إعلام بني سويف تحصد المركز الأول في الملتقى الإعلامي العربي للشباب    رئيس قضايا الدولة ينعي الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي الأسبق    قرارات جديدة ضد 3 طلاب متهمين بإشعال النار في صديقهم بإمبابة    السمدوني: 33 ميناءً جافًا ومنطقة لوجستية تدعم تحول مصر لمركز إقليمي    هدوء نسبي في سوق الذهب بعد قفزات تاريخية.. وعيار 21 يستقر يقترب ل 7000 جنيهًا    توجيهات رئاسية لضمان استقرار الشبكة القومية والتوسع في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي الإقليمي    بنك القاهرة يوقع اتفاقية تمويل مع «قنديل للزجاج» بقيمة 20.4 مليون دولار    البرلمان الإيراني: استبعاد أوروبا من المفاوضات لعدم موثوقيتها    السند وقت الشدة، رسالة شيكابالا لجماهير الزمالك    أشتوريل البرتغالي يتوج النسخة الثالثة من بطولة دوري زد الدولية للناشئين تحت 15 سنة    السكة الحديد: وفاة شخص وإصابة 3 آخرين إثر اصطدام قطار مطروح مع عربة نقل    القبض على عاطل هتك عرض طفل بقنا    تأجيل محاكمة مديرة مدرسة سيدز ومشرفاتها بتهمة تعريض الطلاب للاعتداء ل 1 مارس    الأرصاد تحذر: نشاط رياح مثيرة للرمال والأتربة وتدهور الرؤية بهذه المناطق    المحكمة العليا السعودية تدعو المسلمين لتحري رؤية هلال رمضان مساء الثلاثاء    حقيقة فيديو خطف طفل السويس.. الداخلية تكشف كواليس صراع عائلي    هيئة الكتاب تصدر "اللغة المصرية القديمة في القرآن الكريم" ل هالة محمد عبدون    وزارة الأوقاف تُحيي ذكرى رحيل الشيخ مصطفى عبد الرازق    بالأرقام، خالد عبد الغفار يستعرض أمام الشيوخ خطة النهوض بالقطاع الصحي    الصحة: الخط الساخن 105 يستقبل 5634 مكالمة خلال يناير 2026 بنسبة استجابة 100%    أربيلوا: آلام الركبة وراء غياب مبابي.. وتجهيزه لمواجهة بنفيكا هو الأهم    انطلاق معسكر حكام أمم أفريقيا للسيدات بمشاركة السيد مراد ويارا عاطف    الجودو| مصطفى صلاح حمادة يحقق الميدالية البرونزية في كأس إفريقيا بتونس    «التعاون الخليجي»: الشراكة مع الناتو ترجمة حقيقية للاستقرار المنطقة والعالم    اعتماد تعديل تخطيط وتقسيم 3 قطع أراضي بالحزام الأخضر بمدينة 6 أكتوبر    انعقاد الاجتماع السادس عشر للجنة الفنية للملكية الفكرية    «الشيوخ» يبدأ جلسته باستيضاح سياسة الحكومة بشأن الخطة القومية لمكافحة الأورام    حماس: الاحتلال يستبق اجتماع مجلس السلام بمجزرة جديدة في غزة لفرض وقائع دموية    رئيس جامعة العاصمة ينعى الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي الأسبق    تأجيل زيارة وزيرة التضامن الاجتماعي لشمال سيناء بسبب سوء الأحوال الجوية    كييف تعلن إسقاط 55 طائرة مسيرة روسية خلال الليل    اتحاد الناشرين العرب يطلق مبادرة لدعم مكتبات وزارة الثقافة السورية    العوضى يتصدر المشهد ودراما رمضان على شاشات المتحدة تشعل ترند منصة X    «جيهان زكي» تبهر الحضور بثلاث لغات في ختام ملتقى النحت    عمر خيرت يعزف للحب في أمسية استثنائية بالأوبرا    منطقة الأقصر الأزهرية تعقد فعاليات مسابقة الإمام الأكبر لحفظ القرآن الكريم    الدكتور حسام موافى: أنا بفضل الله وبحمده بصحة جيدة وكل عام وأنتم بخير    «تعليم القاهرة» تتابع الانضباط بمدرسة التونسي الرسمية للغات    أمان ملاذ المواطنين قبل الشهر الكريم.. ملحمة إنسانية لتوفير السلع الغذائية    هل تم إغلاق بوابة مستشفى الدمرداش؟.. جامعة عين شمس تكشف التفاصيل    حبس سيدة ألقت ابنها الرضيع على قيد الحياة بمقلب قمامة فى الإسكندرية    "لا يوجد موعد لغلق الملعب".. محمد عادل يكشف تفاصيل الحضور الجماهيري لمباراة الأهلي    حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت..    