لجنة انتخابات حزب الوفد تتلقى الطعون من المرشحين.. غدًا    النائب أحمد جبيلي: القضايا العامة في مقدمة أولويات البرلمان    الإسكان تطرح أراضي استثمارية مميزة بالعلمين الجديدة والسادات بنظام البيع    المشاط: تطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    قادة الاتحاد الأوروبي يتعهدون خلال زيارة لدمشق بدعم تعافي سوريا بعد الحرب    الحرس الثوري: سنقف إلى جانب الشعب الإيراني حتى ضمان أمن المواطنين    وزير الخارجية يشدد على رفض أي ممارسات من شأنها تقويض وحدة الأراضي الفلسطينية أو تقسيم قطاع غزة    آرسنال يتوصل لاتفاق لتجديد عقد طويل الأمد ل ساكا    مباراة السنغال ومالي تشتعل في ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية 2025    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    حصاد الوزارات.. رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح    وفاة ابنة الفنان أحمد عبد الحميد    إيرادات الخميس.. إن غاب القط يواصل صدارة شباك التذاكر وجوازة ولا جنازة يتراجع للمركز الثالث    تداول صورة لفضل شاكر أمام المحكمة العسكرية اللبنانية في جلسة سرية    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    مدرب الجزائر: جاهزون ذهنيًا لمواجهة نيجيريا ونواجه صعوبات    ارتفاع مفاجئ في أسعار الذهب| عيار 21 يلامس 6000 جنيه بمنتصف التعاملات    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    بُناة مصر الرقمية.. منحة تدريبية مجانية لتأهيل الخريجين لسوق العمل التكنولوجي    رئيس الرعاية الصحية: الهيئة حققت أكثر من 30 ألف قصة نجاح فى علاج المرضى الأجانب    رضوى الشربيني ل إيمان الزيدي: كنا حابين نشوفك بصور الزفاف الأول قبل الطلاق    جوارديولا: الجميع يعرف قدرات سيمينيو    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    «الصحة»: فحص 4 ملايين طالب ضمن أعمال الفحص الطبي الدوري الشامل بالمدارس    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    الأمن يفحص فيديو استغاثة لسيدة تزعم تعرضها هي وبناتها للاعتداء من والدهن في قنا    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ترامب: ألغيت موجة ثانية من الهجمات العسكرية على فنزويلا بعد عملية السبت    رانيا المشاط: تطبيق دليل "خطة التنمية المستجيبة للنوع" لتمكين ذوي الهمم    حبس عامل 4 أيام لاتهامه بقتل زوجته الحامل إثر خلافات أسرية بقنا    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    عضو مجلس الزمالك: فوجئت بتعيين معتمد جمال مديرًا فنيًا للزمالك من الإعلام    الجيل الديمقراطي: ذكرى السد العالي تجسد قدرة مصر على حماية أمنها القومي    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    13 قطاعًا تتصدر قيم التداول بالبورصة بجلسات نهاية الأسبوع    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    استقرار بيتكوين قرب 91 ألف دولار مع ترقب بيانات الوظائف الأمريكية    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إبراهيم المعلم في حوار شامل مع برنامج المقابلة (2-2): أكثر ما يقلقني ازدياد المعلومات المضللة وتشويه التاريخ..وأفتخر بأنني صاحب فكرة جائزة البوكر العربية
نشر في الشروق الجديد يوم 02 - 01 - 2026

تواصل "الشروق" نشر الحوار الكامل للمهندس والناشر إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مجموعة الشروق، مع الإعلامي علي الظفيري، عبر برنامج «المقابلة» على شاشة قناة الجزيرة، والذي تناول خلاله مسيرته المهنية، وتحولات صناعة النشر العربي، وحقوق الملكية الفكرية، ومستقبل الكتاب في عصر الرقمنة.
استعرض المعلم جذوره العائلية، مشيرًا إلى أن والده محمد المعلم هو المؤسس الحقيقي لتجربة دار الشروق منذ بدأها بدار القلم، بعد رحلة كفاح بدأت من الصفر، ومرت بتجربة التأميم في الستينيات، قبل إعادة الانطلاق بتأسيس دار الشروق عام 1968 في ظروف شديدة الصعوبة عقب هزيمة 1967. وأكد المعلم أن الدار منذ بداياتها راهنت على النشر الفكري والعلمي، واحتضنت كبار مفكري وأدباء مصر والعالم العربي.
