تتعدد الاستراتيجيات المنهجية في مجال تفعيل التربية الإعلامية الرقمية Media Education لمواجهة التأثير السلبي للمحتوى الرقمي بأنماطه المتعددة من خلال شبكات التواصل الاجتماعي. ويتناول مقال اليوم استراتيجية هامة يفرضها التطور التقني والتفاعلي المتسارع في آليات الاستخدام والتفاعل من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة في ظل التنافس بين القائمين على هذه الشبكات؛ لجذب أكبر عدد من المستخدمين، ألا وهي استراتيجية صناعة المحتوى الرقمي في إطار فهم وإدراك الخصائص التقنية والوظيفية للرسالة الإعلامية عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وتزداد أهمية هذه الاستراتيجية في ظل النمو المتزايد لصانعي المحتوى الرقمي، وخاصة من غير المتخصصين في الحقل الإعلامي، والذين يهدفون إلى صناعة محتوى يهدف إلى الانتشار وتحقيق الأرباح المادية والشهرة دون التعمق في الأهداف أو الخصائص الخاصة بكل شبكة اجتماعية، فهو يصنع المحتوى للنشر عبر "فيسبوك"، ونفس المحتوى بكل خصائصه هو ما يتم نشره عبر حساباته الأخرى على (تويتر، وإنستجرام، ولينكد إن، وتيك توك)، وغيرها من الشبكات الاجتماعية، دون وعي بتباين الخصائص التفاعلية والتقنية والسياسات العامة لهذه الشبكات. لقد تعلمنا من خلال الدراسة الأكاديمية للإعلام أن من أولويات صناعة المحتوى في مراحل الإنتاج المختلفة، بالإضافة إلى تحديد الجمهور، هو أن تحدد الوسيلة التي ستنقل من خلالها الرسالة إلى الجمهور، وأن تفهم خصائصها التقنية والفنية، ثم تقوم بإعداد الرسالة وتوظيفها وفق لهذه الخصائص لتحقيق الهدف المنشود، وللأسف فقد أتاحت تكنولوجيا الإعلام وصناعة المحتوى الرقمي، السهولة والبساطة في هذه الصناعة، وبقدر ما أفادت التقنية الحديثة في تحقيق الانتشار اللامحدود للرسالة الإعلامية وتفعيل دور المتلقي كصانع للرسالة الإعلامية فيما أطلق عليه "إعلام المواطن"، إلا أن عدم الوعي بهذه الخصائص أدى إلى ارتفاع معدلات صناعة المحتوى غير الهادف، وأثرت هذه الظاهرة على نسبة كبيرة من الذوق العام، وخاصة جيل الشباب والأطفال، فأصبح المتلقي يهدف إلى متابعة الحسابات التي تقدم المحتوى السطحي الذي يحقق لاشيء سوى وظيفة التسلية والترفيه، وابتعدنا عن الوظائف الأساسية الأخرى للإعلام، التي من أهمها الإخبار والتفسير وتنمية الإدراك والوعي للمتلقي. ولعل الأمل يتجدد في ظل تفعيل هذه الاستراتيجية بين طلاب الإعلام، سواء من خلال تطوير المقررات العلمية في مجال صناعة المحتوى الرقمي في كليات ومعاهد الإعلام، أو من خلال التدريب العملي وورش العمل في الهيئات المعتمدة للمتخصصين في مجال الإعلام الرقمي، مما قد يسهم في اختفاء هذا المحتوى اللاهادف الوقتي، وخلق جيل جديد من الإعلاميين قادرين على إعادة الإعلام الراقي لعهده القديم، فما زالت برامجنا ومسلسلاتنا وأفلامنا المصرية القديمة شاهدا على تاريخ عظيم للإعلام المصري بكل مجالاته.
* أستاذ الإعلام الرقمي المساعد- رئيس قسم الإذاعة والتلفزيون كلية الإعلام جامعة المنوفية