مسلسل رأس الأفعى يتصدر تريند X قبل عرضه حصريًا على ON فى رمضان    أنا وقلمى .. قصتى مع حفيدتى.. و«عيد الحب»    ماذا ننتظر من نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية؟!    على هامش مؤتمر ميونخ.. وزير الخارجية الصيني يدعو لتعزيز العلاقات مع كندا    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 15فبراير 2026 فى المنيا....اعرف مواقيت صلاتك بدقه    أولاد حارتنا.. أسئلة فلسفية! (3)    تسريبات جديدة حول مقتل لونا الشبل.. ماذا كشفت؟    وزير التعليم العالي ينعى الدكتور مفيد شهاب    هشام حنفي: كامويش ينقصه التأقلم.. وناشئو النادي يستحقون فرصة    القطة التى أوقعت ب«إبستين»    شائعة جديدة تطال طبيب القلوب والعقول.. القصة الكاملة عن حسام موافي    اليوم.. نظر محاكمة 11 متهما بقضية داعش الهرم    شهداء ومصابون في قصف إسرائيلي على مخيم جباليا شمال غزة    رد الهزيمة بسيناريو مماثل وتاريخي.. إنتر يفوز على يوفنتوس في الدقائق القاتلة    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مصر قصة حضارة: القلقشندى وموسوعته صبح الأعشى
نشر في الشروق الجديد يوم 07 - 03 - 2010

كان عصر المماليك من أزهى عصور الحضارة العربية الإسلامية فى مصر، فى مجالات الفكر والثقافة والفنون والآداب، وصلت الحياة الفكرية فى مصر فى القرنين الثامن والتاسع الهجريين إلى قمة نضجها وازدهارها، وعادت إلى البلاد أمجادها التى غابت عنها منذ عصور الحضارة المصرية القديمة، وكانت القاهرة وكبرى مدن الدلتا والصعيد مقصدا لطلاب العلم والباحثين عن المعرفة يفدون عليها من كل أنحاء العالم الإسلامى لينهلوا من علمائها ويدرسوا على أيديهم وفى أواخر عصر دولة المماليك البحرية وأوائل عصر دولة المماليك الجراكسة، أى فى القرنين الثامن والتاسع الهجريين عاش فى مصر مجموعة من العلماء الأعلام.
وكان من بين هؤلاء الأعلام ثلاثة من أصحاب المؤلفات الفذة فى ذلك العصر وهم: أحمد بن عبدالوهاب النويرى المتوفى سنة 732 هجرية، وأحمد بن فضل الله العمرى المتوفى سنة 749 هجرية، وأحمد أبن على القلقشندى المتوفى سنة 821 هجرية.
ورغم تعدد مؤلفات الرجال الثلاثة فإن لكل منهم كتابا عمدة من بين كتبه ارتبط اسمه به وذاع صيته واشتهر بسببه، وهذه الكتب الثلاثة هى «نهاية الأرب فى فنون الأدب» للنويرى، و«مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار» لابن فضل الله العمرى، و«صبح الأعشى فى صناعة الإنشا» للقلقشندى، وعن هذه المؤلفات الثلاثة يقول المؤرخ والمفكر المصرى الراحل محمد عبدالله عنان:
«إنه لمن التجاوز والتواضع أن نسمى هذه المؤلفات المدهشة كتبا، فهى فى الواقع موسوعات ضخمة شاسعة، لا تدل أسماؤها على حقيقة محتوياتها، ومن الصعب أن نصف مؤلفيها بأنهم كتاب أو أدباء من نوع معين، فهم فى الواقع علماء موسوعات (انسكلوبيديون)، امتازوا بالتمكن والتوسع فى كثير من علوم عصرهم، واستطاعوا بكثير من الجهد والجلد أن يجمعوا أشتاتها فى أسفار منظمة متصلة، وأن يجعلوا من هذا النوع من الكتابة، فنا خاصا، لا يستطيع أن يضطلع به سوى القليل من العلماء أو الكتاب الذين يتمتعون بمواهب خاصة، وقد وجدت فكرة الموسوعات العامة فى الأدب العربى قبل القرن الثامن، ولكنها لم تصل من قبل إلى مثل هذا التوسع فى النوع وهذا التبسط فى المادة».
وسوف نتوقف اليوم عند واحدة من هذه الموسوعات وهى كتاب «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا» لشهاب الدين أحمد بن على القلقشندى.
ولد القلقشندى فى خمسينيات القرن الثامن الهجرى وتوفى فى سنة 821 هجرية فأدرك بذلك عصرين من عصور التاريخ المصرى، عصر دولة المماليك البحرية وعصر دولة المماليك الجراكسة، وبين مولد القلقشندى فى خمسينيات القرن الثامن ووفاته فى عشرينيات القرن التاسع للهجرة عاش الرجل حياة حافلة غنية مكنت له من تأليف موسوعته الكبيرة.
ولد القاضى شهاب الدين أحمد بن على القلقشندى بقرية قلقشندة إحدى قرى القليوبية فى سنة 759 ه، وكان ينتمى إلى أسرة من أصول عربية من تلك الأسرات التى هاجرت إلى مصر واستقرت بها ضمن عديد من الهجرات العربية إلى مصر، وقد درس القلقشندى بالقاهرة والإسكندرية على يد كبار علماء عصره، وتخصص فى الفقه الشافعى والأدب وعلوم اللغة والبلاغة، وتولى بعض الوظائف الإدارية فى الدولة، وقد لفتت براعته فى الإنشاء نظر بعض رجال البلاط إليه، فرشح للعمل فى ديوان الإنشاء وكان من أهم دواوين الدولة فى ذلك العصر، وترقى فى العمل فى الديوان ووصل فيه إلى أرفع المناصب، وقد بدأ عمله فى الديوان فى سنة 791ه فى زمن السلطان الظاهر برقوق واستمر يعمل فى الديوان لأكثر من عشر سنوات.
وكان عمل القلقشندى فى ديوان الإنشاء وراء تأليفه لموسوعته الضخمة «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا»، فقد أتاح له العمل فى الديوان التعرف على كل تفاصيل النظم السياسية والإدارية لسلطنة المماليك عن قرب.
ويبدو أن تأليف القلقشندى لموسوعته كان بناء على طلب من أحد كبار المسئولين فى الدولة وربما كان السلطان نفسه، وذلك بعد أن وضع مقامة صغيرة عن صناعة الإنشاء، حيث يقول القلقشندى فى مقدمته لكتاب صبح الأعشى فى صناعة الإنشا:
«وكان فى حدود سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، عند استقرارى فى كتابة الإنشاء بالأبواب الشريفة السلطانية، عظم الله تعالى شأنها، ورفع قدرها، وأعز سلطانها، أنشأت مقامة بنيتها على أنه لابد للإنسان من حرفة يتعلق بها، ومعيشة يتمسك بسببها، وأن الكتابة هى الصناعة التى لا يليق بطالب العلم من المكاسب سواها، ولا يجوز له العدول عنها إلى ما عداها، ونبهت إلى ما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من المواد، وما ينبغى أن يسلكه من الجواد، وضمنتها من أصول الصنعة ما أربت به على المطولات وزادت، وأودعتها من قوانين الكتابة ما استولت به على جميع مقاصدها أو كادت....»
ويمضى القلقشندى فى مقدمته قائلا: «إلا إنها قد وقعت موقع الوحى والإشارة، ومالت إلى الإيجاز، فاكتفت بالتلويح عن واسع العبارة، فعز بذلك مطلبها، وفات على المجتبى ببعد التساؤل أطيبها، فأشار من رأيه مقرون بالصواب، ومشورته عرية عن الارتياب، أن أتبعتها بمصنف مبسوط، يشتمل على أصولها وقواعدها، ويتكفل بحل رموزها وذكر شواهدها، ليكون كالشرح عليها، والبيان لما أجملته، والتيمة لما لم يسقه الفكر إليها، فامتثلت أمره بالسمع والطاعة، ولم أتلكأ وإن لم أكن من أهل هذه الصناعة، فشرعت فى ذلك بعد أن استخرت الله تعالى وما خاب من استخار، وراجعت أهل المشورة وما ندم من استشار».
ورغم أن الهدف من تأليف القلقشندى لموسوعته «صبح الأعشى فى صناعة الإنشا» يبدو هدفا تعليميا بحتا، حيث قصد بها أن تكون كتابا جامعا للمعارف اللازمة لكتاب ديوان الإنشاء، فإنها جاءت عملا موسوعيا فذا، فكتاب صبح الأعشى يجمع بين التاريخ، والجغرافيا، والنظم السياسية، ونظم الإدارة، والتنظيمات المالية والاقتصادية، فضلا عما فيه من مواد ذات علاقة وثيقة بالأدب واللغة والخطوط، وقد قسم القلقشندى كتابه إلى عشر مقالات استوعبت عند طباعتها فى أوائل القرن الماضى أربعة عشر مجلدا من القطع المتوسط.
وقد جمع القلقشندى فى كتابه كل ما أتى به السابقون عليه من كتاب ديوان الإنشاء فى مؤلفاتهم عن الكتابة الديوانية منذ عهد البعثة النبوية حتى القرن التاسع الهجرى، ولكنه أضاف على هذا الكثير من خبراته وابتكاراته، كما ضمن القلقشندى كتابه نصوص مئات من الوثائق التى صدرت فى عصور الدولة الإسلامية المختلفة والتى فقدت أصولها فحفظ لنا بذلك قسما كبيرا من تاريخنا الضائع، كما عرفنا من خلال موسوعته تلك الكثير من المعلومات عن العلاقات الخارجية لمصر وصلاتها بغيرها من الممالك الإسلامية، وصلاتها أيضا بالدول الأوروبية.
وقد استغرق تأليف هذا العمل الموسوعى عشر سنوات من القلقشندى حتى يتمه، ومع ذلك لم يكن مؤلفه الوحيد، بل وصلتنا من أعماله عدة مؤلفات أخرى فى التاريخ والأدب وأنساب القبائل العربية.
لقد أثرى الرجل المكتبة العربية فى مصر فى عصره وخلدته أعماله عبر القرون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.