وتحدث المعلم عن خلفيته الهندسية، موضحًا أن دراسته لهندسة الإنتاج والتخطيط أسهمت في تكوينه الإداري والفكري، وفي فهمه لطبيعة صناعة النشر بوصفها مشروعًا ثقافيًا واقتصاديًا معًا، لا مجرد طباعة كتب. تطرق المعلم أيضًا لتجربته في العمل العام، من خلال رئاسته لاتحاد الناشرين المصريين والعرب، وعضويته في الاتحاد الدولي للناشرين نائبا للرئيس ، حيث دافع عن حرية النشر واستقلال الناشر ومحاربة القرصنة، وغيرها من القضايا الثقافية التي خاضها على مدار أكثر من نصف قرن.
وقال الإعلامي على الظفيري في مستهل حديثه: "في هذه الحلقة الجديدة من برنامج «المقابلة» استضيف المهندس إبراهيم المعلم، مؤسس دار الشروق المصرية، والناشر والمثقف البارز الذي أسهم إسهامًا كبيرًا واستثنائيًا في مسيرة النشر العربي، ومسار الثقافة والوعي منذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم.
وإلى الجزء الثاني من نص الحوار:
==متى توليت رئاسة اتحاد الناشرين المصريين ويُقال إنه بعد توليك رئاسة الاتحاد المصري ثم العرب ضخيت فيه حيوية كبيرة وأصبح للناشرين اعتبار أكبر ولهمومهم وقضاياهم فما القضايا التي كانت على جدول الأعمال؟
= توليت رئاسة اتحاد الناشرين المصريين عام 1996. القضايا التي كانت على الأجندة هى اللي قولتها حين تسلمت جائزة بطل اتحاد الناشرين الدولي. فخلال عملنا، اكتشفنا قضية مهمة، وهي أن بعض الموظفين الحكوميين في العالم العربي لا يرغبون في النشر المستقل أو الخاص، بل يحاربونه ويشوه سمعته. فكانت المعركة الأولى تكمن في كسب الاحترام الواجب لاستقلال الناشرين وكرامتهم، لأن هؤلاء ناشرون مثقفون وطنيون يعملون للصالح العام ويجب أن يعترف لهم بالاعتبار.
المعركة الثانية كانت حول حرية النشر، وتشمل الرقابة، حرية المؤلف، حرية الوصول للمعلومات، حرية استيراد وتصدير الكتب، وسلامة الناشر والمؤلف والكاتب والقارئ.
أما المعركة الثالثة والأهم، والتي جمعت كل الناشرين المصريين وأدت إلى إعادة إحياء الاتحادات، فكانت عمليات التزوير زادات وتفاقمت لدرجة كانت ستقضي على مهنة النشر، وتمنع المؤلفين والكتاب والمبدعين من الكتابة. فما الفائدة من أن تضيع عمرك في الكتابة إذا كان في النهاية يُسرق حقك وحق أدبك، لأنك لا تعرف كمية النسخ التي وزعها مؤلفك.
وكانت هذه ثلاث قضايا رئيسية. وكان هناك اتحاد ناشرين مصريين سابق، لكنه توقف بسبب قوانين غير قابلة للتطبيق. لذلك بذلنا جهدًا جبارًا لإعادة بعثه منذ التسعينيات، وفعلاً بعثنا اتحاد الناشرين من جديد. وكان معي في هذا الجهد، خاصة الأستاذ محمد رشاد، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس اتحاد الناشرين العرب. عملنا مجهودًا كبيرًا لجمع الناشرين المصريين وإقناع رئيس الاتحاد وقتها بأن يكون الاتحاد قائمًا وفعالًا، بدلًا من أن يكون اتحادًا بلا نشاط.
