رغم بدء العمل على إنشائه منذ سنوات، يواجه أهم موانئ العراق على الإطلاق (الفاو الكبير) على ساحل الخليج العربي تحديات جمة، من ضمنها احتمال خسارة جدواه الاقتصادية جراء عزم الحكومة على افتتاحه قبل اكتماله. وأشار خبراء إلى أن الحكومة تخطط لافتتاح هذا المشروع المهم في شبه جزيرة الفاو بجنوب محافظة البصرة قبل اكتمال الطرق البرية السريعة وخطوط السكك الحديدية اللازمة لعمله، بالإضافة إلى ضحالة مياه الميناء مما يشكّل مخاطر بالغة على السفن الثقيلة. وأعلنت وزارة النقل العراقية في منتصف سبتمبر أيلول الماضي أن افتتاح المرحلة الأولى لميناء الفاو ستكون نهاية عام 2025، مؤكدة أن نسب الإنجاز في المقطع الأول لرصيف رقم 1 في الميناء اكتملت بنسبة 100 بالمئة وفي المقطع الثاني بنسبة تزيد عن 75 بالمئة، فيما تجاوزت نسبة إنجاز ساحة الحاويات 70 بالمئة. وُضع حجر الأساس للمشروع في أبريل نيسان 2010، ولكن واجهته عراقيل عدة عطلت العمل فيه. وتقدر تكلفة المشروع بنحو 4.8 مليار دولار، ومن المنتظر أن تبلغ طاقة الميناء المخطط إنشاؤه 99 مليون طن سنويا. ولدى العراق أربعة موانئ تجارية صناعية في محافظة البصرة، هي المعقل وخور الزبير وأبو فلوس وأم قصر. وتصدر البلاد نحو 80 في المئة من إنتاجها النفطي عبر موانئ البصرة على الخليج العربي. * وعود دون موعد يقول الخبير في الشأن الاقتصادي ناصر الكناني لوكالة أنباء العالم العربي (AWP) إن "تشغيل ميناء الفاو بشكل غير متكامل يفقده أهميته الاقتصادية، وكذلك الجدوى التي أنشئ من أجلها، إذ يجب أن يعمل الميناء بكامل طاقته حتى يحقق أهميته الاقتصادية". ويضيف "ميناء الفاو يجب أن يكون مكتملا من جميع النواحي قبل تدشين العمل به حتى يساهم ذلك في دعم الاقتصاد وجعل العراق محطة نقل عالمية، لا أن يكون افتتاحه إعلاميا فقط من دون أثر اقتصادي". ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي حسين بارود "استحالة" عمل ميناء الفاو خلال العامين أو الثلاثة المقبلة. ويستطرد "ما زال حوضه غير عميق لا يتجاوز الستة أمتار نظرا لوقوعه بمنطقة ضحلة تتصل بمدخل خور عبد الله الذي لا يزيد عمقه عن 13 مترا. ونحن هنا نتحدث عن حمولات ثقيلة جدا، تحتاج إلى عمق يقارب 19 مترا". وفي مقابلة مع وكالة أنباء العالم العربي، يصف بارود الإعلان عن قرب تشغيل الميناء بأنه "استعراض إعلامي لا يمت للحقيقة بصلة، فمن يريد استخدام الميناء عليه أن يشرح كيف سيُستخدم"، محذرا من "غرق" أي سفينة تدخل الميناء بحمولة ثقيلة. غير أن وزارة النقل أكدت في أغسطس آب الماضي استمرار أعمال تعميق القناة الملاحية وحوض ميناء الفاو الكبير لحين الوصول إلى عمق 20 مترا بما يتيح استقبال سفن الحاويات والبضائع بأوزان تتجاوز 120 ألف طن، وأشارت إلى رفع قرابة تسعة ملايين متر مكعب من الطين من مشروع القناة الجديدة في خور عبد الله وحوض ميناء الفاو الكبير. ويرى وزير النقل الأسبق والنائب الحالي عامر عبد الجبار أن افتتاح ميناء الفاو قبل أن يعمل بكامل طاقته مع شبكة طرق متكاملة أمر غير صحيح. ويضيف "فمن دون ذلك لن يكون للافتتاح أية أهمية اقتصادية ولن يحقق الميناء أهدافه التجارية والاقتصادية". ويتابع قائلا لوكالة أنباء العالم العربي "حتى الآن لا يوجد موعد رسمي محدد من قبل الجهات الحكومية بشأن عمل أو افتتاح ميناء الفاو، وما نسمع به عبارة عن وعود فقط دون موعد ودون عرض ما تم إنجازه من نسب متقدمة في هذا المشروع المهم والحيوي للعراق". * الربط السككي مع إيران في سبتمبر أيلول الماضي، وضع رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني حجر الأساس لمشروع ربط السكك الحديدية مع إيران في منفذ الشلامجة الحدودي بمحافظة البصرة مؤكدا أهميته لنقل المسافرين وزائري العتبات الدينية من إيران وبلدان وسط آسيا. كما أن النائب الأول للرئيس الإيراني محمد خبير، الذي حضر حفل وضع حجر الأساس، وصف مشروع خط سكة حديد البصرة- شلامجة بأنه خطة استراتيجية لإيرانوالعراق سوف تمتد إلى البحر المتوسط. لكن متخصصين يرون أن الربط السككي سيُستخدم للبضائع وليس لنقل المسافرين، ما سيعزز الموانئ الإيرانية على حساب ميناء الفاو. وحذر الوزير السابق عبد الجبار من هذا الربط قائلا إن من شأنه أن يهدد مشروع ميناء الفاو "الذي يحظى بأهمية اقتصادية كبيرة". وأضاف "بسببه، سوف تتضرر المسارات والقطارات العراقية لأن إيران سوف تنقل بضائعها إلى العراق ودول المنطقة من خلاله ولن يكون لميناء الفاو أهمية تذكر". وقال الكناني، الباحث في الشأن الاقتصادي، إنه إذا نقلت هذه السكك حمولات تجارية ثقيلة فسوف تسبب أضرارا اقتصادية للميناء، خصوصا إذا شغّلت طهران موانئها العميقة، مضيفا "وهذا ما نخشاه في الحقيقة". وأضاف "السعي لإكمال الربط السككي مع إيران واستخدامه للنقل التجاري قبل عمل ميناء الفاو سيكون له تأثير سلبي كبير على الميناء ويفقده جدواه الاقتصادية والأهداف التي تم تأسيسه من أجلها". غير أن الخبير الاقتصادي همام الشماع يعتقد أن الربط السككي مع إيران سيستغرق فترة طويلة جدا، وقد لا يكتمل قبل إكمال كل الطاقات الاستيعابية لميناء الفاو "لذا لا تأثير سلبيا على الميناء، خصوصا مع إصرار الجهات التنفيذية على أن هذا الربط هو لنقل المسافرين فقط، وليس للبضائع". واستدرك قائلا "لكن تحويل الربط السككي مع إيران لغرض نقل البضائع قد يكون مضرا بالجدوى الاقتصادية لميناء الفاو وحتى بطريق التنمية الكبير. ولكن بحسب المعلومات، سوف يخصص الربط لنقل المسافرين وعلى هذا الأساس وقع البلدان هذا الاتفاق مؤخرا". * طريق التنمية يرتبط ميناء الفاو، الذي وضعت حجر الأساس له حكومات عراقية سابقة، بمشروع (طريق التنمية) الذي أعلن عنه رئيس الحكومة العراقية محمد شياع السوداني في مايو أيار الماضي. ويشمل المشروع مد طريق بري وحديدي من العراق إلى تركيا وموانئها، وسيسمح لتركيا بنقل النفط والغاز الطبيعي من العراق إلى الأسواق العالمية. ويمثل طريق التنمية أهمية كبرى لتركيا فيما يتعلق بنقل البضائع والمشتقات النفطية بينها وبين العراق ودول الخليج. وعقد وزير المواصلات والبنى التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو سلسلة لقاءات مع نظيره العراقي رزاق محيبس السعداوي، كما التقى رئيس الوزراء العراقي لبحث تفاصيل المشروع. وعقب اللقاء الذي جمعه بالوزير التركي في مستهل الشهر الحالي، أصدر السوداني بيانا قال فيه إن تنفيذ مشروع طريق التنمية سيعزز الروابط المشتركة بين العراقوتركيا وباقي دول المنطقة وسيخدم المصالح المشتركة، مشيرا إلى أنه "الممر الأفضل والأقصر والأقل تكلفة من ناحية النقل والترانزيت وربط الشرق الأوسط بالقارة الأوروبية". ويهدف العراق من ذلك المشروع إلى اختصار مدة السفر بين آسيا وأوروبا عبر تركيا فضلا عن رغبته في أن يصبح مركزا للعبور في المنطقة. وسيربط الطريق ميناء الفاو الكبير، بعد الانتهاء منه، بتركيا عبر السكك الحديدية والطرق السريعة. وتبلغ الميزانية الاستثمارية للمشروع حوالي 17 مليار دولار، ومن المقرر إنجازه على ثلاث مراحل، تنتهي الأولى عام 2028 والثانية في 2033 والثالثة في 2050.