تشهد منطقة شرق البحر المتوسط منذ ما يقرب من عقد ونصف من الزمان تحولات متسارعة جعلت من الغاز الطبيعى أحد أهم أدوات إعادة تشكيل موازين القوى فى المنطقة، فالاكتشافات البحرية غيّرت من معادلات النفوذ، ودَفعت العديد من دول المنطقة إلى إعادة تقييم علاقاتها ببعضها البعض. وفى خضم كل ذلك، وجدت مصر نفسها فى موقع محورى، تمتلك فيه ما لا يمتلكه غيرها من بنية تحتية لتسييل الغاز الطبيعى ومن ثم تصديره، بالإضافة إلى شبكة علاقات إقليمية بنتها خطوة بخطوة منذ عام 2019 مع تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط. وسط هذه التحولات، يظل النقاش العام فى مصر متأثرا بمعلومات قديمة غير محدثة عن ملف الغاز، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل. فقطاع كبير من الرأى العام المصرى لا يزال يعيش على رواية ما قبل 2011، عندما كانت القاهرة تصدّر الغاز لإسرائيل بأسعار منخفضة، فى سياق سياسى مختلف تماما عن ذلك القائم حاليا سواء داخليا أو إقليميا! وقد انتهت المرحلة المذكورة بشكل تام بحلول عام 2013، لكن ظلالها ما تزال حاضرة فى الذاكرة. غير أن استمرار النظر إلى المشهد الراهن بعيون الماضى يحجب قراءة ما جرى من تحولات جذرية خلال السنوات الأخيرة. فمع اكتشاف حقل ظُهر وغيره من الحقول البحرية فى مصر، أصبحت مصر تمتلك ما يمكن تسميته ب«ميزة البنية التحتية»، أى القدرة على تسييل الغاز وتصديره إلى أوروبا عبر محطتى إدكو ودمياط، وهى قدرة لا تمتلكها إسرائيل ولا قبرص ولا غيرهما من الدول المنافسة فى هذا الطريق. فى المقابل، تمتلك إسرائيل احتياطيات بحرية كبيرة لكنها بحاجة إلى دولة تمتلك منشآت تسييل قادرة على تحويل الغاز إلى سلعة قابلة للتصدير. من هنا نشأت العلاقة الحالية: غاز إسرائيلى يتدفق إلى مصر، يُعالج ويُسال ثم يُعاد تصديره، وفق عقود تجارية بين شركات، وليس وفق ترتيبات سياسية تفضيلية. بعبارة أخرى: هى صفقة تجارية تفيد الطرفين! ولعل الصفقة التى تم توقيعها فى أغسطس من العام الجارى تمثل تجسيدا واضحا لهذه المعادلة الجديدة. فقد وقع ائتلاف حقل «ليفياثان» اتفاقا ضخما بقيمة 35 مليار دولار أمريكى لتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعى من إسرائيل إلى مصر حتى عام 2040، لتكون الصفقة الأكبر فى تاريخ صادرات الغاز الإسرائيلية. وتهدف هذه الصفقة إلى رفع كميات الغاز المتجهة نحو محطات الإسالة المصرية. غير أن تنفيذها مشروط بتوسعة الحقل المذكور ومدّ خطوط جديدة عبر معبر نيتسانا، وهو ما يعنى أن الاتفاق ما يزال مرتبطا بعوامل فنية، لكنه يعكس فى الوقت نفسه التوجه العام نحو تعزيز دور مصر كمركز للتسييل والتصدير. • • • إلى جانب هذه التطورات الإقليمية، يواجه قطاع الغاز المصرى نفسه تحديات داخلية لا يمكن تجاهلها. فقد شهد الإنتاج المحلى خلال العامين الأخيرين تراجعا نسبيا مرتبطا بعوامل طبيعية فى بعض الحقول الكبرى، وبتباطؤ وتيرة التطوير فى عدد من مناطق الامتياز. والمقصود ب«الامتياز» هنا هو المنطقة البحرية أو البرية التى تمنح فيها الدولة حق البحث والاستكشاف والحفر لشركة أو لمجموعة من الشركات. وعندما تتأخر عمليات التطوير هذه - لأسباب فنية أو نتيجة تغير أولويات الشركات العالمية - يتأخر معها دخول