والقوانين في ذلك الوقت غير قابلة للتطبيق، إذ كان يجب أن يتألف اتحاد الناشرين من 19 عضوًا: 10 منتخبين و9 معينين من الحكومة، ممثلين عن وزارات ومؤسسات لم تعد موجودة. على سبيل المثال، كان يفترض وجود ممثل عن وزارة الخزانة، التي لم تعد موجودة، وممثل عن المؤسسة المصرية للنشر والأنباء والصحافة، التي تغير اسمها. والحقيقة الحل جاء بمساعدة الوزير فاروق حسني، الذي تعامل بشجاعة مع الموضوع، حيث أصدر خطابأ رسميًا يوضح أن وزارة الخزانة أصبحت وزارة المالية، وهكذا. ثم تم توضيح المسميات الحكومية وتعيين المندوبين، وإلا لما كنا قادرين على المضي قدمًا.
أما سبب تجاوب الناس معنا، فكان أننا كنا نعمل مجهودًا حقيقيًا في سبيل قضايا النشر منذ قبل تأسيس الاتحاد، من خلال الصحافة، الندوات، ومقابلات الوزراء والمسؤولين. بحيث كان الجميع أصبح يدرك أن هناك شيئًا اسمه نشر وكتاب، وأنه مهم للتنمية البشرية ونهضة الأمم والتعاون العربي، وأن هناك مشكلات يجب حلها.
وبناءً على ذلك، أسسنا اتحاد الناشرين المصريين، وكان هناك أيضًا اتحاد الناشرين اللبنانيين، لكن بقيت باقي الدول العربية بلا اتحادات، وكان من الضروري أن يكون للاتحاد دور أوسع من مصر ولبنان فقط.
ومرة كنا في معرض القاهرة، اجتمعنا أسرة النشر وتناقشنا معًا، واتفقت إرادتنا على إعادة تكوين اتحاد الناشرين العرب. علماً أن الجامعة العربية كانت قد حاولت إنشاء اتحاد للناشرين العرب في الخمسينات، وأعدت قانونًا لذلك، لكنه لم يُنفذ، وفي النهاية شكلنا لجنة خماسية وأسسنا اتحاد الناشرين العرب.
وانطلق الاتحاد، وكان يضم شخصيات مهمة. وقد فصلنا تمامًا بين العمل الخاص لكل ناشر والعمل العام، فطالما كنت عضوًا في مجلس اتحاد الناشرين العرب، فإن عملك يكون من أجل الصالح العام فقط.
==حسمتم قضايا كثيرة؟ بمعنى هل استجابت الحكومات؟
= في مسائل كثيرة نجحنا في تحقيق نتائج، ومن أبسطها كان التنسيق بين المعارض العربية، فكانت أحيانًا تقام ثلاث معارض في نفس الوقت.
== على ذكر المعارض من هي الأهم؟
= كل المعارض تتطور وتقدم خدمات مهمة، لكن أكبر حدث ثقافي شعبي في العالم العربي والعالم الإسلامي، وليس بالضرورة أكبر معرض فقط، هو معرض القاهرة. ، فكيف يمكن لأي معرض آخر منافسته، خاصة وأن عدد الزوار اليومي يصل إلى نصف مليون، ومعظمهم من الشباب؟.
== ما المعيار الذي نقيس به قوة المعرض؟
= أهم معيار هو عدد زوار المعرض وإقبالهم، وكذلك الإقبال على تنوع الكتب. لذلك، يصعب على أي معرض منافسة معرض القاهرة نظرًا لتاريخه العريق وحضوره الدولي، حيث يأتي إليه زوار من كل الجنسيات.
مع ذلك، هناك معارض ناجحة ومهمة مثل معرض الرياض، ومعرض أبو ظبي الذي يتميز بتنظيم ممتاز، ومعرض الشارقة، ومعرض الكويت، بينما معرض المغرب لا يقام بانتظام لكنه ناجح. إنما معرض القاهرة شعبيًا لا يُنافس.
- الأرقام في العالم العربي تفتقر إلى الدقة
== هل يمكن أن تعطينا أرقامًا عن مبيعات الكتب في السنوات الأخيرة؟
= الأرقام في العالم العربي تفتقر إلى الدقة، والإحصائيات الرسمية لا تزال محدودة. على سبيل المثال، رئيسة الاتحاد الدولي الحالية من جورجيا أخبرتني أن عدد الكتب التي يطلب الناشرون العرب ترجمتها من لغتها الأصلية قليل جدًا، وقالت لي: "في جورجيا هناك 4 ملايين قارئ، بينما دور النشر العربية تطلب حقوق نشر كتب للغة العربية، لكن العدد الذي يُطبع أقل من عدد القراء في جورجيا، كيف يحدث هذا؟"
وأضافت أن دور النشر العربية تأخذ كتبًا من جورجيا لترجمتها، لكن في النهاية يطالبون بطباعة 500 أو 1000 نسخة، بينما تُباع في جورجيا وحدها حوالي 5000 نسخة من الكتاب.
