم عليه تلك الصناعة فى الكثير من البلدان المتقدمة، رغم مساوئه البيئية، التى يمكن تلافيها بشروط منضبطة للاستخدام. لكن كل هذه التغيرات المطلوبة فى اتجاه حل أزمة الطاقة فى مصر تتطلب تشريعات وتغييرات هيكلية تقودها الدولة، لأنى كمصنع اليوم لا أستطيع أن أستورد الغاز ولا أن أستخدم الفحم لأن هذا يتطلب وجود قانون منظم لتلك المسائل، وهذا هو الدور الأساسى الذى ينبغى أن تلعبه الحكومة الانتقالية الحالية، والحكومة المنتخبة التى تليها، بتوفير مقومات أساسية للنمو، وإزالة معوقات لا نحتاج إليها.