الغاز الجديد إلى الشبكة القومية المعدّة للاستخدام الداخلى. وهذا التراجع لا ينفى قوة موقع مصر، لكنه يشير بوضوح إلى حتمية تسريع عمليات التطوير، خاصة فى المياه العميقة. كذلك، فعلى المستوى الإقليمى، لا يمكن فصل هذا المشهد عن التحركات التركية الأخيرة. فتركيا، التى كانت فى مواجهة مفتوحة مع مصر واليونان وقبرص لسنوات، مدفوعة بأسباب أيديولوجية وسياسية قبل أن تكون اقتصادية، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى التهدئة. فالتقارب المصرى - التركى الذى شهدته الشهور الماضية يرتبط جزئيا برغبة أنقرة فى استعادة موقع داخل معادلة الطاقة فى شرق المتوسط - كما أوضحت فى مقال الأسبوع الماضى - بعد أن وجدت نفسها خارج معظم الترتيبات البحرية خلال السنوات السابقة. وهذا يعنى أن أى انفتاح تركى جديد لن يكتمل دون القاهرة، سواء فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية الخاصة بحقول الغاز أو بفرص التعاون فى مشاريع مستقبلية. فى المقابل، تحاول إسرائيل من حين لآخر إعادة إحياء مشروع خط أنابيب نحو قبرص واليونان، وهو مشروع كانت قد توقفت خططه بسبب تكلفته العالية وتعقيداته الفنية، لكنه عاد للظهور على السطح فى ظل حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة. ورغم أن المشروع ليس من المتوقع أن يتم تنفيذه فى الأجل القريب، فإن مجرد طرحه مجددا يكشف أن معادلة سوق الغاز فى شرق المتوسط ليست ثابتة، وأن الترتيبات الحالية - حتى وإن بدت مريحة لمصر - قد تمثل مشكلة تنافسية لها فى المستقبل. وهنا لا يمكن إغفال التأثير غير المباشر للتوتر القائم فى البحر الأحمر، والذى أثّر بدوره على حركة الملاحة وأدى إلى تراجع عائدات قناة السويس. وهذا التراجع لا يتعلق بملف الغاز بشكل مباشر، لكنه يؤثر على معادلة الاستقرار التى تعتمد عليها مصر فى جذب الاستثمارات المتعلقة بالطاقة، والتى تمثل أحد أركان الأمن القومى المصرى. فثقة الشركات العالمية فى مسارات التصدير جزء أساسى من قدرتها على اتخاذ قرارات الاستثمار، وأى اضطراب فى البيئة المحيطة يؤثر على الاستعداد للمخاطرة لدى هذه الشركات. • • • فى ظل هذه التطورات، يبقى موقع مصر الاستراتيجى فى شرق المتوسط قائما على ثلاثة أركان: البنية التحتية للتسييل، الترتيبات السياسية التى تقودها مصر عبر المنتدى الإقليمى، وقدرة مصر على جذب استثمارات جديدة فى الامتيازات البحرية. والحفاظ على هذه العناصر يتطلب إدارة دقيقة للملف، وسياسة متوازنة بين احتياجات السوق وبين الحسابات السياسية والالتزامات الأخلاقية، خاصة فى ظل تزايد المنافسة العالمية مع توسع صادرات الولاياتالمتحدة وقطر، وتراجع أسعار الغاز خلال العام الماضى. الخلاصة إذن أن المشهد فى شرق المتوسط سريع الحركة والتغير، وأن خريطة الغاز القائمة حاليا فيه ليست نهائية! صحيح أنه من المؤكد أن مصر لا تزال الطرف الأكثر قدرة على الجمع بين الموقع الجغرافى، والبنية التحتية، والعلاقات الإقليمية التى تجعلها مركزا يصعب تجاوزه، لكن هذا لا يمنع من أن التحدى فى المرحلة المقبلة لن يكون فقط الحفاظ على هذا الموقع، بل تطويره فى ظل بيئة إقليمية وعالمية تتغير بوتيرة متسارعة. أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر