- تجار الحي شركاء في المائدة.. وعودة لأبناء الحي الغائبين قبل أذان مغرب اليوم، منتصف شهر رمضان الجاري، تغيرت ملامح شوارع حي المطرية، حيث تحولت إلى موائد امتدت لمسافات طويلة، تتجاور الأطباق، ويتحرك عشرات الشباب بين الضيوف يوزعون الطعام ويرحبون بالقادمين من كل مكان، لا أحد يسأل الآخر من أين جاء، فالمائدة هنا للجميع؛ هكذا تحولت فكرة بسيطة بدأت قبل سنوات بين مجموعة من الأصدقاء إلى واحد من أشهر موائد الإفطار الجماعي في مصر، قصة يرويها أهل المطرية بعنوان واحد: "الجدعنة". بداية بسيطة.. وصورة صنعت الحكاية يقول أحمد عبدالمعطي، أحد القائمين على تجهيز مائدة إفطار المطرية، إن القصة بدأت ببساطة شديدة قبل أكثر من 12 عاما، حين قرر خمسة من شباب الحي أن يفطروا معا في الشارع، وكل واحد منهم أحضر طبقا من الطعام من بيت والدته، وجلسوا حول ترابيزة صغيرة يتشاركون الإفطار ويلتقطون صورة تذكارية. وأضاف عبدالمعطي خلال حديثه ل"الشروق"، أنه لم يكن في بالهم وقتها أن تلك اللحظة العفوية ستتحول إلى تقليد سنوي يجذب آلاف الزوار، متابعا: "في العام التالي لم تعد المائدة واحدة، بل أصبحت مائدتين، ثم ثلاثا، ثم شارعا كاملا، ومع مرور الوقت بدأ سكان الحي يشاركون بطعام من بيوتهم، وأخذت الفكرة تكبر عاما بعد عام". وتابع: "من شارع واحد إلى عشرين، مع اتساع المشاركة، تحولت المبادرة الصغيرة إلى حدث كبير ينتظره الجميع". وأضاف: "في البداية كانت المائدة في شارع واحد، ثم توسعت تدريجيا حتى وصلت في العام الماضي إلى 20 شارعا كاملا، تتحول جميعها إلى موائد إفطار مفتوحة تستقبل ضيوفا من مختلف المحافظات". ويضيف: "الأغرب أن منظمي الفطار لم يعودوا يجلسون على المائدة كما في البداية"، موضحا: "زمان كنا إحنا اللي بنقعد نفطر.. دلوقتي بقينا واقفين نخدم على الناس وننظم المكان". وأردف: "جمعية بسيطة صنعت الفكرة، وراء هذا الحدث الكبير تنظيم يبدأ قبل رمضان بوقتٍ طويل، فمنذ السنوات الأولى، اتفق الشباب على فكرة بسيطة: جمعية شهرية يدفع فيها كل مشارك مبلغا رمزيا، حتى تتجمع الأموال على مدار العام لتغطية نفقات الفطار". وواصل: "كانت الفكرة تقوم على مشاركة الجميع، بغض النظر عن ظروفهم المادية، فكل شاب كان يدفع مبلغا بسيطا شهريا، ومع تزايد عدد المشاركين كانت الأموال تكفي لتجهيز المائدة عاما بعد عام". شركاء النجاح ونوه بأن تجار الحي شركاء في المائدة، حيث لم يتوقف الدعم عند الشباب فقط، بل شارك تجار المنطقة أيضا في إنجاح الفكرة، أحد أصحاب محال الفراشة تكفل بتوفير الكراسي والموائد، وآخر تولى توفير الإضاءة والكهرباء، بينما قدم تاجر جملة المواد الغذائية، وتكفل صاحب فرن بتوفير الخبز للمائدة بالكامل. ونوه بأن إعداد الطعام لم يخرج عن إطار "أهل المطرية"، فمن بين أبناء المنطقة طهاة يعملون في فنادق كبرى، يحرصون كل عام على الحصول على إجازة خلال رمضان للمشاركة في طهي الطعام للمائدة، ويأتي الطاهي مع زملائه، ويقيمون مطبخا كبيرا في الشارع، يجهزون فيه الأرز واللحوم والطواجن والمحاشي، ليخرج الطعام في النهاية جاهزا لآلاف الصائمين. دعم المبادرة بدوره، يوضح محمد حسام، أحد منظمي الإفطار، أنه مع انتشار الفكرة، بدأت بعض الجهات والمؤسسات في تقديم دعم عيني للمبادرة، سواء من خلال توفير مواد غذائية أو المساهمة في تجهيزات الحدث، مؤكدا أن روح المبادرة ما زالت كما بدأت. وأضاف حسام خلال حديثه ل"الشروق"، أن فطار المطرية لم يعد مجرد مائدة إفطار، بل أصبح موعدا سنويا يجمع أبناء الحي الذين فرقتهم الحياة، من سكن في مدن جديدة، أو سافر للعمل في الخارج، يعود في هذا اليوم خصيصا ليشارك أصدقاء الطفولة المائدة. ويقول أحد المنظمين: "في ناس شغالة في السعودية والإمارات بتحجز تذاكر مخصوص علشان تيجي تحضر اليوم ده"، مضيفا: "مع اقتراب لحظة الأذان، تمتلئ الشوارع بالضيوف من كل مكان، أبناء الحي، وزوار من المحافظات، وإعلاميون، وسياح أجانب جاءوا ليروا المشهد بأنفسهم". ويضيف أنه عندما يرتفع صوت الأذان "تتحول الشوارع كلها إلى مائدة واحدة كبيرة، مائدة صنعتها أيدي أهل المطرية، وروتها روح التضامن بينهم".