و في العالم العربي، نحن نمتلك إيجابيات وسلبيات. الإيجابيات تتجلى في زيادة عدد الشباب المقبل على القراءة وتنوع اهتماماتهم، وهو أمر مفرح، لكن نسبتهم مقارنة بعدد السكان لا تزال قليلة.
== أنت وأسرتك ووالدك محمد المعلم اهتممتم بعالم الثقافة بشكل كبير وأنشأتم دارًا مهمة وبارزة على المستوى المصري والعربي. كما توسعت محاولاتكم لتشمل كتب الأطفال وأنواع أخرى من الكتب، ثم أنشأتم صحيفة ومجلة الكتب وجهات نظر، إلى آخره. هل يمكنك توضيح ذلك؟
= وعملنا أشياء أخرى. أنشأنا شركة للنشر الإلكتروني، وشركة للإنتاج الفني، وسجلنا 200 حلقة من برنامج "مع هيكل"، وقدمنا برامج وثائقية، وأنتجنا أفلامًا ومسلسلات مقتبسة من كتبنا.
== إذا هذا يعكس أمرين: ذكاء في إدارة الفكرة ومساراتها المختلفة وإيمانًا بالمحتوى.. أنت دائمًا تقول: "نحن ناشرو محتوى ليس مجرد ورق". لماذا هذا التركيز على المحتوى، وما المقصود بالمحتوى بالضبط؟
= أنا هسأل سؤال: في القرآن الكريم بنقول "أهل الكتاب". رغم أنه لم تكن هناك مطابع أو ورق متاح آنذاك، لكن الكتاب كان موجودًا. وهو منذ القدم سواء على الحجر أو الورق أو الجلد، فالورق مجرد وسيلة، وحتى اليوم الكتاب الورقي هو الوسيلة الأكثر انتشارًا والأيسر والأحب.
== كم نسبة إنتاج الكتاب الإلكتروني؟
=أقصى ما وصل في العالم المتقدم حوالي 20%، أما في مصر فنحاول أن نصل إلى 2% فقط، ولسنا قادرين مع أن العالم لا يكف عن التقدم.
==ذكرت أنه ليس بالضرورة أن تكون المعرفة كتابًا. يمكن أن تكون حوارًا أو اجتماعًا أو مقابلة أو مسرحًا إلى آخره؟
=على سبيل المثال، أهم كتاب عن نجيب محفوظ لم يكتبه هو نفسه، بل حكى للناقد الفذ رجاء النقاش وسجل 52 ساعة عن حياته وقصص كتبه وما تعرض له في سبيل فكره وكتاباته وحياته. ورجاء النقاش هو الذي كتب هذا الكتاب، وهو في أصله حوار لم يكن كتابًا بالمعنى التقليدي، لكنه يجمع كل أفكار محفوظ وسيرته وفلسفته وتاريخه وملخص لكتبه وغيرها الكثير.
أما عملنا "مع هيكل" للأستاذ محمد حسنين هيكل، فكانت الفكرة الأصلية عمل موسوعة تاريخية عن آخر 60 سنة هو عاصرها من حياة المنطقة. وبعد تفكير، ولأسباب تذكر أو لا تذكر.. هيكل قال أنا اكتشفت أن الأحاديث التلفزيونية أكثر عمقًا وتأثيرًا وانتشارًا، فتم تحويل الموسوعة إلى برنامج "مع هيكل" مكون من 200 حلقة.
