بعد وفاة النبي محمد -صل الله عليه وسلم- وإكماله لرسالته وأدائه الأمانة التي وُكل بها لأمته، بدأ التاريخ الإسلامي حقبة جديدة بمفردات وأبعاد متعددة، فرضها الجانب السياسي على المشهد في المجتمع الإسلامي، وبفعل الاختلاط بثقافات مترادفات وأفكار مجتمعات مختلفة، مع مد الفتوحات واتساع رقعة الدولة، وتشكل من بعدها عصر الخلافة بعدما مضى عهد النبوة. وعلى مدار ما يزيد على 1000 عام، حكم الدولة الإسلامية العشرات من الخلفاء والحكام، بتتابع الدول الأموية والعباسية والمملوكية نهاية بالعثمانية. واختلفت مشارب ومآرب كل من تلك الدول وحكامها، ومن المراجع التاريخية وكتابات المفكرين، وتحت عنوان: "دار الخلافة"، نتناول ملامح من سيرة الخلفاء ومواقفهم وفلسفتهم في حلقات مسلسلة على أيام شهر رمضان المبارك. الحلقة السابعة.. تناولنا في الحلقة السابقة، بدايات تولي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للخلافة، وشأنها شأن أي تجربة قيادة وحكم لم تحظ بإجماع من الكافة، حيث كان البعض لا يزالون يبرمون به لغلظته، ولبعضهم في ولاية الأمر رغبة ومطمح. ورأى "بن الخطاب"، أنه لن تستقيم الأمور في دولة لا يتضامن أولو الرأي فيها على توجيه سياستها، والموقف أدق من أن يدعه عمر للزمن، مكتفيًا بأن يدعو الله -عز وجل- أن يحببه للناس وأن يحبب الناس إليه؛ ليخطب بالمسجد خطبة بليغة يرسم من خلالها ملامح حكمه وسياسته ويجمع من خلالها كلمة المسلمين. وقال عمر بن الخطاب: "بلغني أن الناس هابوا شدتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه". ويرد عمر، عن ذلك الفرض قائلا: "ثم إني وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض". وتعد خلافة عمر بن الخطاب من أفضل الفترات التي مر بها التاريخ الإسلامي، حيث كان نموذجا للحاكم العادل. وعلى الجانب السياسي، فقد تمددت حركات الفتوحات؛ لتنضم للدولة الإسلامية بلدان جديدة من الشرق والغرب. وكانت مصر، من أبرز البلاد التي تم فتحها في العهد العمري، ومن أسباب إقدامه على تلك الخطوة، ما تعج به مصر من خيرات ينال الروم أكثرها ولا يبقى للمصريين منها إلا القليل الذي يقيم أودهم ليعملوا في أرضها المعطاء، بحسب ما ذكره الدكتور محمد حسين هيكل، في كتابه "الفاروق عمر". ورغم ما كان يردده المحيطين بالخليفة من أسباب ودوافع للتقدم نحو مصر؛ لكن عمر لم يأذن بهذا السير إلا بعد تردد طويل. ووجد جماعة من كبار الصحابة بالمدينة راغبة عنه، خاشية سوء مغبته، تحاول حمله على الرجوع عنه، ورد ابن العاص عن السير إليه. • مغامرة في مواجهة الروم وسبب آخر ذكره "هيكل" بكتابه، حمل عمر -رضي الله عنه- على التردد في فتح مصر، ذلك أن الشام لم تكن خضعت كلها لسلطان المسلمين إلى آخر السنة السادسة عشرة، وبقي شمالها يناوئهم ولا يستقر لهم فيه أمر حتى قضى أبو عبيدة بن الجَرَّاحِ وخالد بن الوليد على مقاومتهم، وذلك حين بعث هرقل قواته تحملها السفن من الإسكندرية إلى أنطاكية، وحين خرج أهل الجزيرة يمدونه، ثم انتهى الأمر بهؤلاء وأولئك إلى الفرار. ثم إن قَيْسَارِيَّة ظلت في موقعها الحصين على شاطئ البحر تقاوم قوات المسلمين، وتهدد مراكزهم بفلسطين إلى أن افتضها معاوية بن أبي سفيان. ولم يكن لعمر، وذلك كان شأن سورية وفلسطين إلى أخريات السنة السابعة عشرة من الهجرة أن يغامر بإرسال قواته من الشام لمواجهة الروم بمصر، أتراه يقدم على هذه المغامرة إذا فتح الله عليه الشام؟ كان يتردد في هذا، وكان يجد من عثمان بن عفان ومن غيره من الصحابة المقيمين بالمدينة من يزيده دون الإقدام والمغامرة ترددًا. • مجاعة شبه الجزيرة العربية فلما خضعت الشام كلها طرأ سبب جديد أبقاه في تردده؛ فقد فشت المجاعة في شبه الجزيرة وهددت أهلها بالفناء، فشغلت عمر عن التفكير فيما سواها، وكيف يفكر في غزو الروم بمصر والناس في شبه الجزيرة جياع لا يصلحون مددًا لأي جند يواجه الروم أو يواجه الفرس!، ولم تكد المجاعة تنقضي حتى فشا طاعون عمواس بفلسطين وامتد منها إلى الشام والبصرة، فأزعج عمر والمسلمين جميعًا، حتى لقد ساورتهم الخشية من انتقاض العراق والشام بهم؛ ورجعة الفرس والروم للقضاء ثَمَّ على سلطانهم، وكان طبيعيًّا أن ينسى عمر في أثناء المجاعة والطاعون كل ما حدثه به عمرو بن العاص عن مصر وأن ينصرف كل الانصراف عن التفكير في غزوها. اقرأ أيضا: دار الخلافة (6).. «أعينوني على نفسي بالمعروف».. خطبة عمر بن الخطاب في بداية عهده وغداً نلتقي بحلقة جديدة..