بعد كثير من التردد والتخوّف الذى دام سنواتٍ طويلة، أخيرًا تحقق الحلم، فالرئيس السيسى وبوتين، الرئيس الروسى، شاركا عبر الفيديو كونفرانس فى مراسم تركيب وعاء الضغط لمفاعل الضبعة النووى للوحدة النووية الأولى، وذلك بالتزامن مع الاحتفال بالعيد المصرى الخامس للطاقة النووية (19 نوفمبر من كل عام)، والذى يحمل فى طيّاته قيمة استراتيجية كبرى لمصر، ويثبت أن مصر – الجمهورية الجديدة – تمضى بخطوات ثابتة نحو مستقبل أكثر تقدّمًا، متجاوزةً كل الصعوبات والتحديات. تتمثل أهمية هذا التطور فى الكثير من الفوائد، على رأسها توفير الكهرباء اللازمة لاستكمال خطط التنمية الشاملة، وكما هو معروف فإن توفير الكهرباء يعنى تعزيز أمن الطاقة. ومن الفوائد العديدة الأخرى لمحطة الضبعة للطاقة النووية السلمية إدخال تقنيات تكنولوجية جديدة إلى عملية التنمية فى عدة مجالات، حيث سيقدم هذا المشروع العملاق فرصًا كثيرة لتأهيل كوادر مصرية فى مجال العلوم النووية، وهى كوادر سوف تستخدم خبراتها فى مجالات أخرى كالصناعة والزراعة والطب والصحة وأوجه الإنتاج المختلفة. وإضافة إلى ذلك، فإن إنتاج الكهرباء من الضبعة من شأنه أن يحمى مصر من تقلبات أسعار الطاقة، كالبترول والغاز، فى أسواق الطاقة العالمية. وأيضًا، وحسبما أكد الرئيس السيسى، فإن المشروع سيُحقّق توطين المعرفة بدلًا من استيرادها، وهذا التوطين جزء من تحقيق استقلال الإرادة الوطنية. كما أنه سيضع مصر فى موقع ريادى كمركز لإنتاج الطاقة الكهربية النووية فى المنطقة. ومن البديهى أن المشروع سيُوفّر فرص عمل لآلاف الأيدى العاملة، مما يسهم فى تخفيف مشكلة البطالة التى اتخذنا فى السنوات الأخيرة إجراءات ناجحة للحد منها. ويبقى أن هذا التعاون المصرى الروسى سيدعم الثقل الاستراتيجى لمصر فى الشرق الأوسط، وذلك باعتبار أن روسيا إحدى القوى العظمى فى العالم. وقد وصف السيد الرئيس السيسى تركيب وعاء ضغط المفاعل بأنه صفحة جديدة مضيئة فى مسيرة مصر، التى ظل حلم الطاقة النووية السلمية يداعب عقول أبنائها. ولعل من الدلالات المهمة لهذا الحدث ما أشار إليه السيد الرئيس بأن الخطوة تمثل امتدادًا لمسيرة التعاون الثنائى المثمر مع روسيا، والتى شهدت إقامة مشروعات تاريخية عملاقة، ومنها السد العالى. وكذلك فإن من دلالات مشروع الضبعة أن مصر العظيمة مستمرة فى إنجاز التنمية رغم كل التحديات، وذلك من خلال العزيمة والإرادة والصمود التى عُرف بها الإنسان المصرى عبر التاريخ. ولا يخفى على أحد أن مصر تأخرت كثيرًا فى الانتقال إلى عصر النووى؛ فقد سبقتها دول كثيرة، منها دول من العالم الثالث. وربما كانت هناك تخوفات قديمة، خاصة بعد أزمة مفاعل «تشرنوبيل»، مما جعل الإدارة المصرية – رغم احتياج مصر إلى الكهرباء والتنمية عمومًا فى ذلك الوقت – تكبح وتوقف مشروعها النووى. ولكن اليوم دخلت تكنولوجيا حديثة إلى تلك المفاعلات، مما يجعلها أكثر أمانًا وانضباطًا من النوع القديم. فمرحبًا بذلك الحلم الذى يتحقق، ولمشاريع كبرى أخرى قادمة.