موضوع الحرية أساسي، واليوم في العالم العربي نعيش في أدنى مستوياتها. وهذا يؤثر على طريقة تحدث الناس، وكتابهم، وحواراتهم، وحتى تقييمهم للتجارب. نحن أمام أفق مسدود؛ لا أحد يستطيع التحدث عن السنوات العشر الماضية في المنطقة أو عن المحطات الأساسية في تاريخ دولنا حتى بشكل موضوعي، وليس بالضرورة بأسلوب مثير أو ناقد جارحًا؟
= أنا أكثر ما يقلقني ليس غياب الحرية المطلقة، بل حتى في المساحات المتاحة للتعبير، يزداد ما يُسمى بالمعلومات المضللة والأخبار الكاذبة وتشويه التاريخ. من المهم دراسة التاريخ بعمق ومناقشته بوجهات نظر مختلفة، لكن المشكلة أن الكثير من الآراء قائمة على أكاذيب وإضلاليل، من أيام الفراعنة وحتى اليوم.
انتشار هذه الأكاذيب سواء من جهات أو من أشخاص بحسن أو سوء نية أمر في منتهى الخطورة. بخاصة أنه أصبح أكبر بفعل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يصدق الناس أشياء غير صحيحة بسهولة.
== الجوائز كيف تؤثر في الاهتمام بالكتاب والمؤلف والنشر، خصوصًا الجوائز الرسمية في مصر والدول الأخرى؟
= جوائز الدولة التقديرية وجوائز عيد العلم بدأت في مصر وكان لها قيمة كبيرة جدًا، وأول جائزة تقديرية في الأدب كانت لطه حسين، ولا أحد يختلف على قيمته؛ طه حسين عبقري من العباقرة، والفائزون الآخرون مثل عباس محمود العقاد وزكي نجيب محمود جميعهم من العمالقة. كما اعطيت جوائز تقديرية لفنانين كبار مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وكلهم استحقوا الجوائز التقديرية عن جدارة.
مع مرور الوقت، بدأت الجوائز تزيد، وأصبح القليل منها يحافظ على موضوعيتها، بينما كثير منها أصبح مرتبطًا بالسياسات أو المجاملات، مثل منح الجوائز لأسباب شخصية أو اجتماعية، كالتعاطف مع شخص مريض يحتاج للعلاج، بالإضافة إلى بعض حالات التحيز.
وأفتخر بأنني صاحب فكرة جائزة البوكر العربية. بدأت القصة في اجتماع ببرلين مع ناشر إنجليزي وآخر ألماني، كنا نناقش النشر في العالم والعلاقات بين الثقافات والأديان المختلفة. وقبل الندوة، عقدنا جلسة خاصة لأن الناشر الإنجليزي قال إننا كناشرين نحول الأفكار إلى كتب وأفعال، وليس مجرد حديث بلا نتيجة.
قلت لهم: لدينا مشكلة؛ الكتب الأكثر قيمة والأهم لا تترجم إلى اللغات الأجنبية، بينما أنتم تختارون الكتب التي تثبت وجهة نظركم عن الثقافة العربية، وغالبًا ليست الكتب الأهم أو الأكثر قيمة، بل الكتب التي تعكس صورة سلبية وتتناول عصر الحريم والجواري وغيرها، وكذلك نحن نختار ترجمة الكتب التي تدعم وجهة نظرنا!. فلماذا لا نؤسس جائزة عربية شبيهة بالبوكر، بحيث تكون لجنة التحكيم مشتركة بين نقاد عرب ونقاد غربيين لاختيار أفضل وأهم الكتب، ليعرف الناشرون العالميون أي الكتب يترجمونها.
و أظن أن الجائزة نجحت وأصبحت موضوعية إلى حد كبير حتى الآن. ثم بدأت ظهور جوائز مشابهة في دول عربية أخرى مثل السعودية، البحرين، الكويت، والإمارات، من بينها جوائز مهمة وموضوعية مثل العويس والبابطين وكتارا، وأيضًا جائزة ساويرس في مصر، بالإضافة إلى جوائز أخرى كثيرة.
الجوائز مهمة جدًا لأنها تشجع المبدع والناشر وتدعمهم على الاستمرار في طريقهم.
== بعد 60 سنة في عالم النشر والثقافة. ما الذي تبقى لك من خطط ترى أنه ما زال بالإمكان تنفيذها؟
= خلال الستين سنة الماضية، بصراحة لا أعرف كم نجحت وكم فشلت. لكن ما أنجزناه في فترة عملي بدار الشروق، أنتجنا أكثر من 10 آلاف عنوان في مختلف مجالات المعرفة، ونشرنا كتبًا من العالم كله ومن جميع الدول العربية تقريبًا. ووزعنا حوالي 70 مليون نسخة من هذه الكتب، فالكتب رسالة إذا لم يصل للقارئ، فكأنك لم تحقق رسالته.
