نشرت صحيفة هاآرتس مقالًا للكاتبة ليزا روزفسكى (تم ترجمته بواسطة مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، تكشف الكاتبة تطورات إعلان «مجلس السلام» الأمريكى عن تحوّل يتجاوز إدارة غزة إلى إعادة رسم ملامح النظام الدولى. فالتوتر العلنى بين ترامب ونتنياهو لا يعكس خلافًا عابرًا، بل يسلّط الضوء على مشروع سياسى أوسع يضع النفوذ والإرادة الشخصية فوق القواعد والمؤسسات الدولية.. نعرض من المقال ما يلى: فى الليلة الفاصلة بين الجمعة والسبت، وفى توقيتٍ يعكس لا مبالاة كاملة إزاء إسرائيل، أو جدول أعمال رئيس وزرائها، نشر البيت الأبيض تشكيلة الهيئات التنفيذية ل«مجلس السلام» الذى أنشأه، والذى من المفترض أن يتولى إدارة قطاع غزة. صدرت عن مكتب بنيامين نتنياهو ردة فعل استثنائية للغاية: فلأول مرة، وبصورة علنية، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى أن العلاقة بين موقفه وموقف صديقه وراعيه دونالد ترامب لا تشوبها التصدعات فحسب، بل أيضا تفصل بينهما هوة عميقة، إلى حدّ الاحتجاج الرسمى، العلنى والصاخب، على تركيبة اللجنة الإدارية. فى موازاة ذلك، تبين حسبما سبق أن نشرت «هاآرتس» أن غزة ليست سوى حبة رمل، أو حجر الأساس، فى البناء الهائل الذى يسعى ترامب لتشييده: ائتلاف من زعماء العالم يخضعون لإرادته ويتولّون معالجة المشكلات والصراعات فى مختلف أنحاء العالم، لكن على طريقته. وحسبما لمّحت الوثيقة التى وُزعت على القادة المدعوين بوضوح لافت، فإن هذه الطريقة تختلف جذريا عن الأسلوب الذى أديرت به النزاعات والمشكلات العالمية حتى اليوم. من الصعب الإنكار أن العقود الأخيرة، ولا سيما الأعوام الأربعة منذ الغزو الروسى لأوكرانيا، أثبتت تصدُّع النظام العالمى القائم على القواعد التى وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية، وربما كلمة تصدُّع ليست دقيقة بما يكفى؛ فهذا البناء الذى تعرّض لاهتزازات متكررة، بات اليوم أشبه بأطلال ما بعد قصف، التى بالكاد توفّر لبعض المشردين مأوى من العاصفة فى الخارج، ومن الهزات المتلاحقة. إن ترامب، وبالتشاور مع مبعوثيه والمقرّبين منه، مصمم الآن على تسوية هذا البناء بالأرض نهائياً، وغزة ليست سوى مثال لذلك. صحيح أن ميثاق «مجلس السلام» يتضمن بضع كلمات عن التزام القانون الدولى، لكن عندما نتحدث عن إدارة فرضت عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وعلى قضاتها، يصبح واضحًا أن الأمر يتعدى كونه تعبيرًا فارغًا من المضمون، وليس حتى مجرد مجاملة لفظية. فالقانون الوحيد الذى يُفترض أن يسود «مجلس السلام» هو إرادة رئيسه، دونالد ترامب. السؤال المطروح الآن هو: من بين نحو ستين دولة دُعى قادتها إلى الانضمام إلى المجلس بحسب مصادر عديدة تحدثت ل«هاآرتس» مَن سيوافق فعليًا؟ سيقف القادة أمام معضلة واضحة: إذا شاركوا فى هذا المشروع، فسيكونون شركاء شخصيًا فى تدمير العالم القديم، وسيوافقون عمليًا على إخضاع العالم الجديد لترامب ونزواته. كل قرار يصدر عن "مجلس السلام"، وحتى جدول أعماله، سيكون خاضعًا لموافقة رئيسه. وبحسب الميثاق، يحقّ لترامب، إن شاء، إنشاء هيئات إضافية خاضعة للمجلس، وإن شاء إقالة أعضائه، أو تمديد ولاياتهم. وبصورة معلنة، سيكون المال مصدرًا للنفوذ: مَن يتبرع بمليار دولار لحاجات المجلس، أو أكثر، تمدَّد عضويته تلقائيًا. إن مثل هذا المسار ينطوى على مخاطر كبيرة على صورة قادة الغرب؛ أمّا بالنسبة إلى دول «الجنوب العالمى» التى تتمتع، ولو شكليًا، بالمساواة مع الدول الكبرى داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن محاولة إقامة «أمم متحدة بديلة» تشبه نشر الغصن الذى تجلس عليه. يُضاف إلى ذلك أن الولاياتالمتحدة دولة ديمقراطية، حتى الآن على الأقل، وبحسب دستورها، يتعين على الرئيس التنحى بعد ولايتين. فما قيمة «مجلس السلام» الميغالو هوسى الذى يؤسسه ترامب، بعد أن يتوقف عن قيادة أقوى دولة فى العالم؟ فى المقابل، من المرجّح أن هناك دولًا لن ترغب، أو لن تستطيع رفض عرض ترامب، كلٌّ لأسبابه، لكن أساسًا لأن كلًا منها لا ترغب فى التنازل عن أقصى قدر من النفوذ فى غزة، والصراع فى الشرق الأوسط. كذلك سيتعين على دول الغرب الحسم فيما هو أهم بالنسبة إليها: الكرامة الذاتية والقانونية أم إرث رمزى زائل، أم نفوذ قصير الأمد؟ صحيح أن بريطانياوفرنسا ستضطران عمليًا إلى التخلى عن ثقلهما فى مجلس الأمن، فى حال انضمامهما إلى مجلس ترامب، لكن ما جدوى حقّ النقض فى مؤسسة عاجزة عن تمرير أى قرار جوهرى بسبب ميزان قوى مشلول مع روسيا والصين؟ حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم يتضح ما إذا كانت وُجِّهت الدعوة إلى فرنسا أصلاً؛ أمّا بريطانيا، فبحسب عدد من المصادر، تلقت دعوة، ووفق تقرير نشرته صحيفة «تايمز» قبل أيام، يعتزم رئيس وزرائها كير ستارمر الانضمام؛ كذلك تشير مصادر إلى أن ترامب لم يتردد فى دعوة قادة دولٍ لا تُعتبر مؤثرة، مثل السلفادور وباراجواى؛ أمّا مَن لم يُدعَ حتى الآن، فهو نتنياهو. يتضمن ميثاق المجلس بندًا لافتًا ينص على عدم جواز التحفظ عنه. وبلغة «ترامبية» بسيطة: إمّا أن تقبل، أو ترفض. صحيح أن أعضاء المجلس سيتمكنون من إدخال تعديلات لاحقًا، بأغلبية خاصة، وبموافقة ترامب، لكن ذلك لن يكون ممكنًا إلّ ا بعد الانضمام، وربما جاء الإعلان بشأن المجلس عشية انعقاد المنتدى الاقتصادى العالمى فى دافوس، بهدف زيادة الضغط على المدعوين: إذ سيجدون أنفسهم، بشكل شبه حرفى، سجناء فى غرفة واحدة فى جبال الألب السويسرية، مطالَبين باتخاذ قرار، وبأسرع وقت. إن المسار الذى بدأ يوم الأربعاء بإعلان ستيف ويتكوف أسماء أعضاء لجنة التكنوقراط، واستُكمل يوم الخميس بتغريدة لترامب بشأن «مجلس السلام»، ثم بالإعلان الرسمى للبيت الأبيض فجر السبت، حظى بدعم واسع، بل متحمسا من السلطة الفلسطينية و«حماس» وبقية الفصائل. يوم الأربعاء، وصف نتنياهو الخطوة بأنها إعلانية، ثم التزم الصمت ثلاثة أيام، قبل أن يخرج مساء السبت محتجاً. يبدو كأن دور وزير الخارجية جدعون ساعر، وكذلك دور وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيو فى هذا المشهد، هو دور بروتوكولى فى الأساس: فاحتجاج نتنياهو، عبر ساعر، يهدف فى الواقع إلى احتواء الحدث وتقليصه، لا إلى تحويله إلى مواجهة مباشرة مع ترامب. سواء أكان الأمر يتعلق بمحاولة إعادة إعمار غزة، أو بمحاولة تقويض النظام العالمى، فإن قطار ترامب انطلق بسرعة، ولم يتبقّ لنتنياهو سوى التلويح له من على الرصيف.