كما أنشأنا مطابع حديثة وكبيرة في المنطقة، طبعت فيها كتب لناشرين آخرين ووزارات تعليم في العالم العربي بمئات الملايين من النسخ، وهذا مصدر فخر كبير لي.
إلى جانب النشر، أنجزنا أعمالًا في التلفزيون والسينما والمسلسلات، وأصدرنا جريدة الشروق اليومية، ومجلة وجهات نظر، وأنشأنا مكتبات.
و الحقيقة، أشعر أننا الآن في مفترق طرق. النشر في العالم العربي بحاجة إلى ثورة وطفرة وتجديد كامل، خصوصًا مع ظهور عالم جديد من الذكاء الاصطناعي والنشر الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي. يجب أن نأخذ هذه التطورات بعين الاعتبار في الإنتاج والنشر وتوزيع الكتب و كل حاجة. ومع ذلك، هناك من يقف حجر عثرة ويقاوم هذا التطور، دون وضوح الأسباب التي تدفعه لذلك.
نحن بدأنا في النشر الورقي بعد العالم بحوالي 400 سنة، وفي بعض الدول العربية بعد 500 سنة، وحجمنا في النشر الورقي بالنسبة للعالم لا يتجاوز 0.4% تقريبًا، لذلك ليس لنا تأثير كبير على الإنتاج أو الاستهلاك. وإذا كان العالم كله يتجه نحو التجديد، فأنا أشعر أنني متمسك بشيء ضعيف وبدأته متأخرًا لية؟، ولماذا لا نواكب الجديد؟
بالإضافة إلى ذلك، هناك أزمة اقتصادية في معظم الدول العربية، وأصبح الوضع في العالم العربي مختلفًا. فالكتاب يحتاج إلى تأليف ورسم وإعداد وتدقيق، ثم طباعته على الورق، وهذا يتطلب مطبعة وورقًا وحبرًا وغلافًا ومخزنًا. بعد الطباعة، يتم وضع الكتاب في سلوفان ثم يُخزن قبل أن يصل إلى المكتبات، حيث يجب دفع إيجار المكتبات ورواتب الموظفين. فلو استطعنا تحويل هذا الإنتاج مباشرة إلى صيغة رقمية، يمكننا توفير نحو نصف التكلفة لماذا لا نفكر في الاتجاه في هذا الطريق؟ ونحن في دار الشروق بالفعل نقوم بالنشر الرقمي حاليًا، لكن القارئ العربي والمؤلف لا يزالان مرتبطين بالكتاب الورقي، إذ يعتقدون أن الكتاب غير الورقي ليس كتابًا حقيقيًا. أنا شخصيًا مشغول بكيفية تجديد أنفسنا ومواكبة التغيرات في عالم النشر فنجاحنا يعتمد على ذلك.
ونجاحنا في دخول اتحاد الناشرين الدولي، وأن نكون جزءًا من حركة النشر العالمية، وأن أصل إلى منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين الدولي، ثم تتولى الشيخة بدور القاسمي رئاسة الاتحاد، وأن أحصل على جائزة بطل الاتحاد؛ فكل هذا يعني أن لنا وجودًا وتأثيرًا في العالم. كما شجعنا حركة الترجمة نسبيًا، وبدأت بالفعل تتحرك.
وأفتخر بأن لدينا مؤلفين تُرجمت أعمالهم إلى أكثر من 40 لغة، وأننا ترجمنا كتبًا للأطفال والكبار إلى أكثر من 30 دولة وبنحو 30 لغة مختلفة. هذا نجاح ليس فرديًا، بل شارك فيه ناشرون كثر.
لكن يبقى السؤال: ما أثر هذا النجاح إذا لم تكن هناك مكتبات عامة، ولا حركة نقدية فاعلة، ولا سماح حقيقي للناشرين بالتنافس بنزاهة وكفاءة، ولا موضوعية في تطوير الكتاب المدرسي ونشره في العالم العربي بأكمله، من دون ذلك، لن تتقدم حركة النشر كما ينبغي.
اطلع على الجزء الأول من الحوار


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.